2 دقائق للقراءة
البعضُ يَكرَهُكَ، وهو لا يَعرِفُكَ، ويَشتِمُكَ، وهو لا يُدرِكُ لماذا يَفعَلُ ذلك، مهما بَرَّرَ لِنَفسِهِ، أو بَرَّرَت نَفسُهُ له.
والحقيقةُ أنه مَرَضٌ يَسري في جَسَدِ هذه الأُمَّة دون غيرها.
مَرَضٌ تَحوَّلَ إلى “ثَقافَة”.
نوعٌ مَقيت من السّلوك والفِكر، عِمادُه الكَراهِيَة، وأساسُه المَقْت والحِقد، وسِلاحُه الشَّتْمُ والتَّنمُّرُ والسُّخرِيَة، وقِوامُه الإِفكُ والادِّعاءُ والاتِّهامُ الباطِل، وعُنوانُه الفَشَلُ وقِلَّةُ العَقل وضِيقُ الصَّدر.
وكلُّ هذا حين يُدمَجُ بِعَقيدَةٍ فاسِدَة، وإِرثٍ أَسودَ من سَلَفٍ طالِح كان يَقتُلُ السَّلَفَ الصّالِح ويُعادِيه ويُناوِئُه، يكونُ مَزيجًا فَتّاكًا، وسَمًّا زُعافًا، ووَبَاءً قاتِلًا.
عندما أَكرَهُكَ، لِمُجرَّد أَنَّكَ مُختَلِفٌ عنّي، وتَرى ما لا أَراه، أو لأنّكَ من دِينٍ أو طائِفَة أو مَذهَب مُختَلِف.
وعندما أَنْقِمُ عليك لِمُجَرَّد أنّي أَحسُدُكَ، ولأنَّ الله وَهَبَكَ ما لم يَهَبني.
وعندما أَتقمَّصُ صوتَ الدِّين، وأَنطِقُ بألسِنَةِ أهلِ اليَقين، والحقُّ يَخذُلُني، والحقيقةُ تَفضَحُني، والدِّينُ منّي بَراء.
عندها فإنَّ الحالَ في اعوجاج، والأمرَ في انبعاج، والليلَ في العقولِ داجٍ، والسَّيرَ على غيرِ منهاج، والسَّقَمَ ما له من عِلاج.
والحقيقةُ أنّي رجلٌ يَعيشُ بالحُبّ، ولا يَحمِلُ في صدرِهِ غِلًّا، ولا يَجِدُ الكُرهَ إلى قلْبِهِ مكانًا.
أمّا الَّذين كَرِهتُهُم في الله، فقد كَرِهتُهُم خارِجَ قلبي، لأنّ قلبي مَعْبَدٌ للرَّب، لا تُدَنِّسُه الكَراهِيَة.
ولستُ أَكرَهُ في الله إلا مَن كَرِهَه الله، ومَن كَرِهَ اللهَ ورَسولَهُ وآلَ بَيتِهِ والصّالِحين؛
مَن قَتَلَ فَلَذاتِ كَبِدِ النبي، وسَمَّمَهُم وسَجَنَهُم وآذاهُم.
ومَن آذى المؤمنين، وأفزَع الآمِنين، وقَتَل الرُّضَّع والأطفال، وأَسَرَ النساء والرجال.
والعَدوُّ أعرِفُه، تاريخًا وواقعًا.
أعرِفُ أعداءَ الله، وأكادُ أراهم:
فِرعون وجُندُه، وهامان وزَبانيَتُه، وقارون ومالُه.
ومَن أحرَقَ أصحابَ الأُخدود، وعاقِرَ الناقة، ومَن خَضَبَ لحيةَ الإمامِ مِن دَمِ هامَتِهِ، وسَقَى السُّمَّ لِفَلذةِ كَبِدِه.
ومَن أجرى الخيلَ على مُجَندَلِ الطَّف، وحَمَلَ رأسَه على الرُّمْح، وقَتَل ذرّيةَ خيرِ الخَلْق، وسَبى بَناتِهِ.
وذَبَح مَن ذَبَح في الحرّة، ونَحَر مَن نَحَر في فَخّ، وألقى في السِّجنِ من أَلقى، وقَتَل بالسُّمّ مَن قَتَل، وسَبى الحَرائر، وفَعَلَ المَجازر، وكَتَم الحق، ونَصَر الباطل، وزَيَّف الدِّين.
وأعرِفُ الإِفكَ وأهلَه، وهَرْشَةَ وأصحابَها، وما أَخفى ساحِرُهُم عن أَعيُنِ النّاس، وحِبالَهُم الَّتي تَسعَى كالأفاعي في سيرةِ النبيّ وسُنَّتِه، وتفسيرِ الكِتابِ المبين، والإِسرائيلياتِ ومَن بَثَّها، والتَّجسيمَ ومَن زَرَعَه، والذَّبحَ ومَن جَعَلَ له فقهًا وأحاديثَ إِفكٍ نَسَبُوها زُورًا لِرَحمةِ الله للعالَمِين.
ومَن لاكَ الكَبِد، وأبكى البِضعة، وأدمى الرَّسول، ونافَقَه وحارَبَه وآذاه، حتّى لقيَ مولاه.
ومَن خانَه وأهانَه، وجَعَلَ مع الشيطانِ رِهانَه.
وما دونَ ذلك وبعدَه، وما رأينا في أَرضِ الله شاهدٌ بيننا ليس ببعيد.
ولكنّني…
لم أُحِبَّ مَن أَحببتُهُم، لأني أَكرَهُ أعداءَهم، بل لأنّهم الأجمَلُ والأكمَلُ والأحَقّ، ولأنّ حُبَّهُم أمرٌ مِن الله ونُورٌ منه، وليس الهوى والتَّعصُّب.
ومَن دَعا إلى الحُبّ بالكراهِيَة، كان كمَن دلَّ على التِّرياقِ بالسم، وأراد أن يَبني بالخراب، وأن يَجمعَ بالتَّمزيق.
ولقد كان الهُداةُ الكُمَّلُ يَدعون بالحُبّ، ويُعامِلون بالرِّفق، ويُخاطِبون بِنورِ محبّةِ الله.
لذلك لا أَرى السَّبيلَ إلى الحقّ وأهلِه إلا بِالحُبّ الخالِص الَّذي رأى الجَمالَ فعَشِقَه، وعَرَف الحقَّ فأخلَصَ له.
فهذا صِراطُ الَّذين أَنعَمَ اللهُ عليهم، دعاهم بالحُبّ، فأجابوه بمثلِه، عاجزين عن المماثلة، سائِلين القَبول.
فأولئك قال سبحانه عنهم:
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مَن یَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِینِهِۦ فَسَوۡفَ یَأۡتِی ٱللَّهُ بِقَوۡمࣲ یُحِبُّهُمۡ وَیُحِبُّونَهُۥۤ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَـٰفِرِینَ یُجَـٰهِدُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَلَا یَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَاۤىِٕمࣲۚ ذَ ٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ یُؤۡتِیهِ مَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ وَ ٰسِعٌ عَلِیمٌ﴾ [المائدة ٥٤]
وإِنَّ أَعظَمَ الجِهاد جِهادُ النَّفس، واختِيارُ الحُبّ، وتَجنُّب الوقوع في حُفَرِ الكَراهِيَة.
حتى لا يقولَ قائل: يا حسين، وقلبُه قَلبُ يَزيد.