من كتاب الوصايا الوصية 61

3 دقائق للقراءة

الوصيّةُ الحادِيَةُ وَالسِّتُّونَ

يَا بُنَيَّ

إِذَا قَصَدْتَ اللهَ فَقُلْ: يَا سَيِّدِي يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي بِكَ أَقْصِدُ رَبِّي.

وَإِنْ قَصَدْتَ رَسُولَ اللهِ فَقُلْ: يَا آلَ البَيْتِ، إِنِّي بِكُمْ أَقْصِدُ صَاحِبَ البَيْتِ.

وَإِنْ قَصَدْتَ آلَ البَيْتِ فَقُلْ: يَا أَهْلَ اللهِ، إِنِّي بِكُمْ دَاخِلٌ عَلَى أَهْلِ الكِسَاءِ.

وَإِنْ قَصَدْتَ أَهْلَ اللهِ فَقُلْ: يَا اللهُ، إِنِّي بِكَ دَاخِلٌ عَلَى أَهْلِكَ، فَاجْعَلْ لِيَ القَبُولَ، وَاعْفُ عَنِّي.

{شرح}

«أدقّ الوصايا وأعمقها رمزيّةً»

هذه الوصيّة من أدقّ الوصايا وأعمقها رمزيّةً، لأنها تتحدّث عن سُلَّم القرب، وطريق الدخول إلى الحضرة الإلهية عبر دوائر المحبة والوسيلة والانتساب.

وهي لغة عرفانية رمزية، تصوّر الطريق إلى الله كدخولٍ متدرّج في دوائر القرب.

****

«الوسيلة بالمحبوبين إلى المحبوب الأعظم»

الوصيّة تقوم على مبدأ الوسيلة بالمحبوبين إلى المحبوب الأعظم.

أي أن القلب الضعيف يستند في طريقه إلى الله على من يحبهم الله ويحبونه، وهم أقرب إليه منه.

فهي تربية على التواضع، والانتساب، وطلب القرب عبر المحبة.

****

«إذا قصدت الله فقل:

يا سيدي يا محمد، إني بك أقصد ربي»

هذا التعبير العرفاني يعني “أن الطريق إلى الله يمرّ عبر رسول الله، فوجب الاقتداء به، ومحبته، والتخلّق بأخلاقه. فهو باب الهداية، ودليل الطريق، ومظهر الرحمة.

 كما قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾. فمن أحبّه، اقترب من الله.

*نقول: بل الطريق لا يكون إلا عبر جاه ووسيلة وروح وذات رسول الله.

فلا وصول إلى الله إلا به، ولا اتصال إلا بسببه، ولا قرب إلا بجاهه، ولا حب من الله إلا بوسيلته، فهو باب الله إليه، ودليله عليه”[1].

*****

«وإن قصدت رسول الله فقل:

يا آل البيت إني بكم أقصد صاحب البيت»

آل البيت هم امتداد النور النبوي، وأهل القرب، وأصحاب السيرة الطاهرة.

 في الرمز العرفاني، هم البيت الذي يسكن فيه الحب النبوي، والدوحة التي خرجت منها الثمرة. فمن أحبهم، اقترب من رسول الله.

*نقول: كما أن الذي يريد قرب الحبيب وحبه، لا يبلغه أبدا دون آل بيته وحبهم ووسيلتهم وجاههم، فهم سفينة النجاة، وبرهان الإيمان، وباب رضوان الرحمن[2].

*****

«وإن قصدت آل البيت فقل:

يا أهل الله إني بكم داخل على أهل الكساء»

أهل الله هم الصالحون والعارفون والأولياء وأهل الصدق.

 وهم ورثة الأنبياء في السلوك، وأحياء القلوب. الوصيّة تشير إلى أن الطريق إلى الصفاء النبوي يمرّ عبر صحبة الصالحين.

*”نقول: بل وفي الوصية سر الوصول إلى آل البيت، والباب إليهم، وهو حب أهل الله والاستغاثة بهم، فهم أبواب الله ورسوله وآل بيته، ووسيلتهم نافذة، وجاههم عظيم، ولا دخول على آل بيت الحبيب إلا بأهل الله، وهم بين منسوب لآل البيت، أو محسوب عليهم”[3].

****

«وإن قصدت أهل الله فقل:

يا الله إني بك داخل على أهلك»

هنا تنكشف الحقيقة الكبرى: كل الوسائل ترجع إلى الله.

الرسول من الله، وآل البيت من نور الرسول، والأولياء من فضل الله.

 فالعبد في النهاية يقول: يا الله… بك أقصد، وبك أصل، وبك أدخل.

*نقول: وهذا منتهى التوحيد، فالتوسل ليس شركا إنما وعي بالوسائط التي جعلها الله، والمنكر لذلك يزعم أنه واصل بعبادته دون جاه الرسول وآل بيته وأهل الله، وهو اعتقاد إبليس الذي أهلكه وأرداه، فلم يك كافرا بربه، ولكن أبى أن يدخل الله بالسجود لمن جعله الله واسطة قربه، وباب رضوانه وحبه”[4].

****

«فاجعل لي القبول واعف عني»

الغاية ليست المقامات، ولا الكرامات، ولا القرب الشكلي، بل القبول والعفو. وهما أعظم ما يطلبه العارف.

