3 دقائق للقراءة
ليت بعض الشيوخ يقرؤون هذا قبل أن يلوثوا قلوب أتباعهم بالحقد والكراهية
إنهم نفوسهم لم تواجه الشر الذي فيها، وبواطن لم تتطهر من الباطل وأهله، بل دافعت عنهم، وارتضت الباطل، وركنت للأحقاد، فنطقت الألسن بما في النفوس، ولعب الهوى بذوات الرؤوس، فلا تسمع منهم إلا إفكا وسخرية من كل ناطق بالحق، الذي عرفوه فجحدوه، ووجدوه فتركوه…
صراع الباطن والباطل
يبدأ التطهير الباطني بالإعتراف أنّ فينا اعوجاجاً، وهذا الاعوجاج إذا غلبنا وصدر عنا نرجع إلى نقطة الصفر ونقول نعم أخطأت في هذا، أتراجع أعتذر، إذا آذيت أحد أعتذر منه، وبعد ذلك أبدأ في المراجعة من جديد. هذا هو السبيل الوحيد لتطهير هذا الباطن، أننا نزكي النور بمحاربة الظلمة بالاعتراف بوجودها. بمعنى أنّ صراع الباطن والباطل، والباطل قد يتّخذ البواطن ويسكن البواطن، والمنافقون إنما سكنت بواطنهم أمور لم تجلو ولم تظهر على ظواهرهم، فظاهرهم إيمان وباطنهم كفران ظاهرهم محبة وباطنهم حقد وكراهية.
ولذلك المعركة بين حرف “النون” وحرف “اللام”، بين الباطن والباطل معركة شديدة في العالم، منبعها ومنشؤها هذا الإنسان لأن الباطل سلاح الشيطان داخل الباطن، ثم يجليه يُمظهره. ولذلك الله سبحانه ركّز على إصلاح البواطن، مثلاً إذا صلح باطن الإنسان صلُحت أفكاره وسرائره فتجلى من كلامه وتصرفاته ما يبيّن باطنه، وتتجلى في الآخر ما يبيّن باطلهُ فنرى أنّ المستكبرين إذا سمعوا الذكر يضحكون ويستهزئون ويتغشَّون ثيابهم ويجحدون ويكفرون ويمتَرون وينافقون ويحاربون ويعاندون ويعدون ثم يُخلفون. وترى المؤمنين الطيبين “وهدوا إلى الطيب من القول” لأنّ أنفسهم طيبة، وهذا الصراع مع أنفسهم أفضى إلى تطييب ذواتهم من الداخل، فهدوا بعناية من الله إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد، صراط فيه الحمد وفيه المحامد.
وهذا الحمد لا يكون إلا بعد الذم، الذي يريد أن يصل إلى مقام الحمد من أصحاب الأنفس التي تحتوي على خير وشر، رُغم أنّ الذين بلغوا هذا أصحاب الأنفس الكاملة، تكلموا بهذا اللسان، أي أن يذم نفسه بينه وبين نفسه، أن يعرف أنّ فيه النقائص وأن فيه الضعف، وهذا الذم يعني أن نعترف ونواجه وننظر في عين الشيطان ونقول له أنا هذا فيّ كذا وكذا وكذا وكذا ولكني سوف أنهض وسأواجه هذا الشر وسأتغلّب عليه. للأسف معظمنا لا يصل إلى ذلك، لكن لو سمعنا سيدنا علي عَلَيْهِ السَّلَامُ يناجي ربه وتسمعون بعض أدعيته ستجد كأنه أذنب الذنوب كلها وهو في حال الإنكسار والاستغفار والبكاء والتذلل، وكذلك سيدنا النبي ﷺ أنه يقول لربه أعترف لك بسوء عملي وأبوء لك بنعمتك عليّ ويطلب الستر ويطلب العفو ويستغفر وكأنما فعل الذنوب كلها. هذا يبيّن أنّ هذا خضوع ومذلة لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، بلغوا مقام الحمد بأن ذموا هذه النفس رغم أنّ أنفسهم كاملة، ولكنهم لعلهم ينوبون عن غيرهم ممن لا يستطيعون ذلك. فنحن في مقام * صراط الحميد * ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ ويقولوا التي هي أحسن ﴿وَقُل لعِبَادِى يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إذا قالوا التي هي أحسن إذاً ما في بواطنهم من أنوار من أسرار من أحوال من أخبار يجليه الله على ألسنتهم، لذلك سيدنا علي قال “تكلم لنَعرفك”، وقال “المرء مخبوء تحت لسانه””.
هذه المسألة أيضاً تؤثر في السلوكيات، وعندما تؤثر في السلوكيات بسر التزكية تكون الحركات هادئة، يكون الأمر على سكينة معيّنة، ونحن نعاني في حياتنا في مجتمعاتنا من إنعدام هذه السكينة، إنعدام القناعة والرضا بما أعطانا الله وإدراك النعم، لأنّ مجاميع البحار فيها خدع كثيرة في ذات الإنسان، الإنسان قد تُعمي عليه نفسه نِعَم الله عليه ولا تُريه إلا النقائص، وإذا ابتُليَ بذلك فإنه لا يقنع ولا يشبع ولا يهدأ، فإنّ الظمأ يستوطن روحه ما أن يشرب ماءً حتى يريد غيره، ما أن ينال شيئاً حتى يطلب سواه، ويبقى هكذا يلهث كقصة الحمار والجزرة، وهذا حال نسأل الله البراءة منه.
إذن مجاميع البحار هو أن ندرس بنظرة علم الباطن الذات الإنسانية ضمن علم الباطن الإنساني، وأن نربطها ببواطن العوالم من حوله بتأثير الملائكة عبر ما في ضميره من خير وما قلبه من نور، وبتأثير ربما عوالم الجن بالمس بأحوال معينة أو بحسد أو بخير أيضاً إذا كانوا طيبين، وبتأثير الشياطين السفلية خاصةً على الأنفس الأمارة بالسوء، وهذه الأنفس كيف تؤثر في تصرف الإنسان وكيف تؤثر على قلبه وتزرع فيه الحقد والحسد ونرى مجتمعاتنا مريضة بذلك، وتزرع في عقله الجحود والإنكار والاستكبار والجهل الذي يتغطى بالمعرفة والعلم والإدّعاء والإفك وغير ذلك.. هذه هي المعركة.
موسوعة الدروس البرهانية المجلد الثاني: علم الباطن – مجاميع البحار – ص260
https://manara-org.com/archives/1641