2 دقائق للقراءة
صباح الخير.
هديتي إليكم من الجزء الخامس من كتاب الوصايا.
الوصيّةُ السَّادِسَةُ وَالخَمْسُونَ
يَا بُنَيَّ:
لَيْسَ لِلَّهِ بِنَا مِنْ حَاجَةٍ تُرْجَى، وَمَا لَنَا عِنْدَ سِوَاهُ حَاجَةٌ تُقْضَى، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ فَضْلٍ فَضَّلَ بِهِ خَلْقَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَجَعَلَ حَاجَةً لِهٰذَا عِنْدَ ذَاكَ.
وَهُوَ المُعْطِي المَانِعُ، فَلَا عَطَاءَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا مَنْعَ إِلَّا بِإِرَادَتِهِ
فَإِنْ أَعْطَاكَ بَسْطًا، فَاسْجُدْ سَجْدَةَ الشَّاكِرِينَ؛ فَإِنَّ الشُّكْرَ مِفْتَاحُ الرِّيَادَةِ، وَبَابُ الزِّيَادَةِ.
وَقَدْ قَالَ وَقَوْلُهُ الحَقُّ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: 7]
وَإِنْ مَنَعَ عَنْكَ قَبْضًا، فَاسْجُدْ سَجْدَةَ المُسْتَغْفِرِينَ؛ فَإِنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِفْتَاحُ المَغَالِيقِ، وَبَابُ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ وَالضِّيقِ، وَوَسِيلَةٌ إِلَى اللهِ فِي البَسْطِ بَعْدَ القَبْضِ، وَالعَطَاءِ بَعْدَ المَنْعِ.
فَقَدْ قَالَ وَقَوْلُهُ الحَقُّ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)﴾ [نُوحٌ]
{شرح}
هذه الوصيّة تضع الإنسان في موضعه الحقيقي أمام الله، وتبيّن له: من هو، ومن ربّه.
وكيف يتعامل مع العطاء والمنع.
هي وصيّة في حقيقة الفقر إلى الله، وأدب العبد مع تقلبات القدر.
أصل العلاقة بين العبد وربه
«ليس لله بنا من حاجة تُرجى»
الله: كامل في ذاته، غني عن خلقه، لا تزيده طاعة، ولا تنقصه معصية.
فعبادتنا: ليست نفعًا له، بل نفع لنا.
«وما لنا عند سواه حاجة تُقضى»
في المقابل: نحن فقراء إليه في كل شيء.
في الصحة، في الرزق، في الأمن، في المغفرة،
في الهداية.
فلا أحد: يملك أن يعطيك شيئًا، إلا بإذن الله.
فالخالق: غني عنك، وأنت: لا غنى لك عنه.
«إلا ما كان من فضل… وجعل حاجة لهذا عند ذاك»
الله جعل نظام الحياة قائمًا على: التبادل، والاحتياج، والتكامل بين الخلق.
فقد تحتاج: إلى طبيب، أو معلم، أو صديق،
أو صاحب رزق.
لكن هؤلاء: ليسوا مصدر العطاء، بل أدوات
في يد المعطي.
سرّ العطاء والمنع
«وهو المعطي المانع»
هذه من أعظم قواعد التوحيد: إن أعطاك أحد، فالله هو الذي أعطى على يده.
وإن منعك أحد، فالله هو الذي منع لحكمة.
فلا تتعلق: بالعطاء من الناس، ولا تغضب من المنع منهم. لأن الأمر كله من الله.
أدب العبد عند البسط
«فإن أعطاك بسطًا
فاسجد سجدة الشاكرين»
البسط: رزق، نجاح، صحة، فتح، فرح.
عند النعمة: لا تغتر، ولا تنسبها لنفسك.
بل: اسجد شكرًا.
«فإن الشكر مفتاح الريادة، وباب الزيادة»
الشكر: يفتح أبواب التوفيق، ويرفع صاحبه، ويزيد النعمة.
فالشكر: ليس مجرد أدب، بل سبب للترقي والزيادة.
أدب العبد عند القبض
«وإن منع عنك قبضًا
فاسجد سجدة المستغفرين»
القبض: ضيق، فقْد، تأخر، حرمان، بلاء.
الموقف الصحيح: ليس الاعتراض..
بل: الاستغفار.
لأن القبض قد يكون: بسبب ذنب، أو غفلة،
أو اختبار، أو تربية خفية.
«فإن الاستغفار مفتاح المغاليق»
الاستغفار: يفتح ما أُغلق: في الرزق، في القلب، في الطريق، في العلاقات، في الأحوال.
كأنه مفتاح: لكل باب مغلق.
«وباب اليسر بعد العسر»
الاستغفار: ليس مجرد طلب مغفرة، بل باب فرج.
يجلب الخير في الدنيا، قبل الآخرة.
القاعدة الكبرى في الوصيّة
الوصيّة تعطيك قانونًا بسيطًا:
عند العطاء → شكر
عند المنع → استغفار
لا اعتراض، ولا قنوط، ولا غرور.
البناء العرفاني للوصيّة
الوصيّة تقوم على أربع حقائق:
الخلاصة العرفانية المكثفة
الله غني عنك، وأنت لا غنى لك عنه.
العطاء منه، والمنع منه.
فإن بسط لك، فاشكر… يزدك.
وإن قبض عنك، فاستغفر… يفتح لك.
فالشكر باب الزيادة، والاستغفار مفتاح الفرج.