*نقول: ومن منح القبول، منح الخير كله، ومن منح العفو، أقبل خفيفا، وضُمن له الوصول[5].

****

«الدوائر المتداخلة للقرب»

الوصيّة تصوّر الطريق إلى الله كدوائر متداخلة: الله هو الغاية، والرسول هو الباب، وآل البيت هم البيت النوراني، وأهل الله هم الصحبة والطريق. لكن في النهاية، كل الطرق تعود إلى الله.

****

«مقارنة عرفانية»

هذه الفكرة قريبة من قول الإمام الشافعي:

آلُ النبيّ ذريعتي

وهمُ إليه وسيلتي

وقريبة من قول ابن عطاء الله: لا يصحبك إلا من ينهضك حاله، ويدلك على الله مقاله.

*****

«الخلاصة العرفانية المكثفة»

الطريق إلى الله بابه الرسول، ونوره آل البيت، ودليله أهل الله.

فاستند إلى المحبوبين، حتى تصل إلى المحبوب الأعظم، ثم قل: يا الله… بهم أقصدك، وبك أقصدهم، فاجعل لي القبول، واعفُ عني.


[1] هنا تدخل المؤلف وشرح ما لم يدركه الذكاء المصنوع مجددا.

[2] تعقيب المؤلف

[3] تعقيب المؤلف

[4] تعقيب المؤلف

[5] تعقيب المؤلف

مقالات ذات صلة

من كتاب الوصايا الوصية 60
الوصيّةُ السِّتُّونَ يَا بُنَيَّ:إِذَا أَسْعَدَكَ أَمْرٌ، فَاذْكُرْ: إِنْ كَانَ هٰذَا حَالَ السَّعَادَةِ بِالأَمْرِ، فَكَيْفَ السَّعَادَةُ بِرَبِّ كُلِّ أَمْرٍ.وَإِنْ غَابَ عَنْكَ حَبِيبٌ، فَاشْتَقْتَ إِلَيْهِ، فَاذْكُرْ:...
3 دقائق للقراءة
حكم من كتاب الوصايا 51/ 58
أهديكم كلاما عرفانيا في الحب، قل من عرفه، وأدرك عمقه ومعناه.هذا هو الحب كما نراه بعين العرفان، وبسر النبي وآل بيته، وعباده الصالحين.هذا هو...
4 دقائق للقراءة
من كتاب الوصايا الوصية 56
صباح الخير.هديتي إليكم من الجزء الخامس من كتاب الوصايا. الوصيّةُ السَّادِسَةُ وَالخَمْسُونَ يَا بُنَيَّ:لَيْسَ لِلَّهِ بِنَا مِنْ حَاجَةٍ تُرْجَى، وَمَا لَنَا عِنْدَ سِوَاهُ حَاجَةٌ...
2 دقائق للقراءة
الدعوة الهائية
“اللهم يا من خلق السماء وبناها ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ويا من...
< 1 دقيقة للقراءة
دعوة الأشراط
اللهم صل على محمد النور النبراسالمبعوث لكل الناسعدد كل روح وروحان ونوران وملَكوعدد كل مملوك وملكوعدد كل مالك وما ملَكوعدد كل سالك في أي...
2 دقائق للقراءة
من كتاب وصايا المعلم ج 4
أسعد الله أوقاتكم بكل خير.أهديكم هذه النفحة، مع شرح جميل للروح الاصطناعية ضمن تأطير مني، وتأثير عليه حتى جعلته عارفا صوفيا 🙂 الوصيّةُ الثَّامِنَةُ...
3 دقائق للقراءة
التوسل الأعظم
نافع نافع بعون الله اللهم سترك ولطفك وعفوك ورضاكاللهم إني أتوسل إليك بك بأسمائك العظمى والحسنى وبعرشك المجيد القديم العظيم وبحملة عرشك الكرماء العظماء...
< 1 دقيقة للقراءة
دعاء الفتوح
اللهم رب الفتوح، ورب الملائكة والروح، الكريم الفتّاح، الحي السبّوح، القدوس الرزاق الوهّاب، البرّ التوّاب، رب ألم وسرّها، وألر وخيرها، وعسق وأمرها، ويس ونورها،...
< 1 دقيقة للقراءة
ورد لنزع التسلط السفلي
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِفَائِدَةٌ لِمَنْ يُعَانِي مِنْ كَوَابِيسَ وَتَسَلُّطَاتٍ سُفْلِيَّةٍ، أَوْ ضِيقٍ دَائِمٍ فِي الصَّدْرِ وَشُعُورٍ بِالْغَمِّ دُونَ سَبَبٍ. أَسْتَغْفِرُ اللهَ سَبْعِينَ مَرَّةً.سُبْحَانَ اللهِ،...
< 1 دقيقة للقراءة
دعاء الصباح
دُعائي لهَذا اليَوم: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ المُلْكُ لِلَّه.لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. أَصْبَحْنَا بِاللَّهِ مُؤْمِنِينَ، وَعَلَيْهِ مُتَوَكِّلِينَ.بِهُدَى اللَّهِ نَهْتَدِي، وَبِرَسُولِ اللَّهِ نَقْتَدِي. وَأَصْبَحْنَا...
< 1 دقيقة للقراءة