عيد ميلادي السابع والأربعون

2 دقائق للقراءة

في عيد ميلادي السابع والأربعين، أرى العالم بشكل أوضح، وأجد في نفسي المزيد من الهدوء، وفي عقلي الكثير من الحكمة، وأجد أن السنين قد تصقل المرء صقل الموج للصخر، والحداد البارع للسيف.الهدوء مهم في هذه المرحلة، خاصة أمام جحافل الناقمين.والحكمة قيّمة، لأن خلفي جيش من المحبين من تلامذتي وأبنائي وأحبتي، وقد حرصت على بث العلم فيهم، وعلمتهم بصدق وإخلاص، بعضهم لأكثر من عشرين عام، فلا بخل المعلم، ولا سئم التلميذ، وما نضب معين الشيخ، ولا كلّ قلب المريد.في ذكرى دخولي لسجن هذا العالم الطيني الفاني، والذي هو بلا ريب ذكرى موجعة جدا لروحي القديمة وهي تموت لأحيا، أجد أن عالم الفناء سجن فعلا، لكن الله يوسعه لمن شاء بنفحة اللطف وشرف الاستخدام.والحمد لله الذي لطف بي دائما رغم كل ما مررت به مما كاد أن ينهي حياتي مرارا، واستخدمني فيما شاء من الخير، وكان فضله علي عظيما.في ذكرى ميلادي القريبة من الخمسين، أجد ان الحياة حلم غريب، فقد كنت طفلا منذ قليل، وكنت قبلها بلحظات جنينا يحمل روحا غريبة، ومولودا في ذلك الليل، من وجع الأم إلى فرح الأب، ومن مخاض الولادة إلى مخاض الحياة.حلم عشته بكل ما فيه، وبت أحلم اليوم ان أضم ذلك الطفل، وأن أهمس له عن أسرار كثيرة كان سيتجنب الكثير من الألم والانكسار والخيبة لو عرفها قبل وقوع ما وقع.في هذه الذكرى الجديدة أجدد العهد مع الذين لهم علي ذلك، وأمضي بيقين أكبر وثبات اعظم.ولا أجد في عقلي إلا شيئا قليلا من صور الماضي، تكاد تمحي ملامحها، هنالك في كوخ الطين، وراعيا لتلك الغنمات، راكبا عصا الريح، طفلا يرى الجنة في مقلتي أمه، والعزة في عيني أبيه، ويعجب من طول جده وقامته الفارعة، وهو يجري خلفه، أو يمضي معه إلى السوق لبيع بعض الغنم….مدرسة لها سور من الشوك، وتلميذ متميز…ومعهد في بلاد بعيدة جدا، لابد من ركوب الحافلة لبلوغها في عشر دقائق، والفتى الذي قرأ للتو كتاب الأيام لطه حسين متلهف للمعرفة والأدب، وللرياضة أيضا، وكثيرا ما قطع تلك المسافة بين بيتهم الحجري الجديد والمعهد عدوا، وفنون الدفاع التي أدمنها، ولياقة عجيبة، وقصائد كئيبة، وألف طيف لألف وهم كان يظنه حبيبة…وهنالك بين الوجع الكثير والسقام المرير، ليال من الشعر والشوق والوحشة….حتى رقص مع أشقائه وأُعلن ناجحا ليتحول من تلميذ إلى طالب، ورحلة أخرى عقبتها رحلات حتى بلغت يده يدي التي أكتب بها عنه الآن….ليس في القلب سوى التسليم، ولا في الروح سوى حيدر، وسيده، وركن قلبه، وريحانتا مولاه، وأولئك الذين أنا منهم وأنا لهم، وعلى كل من كان عليهم….وانا أعلم علم اليقين أن لنا مع الغد موعد وفيه مواعيد، في عالم يمضي نحو محتومه، ولأمر يسارع في قدومه، ليكون الأمر كله لله….وأنا معكم…ومعا نسعى لفهم أعمق، وشعور أنبل، وإبداع أجمل، ولحظة أكثر إشراقا.أهديكم هذه الصورة المعالجة بالذكاء الاصطناعي، وهي أقدم صورة لي، التقطها لنا خالي بآلة عجيبة جلبها من إحدى المدن البعيدة بعد الخيال عن قريتنا التي لا أعرف لها حدودا، وفي الصورة أمي قرب “ماجل” الماء في بيت والدها، وبجوارها أخي وأختي. وأنا ذلك المغوار الواقف على أهبة الاستعداد لمطاردة أي أرنب أو فراشة او حلم يمر بذلك الحقل الجميل، قرب الكوخ الطيني الحنون الدافئ.. كان عمر الفتى أربعة أعوام…كما قال طه حسين….كل عام وأنتم أحبتي، وكل عام ونحن تحت عين لطف الله…

