موسوعة البرهان (48) الجزء الثاني (4): مقدمة: في العلم، بين القلب والعقل، والاسم والكلمة، وبعض مجالي القانون الأول (4)

2 دقائق للقراءة

العلم الاسمي ظاهري عقلي قد ينخدع ويكون فتنة.
والعلم الكلماتي باطني قلبي فيه منجاة ومفازة ونور ومتابة.
حين يحرم الله قلوبا من هذا السر فإنها تتخبط في الظلمات ولا يفيدها ما علمت عقولها.
إن العلم يجب أن يتجاوز الاسم إلى الكلمة، كما يجب أن يجاوِز العقل إلى القلب، وسطح الظاهر إلى عمق الباطن، فهذا قانون علمي جوهري.
فكل علم لم يوصل إلى توحيد الله والإيمان به مهما كان مفيدا ونافعا فهو بين النقصان والافتتان. لا أنكر قيمة العلم عامة وقيمة ما وفّره للإنسان بالأمس واليوم خاصة من رفاه وازدهار وأنه كله من الله وبمشيئته، ولكن يظل المعيار النظري العام للعلم محددا بالقانون الأول الذي بيناه في مبحث “العلم بالله” وضمن تفصيل “صراط العقل” بشكل أخص، وهو معيار يرتكز على حقيقة أن العلم الحق له نقطتان يجمعهما خط مستقيم، نقطة أولى هي العلم ذاته، ونقطة ختامية هي العلم بالله، فما قصر عن النقطة الأخيرة وكان ضمن الخط المستقيم فهو ناقص وإن نفع، وما حاد عن ذلك كان فتنة وإن جعل الله فيه خيرا لأقوام فسيكون وبالا على آخرين.
إن العلم رباني الأصل والمصدر، ولم تبلغ منه البشرية ما بلغت لولا إذن من الله وحكمة كما بينا في باب العلم ضمن علم الأسس، ولكن كل تلك العلوم قاصر صاحبها إن لم تصل به إلى معرفة الله والسعي في مراتب العرفان به والإيمان الخالص لبلوغ العلم بالله (كما تم البيان في بابه)، فالعلم عظيم كله ومؤد لله كله في جوهر حقيقته، ولكن العيب في الناظر لا في المنظور، وفي قاصد العلم وحامله لا في العلم ذاته. وأنت ترى كيف أن الإنسان اليوم نظر في دقائق الذرة وآفاق المجرة ولكن ذلك لم يرافقه نظر في سر الذرة والمجرة وحقيقة خالق كل شيء، بل تجد من أكبر المختصين في هذه المجالات يعتقد أن الكون كان بمجرد المصادفة، ولئن تجد أيضا من وصلوا بتلك العلوم إلى اليقين بوجود خالق واحد، إذ انفتحت قلوبهم على عقولهم، فليس أشقى من عقل محشو بالعلم موصد دون القلب بابه ومنسدل دون الروح حجابه.
القلب، بوابة للتدبر والتفكر ومستقر للأنوار ومحجة للعلم ومكمن للكلمة ومنارة تهدي العقل في اندهاشه من الأسماء وظواهر العالم ومظاهره وظاهره، ليرى بالقلب بواطنه وكلمة الحق فيه وليبصر اسم الله خلف ظاهر الاسم الذي يراه، وهنا يكون للروح مجال تقف أمام عتباته اللغة عاجزة الأسماء وصامتة الكلمات.
لماذا القلب؟ حين يقرأ كلماتي من في عقله الفكر المادي المحض، سيراني صوفيا هائما أو فكرا حالما، ولأن العلم المادي يُصفع كل يوم بما خلف الاسم وما في سر الكلمات، فإني سأقول لك أيها الإنسان: آمن من آمن بالحق وبأنبياء الله ورسله لأن قلبه كان سليما، وأهل الإيمان علمت قلوبهم فوجلت مهابة واطمأنت محبة وازدادوا بالذكر إيمانا وبالتوكل علما وقوة وبرهانا: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)”
وكفر من كفر بالله والحق الذي أنزل لأن قلبه مختوم فختمت معه حواس العقل: “خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)”

مقالات ذات صلة

كلمة على سطر البيان
شيوخ التكفير الذين يكفرون الأمة ويستنقصون من قدر رسول الله ويكرهون يوم مولده ويقولون أن والديه في النار ويُبغضون آل بيته ويوالون قتلتهم….يجوز لهم...
< 1 دقيقة للقراءة
القرآن الكريم معجزة الله الخالدة
الحمد لله الذي نزّل على عبده الكتاب، وسبّب الأسباب، وهدى إلى سبيل الهدى والصواب. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد عدد...
3 دقائق للقراءة
حال ومقال
ربّ ظانٍّ أنّي خير منه، وهو خير مني. يرى انعكاس حسناته علي، فيظنني محسنا. وربّ ظانّ أني شرّ الخلق، وهو مني أشر.يراني بعين السوء...
2 دقائق للقراءة
سُنّة الله وفقْهُ ما تراه
لله جل في علاه سنن، قوانين وضعها ومقادير سطّرها ونظم نظّمها ونظّم بها وأخضع لها ملكوته كله، والبشر ضمن ذلك. وفي القرآن تبيان وقصص...
5 دقائق للقراءة
كلمة وموقف (عن الوحدة والإنسانية)
كلمة وصلتني من النجف الأشرف من آية الله العلامة السيد فاضل الجابري الموسوي:  “احسنت أيها السيد الشريف والعالم الحصيف والباحث المنصف صاحب القلم البديع...
3 دقائق للقراءة
قضية للنقاش
السلام عليكم. اسئلة اود طرحها، ومن حقي كمسلم وكمكلّف عاقل مأمور من خالقي بالتدبّر والتفكّر أن أطرح أي سؤال أشاء، وأن يتم مناقشتي والإجابة...
4 دقائق للقراءة
كلمة وموقف (عن التصوف)
هنالك امور دخيلة على التصوف انا ضدها تماماوقد أساءت للتصوف الحق: مثل الخزعبلات، والشطح الناتج عن اللبس، والدجل والشعوذة، وادعاء الولاية والكرامة، والجهل بالقران...
< 1 دقيقة للقراءة
هل الحسين أمة قد خلت
كلما ذكرنا الإمام الحسين وكربلاء وما كان فيها من محنة وملحمة وقتل يشيب لهوله الولدان، وذبح لابن بنت نبي الإسلام، يخرج عليك بعضهم ممن...
2 دقائق للقراءة
هل نامت كي نوقظها
كل مرة، وكلما ذكرنا كربلاء، او تكلمنا عن الإمام الحسين، وعن قتلته وإجرامهم، وعن ووجوب أن يتخذ المسلم موقفا من ذلك لأن النبي أمره...
4 دقائق للقراءة
مفاهيم يجب أن تصحح
*ان تكون سنيّا، لا يعني أن تكون ناصبيّا. النواصب شراذم قتلت من السنة أكثر من غيرهم. *أن تكون صوفيا فهو يعني أنك تحت لواء...
< 1 دقيقة للقراءة