مقالات ذات صلة

سمو الشاعر
إِلَى الَّذِينَ لَمْ يُعْجِبْهُمْ أَنْ أَكُونَ شَيْخًا، وَلَمْ يُقْنِعْهُمْ أَنْ أَكُونَ مُفَكِّرًا، وَلَمْ يَرُقْ لَهُمْ أَنْ أَكُونَ مُعَلِّمًا. ها قَدْ أَتَيْتُكُمْ بِأَعْظَمِ مُحَارِبٍ لَدَيَّ،...
< 1 دقيقة للقراءة
كالصقر
أَنْ تَعِيشَ كَالصَّقْرِ، تَسْكُنَ القِمَمَ، وَتَشْحَذَ الهِمَمَ، وَتَضْرِبَ بِجَنَاحِكَ عَالِيًا، وَتَكُونَ لِلْحَقِّ مُوَالِيًا، تَصْبِرَ، تُثَابِرَ، وَتَسْتَمِرَّ، وَتُحَافِظَ عَلَى رُقِيِّكَ رَغْمَ دَنَاءَةِ عَدُوِّكَ، وَعَلَى نُبْلِكَ...
< 1 دقيقة للقراءة
عن الحب
الحُبُّ أَعْلاهُ حُبُّ الرُّوحِ، وأَوْسَطُهُ مَيْلُ النَّفْسِ، وأَدْناهُ رَغْبَةُ الجَسَدِ.فَإِنْ بَدَأَ مِنْ أَعْلاهُ، أمالَ النَّفْسَ إِلَيْهِ، ودلَّ الجَسَدَ عَلَيْهِ.وَإِنْ بَدَأَ مِنْ أَوْسَطِهِ شَوَّقَ النَّفْسَ...
< 1 دقيقة للقراءة
إشراقة أمل
كل إشراقة شمس جديدة، فرصة تجددها الحياة، ويمنحها باريها، لمن يسعى فيها.كل إشراقة تمنح أملا، وتطلب عملا، وتريد كدحا وكدا، وتنادي مع المنادي ﴿یَـٰۤأَیُّهَا...
< 1 دقيقة للقراءة
تحليل نقدي لمعارضة شعرية
عمل نقدي عن طريق الذكاء الاصطناعي لقصيدة من قصائدي كتبتها ضمن معارضة لمعلقة عمرو بن كلثوم الشهيرة، والتي مطلعها:أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِيْنَاوَلاَ تُبْقِي خُمُوْرَ...
8 دقائق للقراءة
ظل اللوز
شجرة اللوز هذه: ابنتي.لقد غرستها بيدي، سقيتها، واعتنيت بها، حتى سمقت، ونمت، وأينعت، فعانقتني بظلها، وأطعمتني من ثمارها.وفي الأرض ما في الأرض من خير،...
< 1 دقيقة للقراءة
طفل وصورة
كان طفلا في مدرسة لها قسمان، سورها من شجر عال متكاثف له شوك أبيض طويل. يلبس صندلا من البلاستك ذي النتوءات التي كثيرا ما...
4 دقائق للقراءة
صوت لا يخبو ونبض لا يموت
وتبقى الكلمة…موقفا وروحا ونبضا لا يموت.كثيرا ما يُظلم الشعراء، وكثيرا ما تجد القصائد الجميلة نفسها سجينة في زمن يطغى فيه الابتذال وتسيطر عليه الرداءة.وكثيرا...
< 1 دقيقة للقراءة
لقاء مع العملاق
لقاء جديد مع العملاق، صديقي الفنان الكبير لطفي بوشناق، مناضل بالفن، مناصر للقضية، موغل في حب الوطن، وفي العروبة، وفي حب فلسطين.فنان من زمن...
< 1 دقيقة للقراءة
زيتونة
اجلس تحت شجرة زيتون اتنسم نسائمها البارده واتنعم بظلها الوارف واستمع لحفيف الريح على اغصانها يعلو كانه العاصفه ثم يخفت حتى لا يكاد يسمع...
< 1 دقيقة للقراءة