موسوعة البرهان، الجزء الأول (31): علم الأسس (10) القوة (5)

2 دقائق للقراءة

وإن هذه التضاربات والصراعات بين أنماط القوة تقدير إلهي حكيم، حيث أن حكمته سبحانه اقتضت أن تكون الحياة الأرضية الدنيوية مجال حرب ذات أبعاد كثيرة، من العالم إلى نفس الإنسان، بين قوة الخير الفعلية وقوة الشر والوهمية، ولكن قوة الخير كثيرا ما كانت ضمن المعنى وبواطن القلب والروح، وقوة الشر غالبا ما كانت مادية باطشة غاشمة، ولكل قوة جنود يقاتلون في سبيلها، فأما قوة الحق فهي في سبيل الله، وأما قوة الباطل فهي الطاغوت وهي في سبيله، فتلك من حرب أولياء الله مع أولياء الشيطان : ” الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)”
ولعلك حين تنظر في القرآن، وتتدبر تاريخ بني الإنسان، ترى كيف أن الله سبحانه وهو القوي المقتدر امتحن بالقوة، بين مستضعف وضعيف، ومتجبر وطاغ، وطائفة مؤمنة تقاتل في سبيل الله بما منحها من قوة، فيمدهم حينا بقوة جنوده وملائكته: مم الملائكة مقرنين..ويصبر أحيانا حتى إذا جاء أمره وفار التنور: ” حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ (40)”
أصدر أمره قضاء، وأظهر قوته عيانا، نصرة لكل مؤمن ونكالا بكل مستكبر ومتجبر..إذ قوة الطغيان غرور واغترار، وتجبر واستكبار، ووهم أنها أشد قوة من الجبار، كشأن عاد حين استكبروا، فيكون رد الجبار قويا ينسف أوهامهم ويسفّه أحلامهم ويمحق آثارهم محقا: “فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16)”
فتلك أيام الله في أرض الله، وتلك آيات قوته القاهرة، وذلك مصير أوهام المستكبرين من بني الإنسان، يظنون أنهم الأقوى، لكن قوة الله الجبارة أشد والله أقوى وأكبر، فذلك درس عظيم للتدبر والنظر لاستشعار عظمة الله ومتانة قوته وشدة سطوته وأن لا شيء يعجزه: “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44)”
فذلك لأهل لنهى عبرة، ولأولي الألباب موعظة، ويظل الظالمون الذين استضعفوا خلق الله وجحدوا بالحق واتخذوا من دون الله آلهة توهما وهوى، في غمرة أوهامهم، حتى يأتي أمر الله فيصعقون من هول ما يرون ويتعلمون أقوى دروس القوة وأعظمها: “وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)”
فذلك قدر الله الذي قل من عرفه، وقليل من فهم آياته وبراهينه، إذا كثيرون هم المتوهون لقوة فتنوا بها وتوهموا أنها بلا حد ولا ضد، ولكن لله في ملكه يوم يجلي قوته ويبين قدره الفعلي لكل من خلق علمه من علم من قبل، أو جهل من جهل، فذلك وعد حق وذلك يوم مشهود: ” وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)”

مقالات ذات صلة

القرآن الكريم معجزة الله الخالدة
الحمد لله الذي نزّل على عبده الكتاب، وسبّب الأسباب، وهدى إلى سبيل الهدى والصواب. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد عدد...
3 دقائق للقراءة
حال ومقال
ربّ ظانٍّ أنّي خير منه، وهو خير مني. يرى انعكاس حسناته علي، فيظنني محسنا. وربّ ظانّ أني شرّ الخلق، وهو مني أشر.يراني بعين السوء...
2 دقائق للقراءة
سُنّة الله وفقْهُ ما تراه
لله جل في علاه سنن، قوانين وضعها ومقادير سطّرها ونظم نظّمها ونظّم بها وأخضع لها ملكوته كله، والبشر ضمن ذلك. وفي القرآن تبيان وقصص...
5 دقائق للقراءة
كلمة وموقف (عن الوحدة والإنسانية)
كلمة وصلتني من النجف الأشرف من آية الله العلامة السيد فاضل الجابري الموسوي:  “احسنت أيها السيد الشريف والعالم الحصيف والباحث المنصف صاحب القلم البديع...
3 دقائق للقراءة
قضية للنقاش
السلام عليكم. اسئلة اود طرحها، ومن حقي كمسلم وكمكلّف عاقل مأمور من خالقي بالتدبّر والتفكّر أن أطرح أي سؤال أشاء، وأن يتم مناقشتي والإجابة...
4 دقائق للقراءة
كلمة وموقف (عن التصوف)
هنالك امور دخيلة على التصوف انا ضدها تماماوقد أساءت للتصوف الحق: مثل الخزعبلات، والشطح الناتج عن اللبس، والدجل والشعوذة، وادعاء الولاية والكرامة، والجهل بالقران...
< 1 دقيقة للقراءة
هل الحسين أمة قد خلت
كلما ذكرنا الإمام الحسين وكربلاء وما كان فيها من محنة وملحمة وقتل يشيب لهوله الولدان، وذبح لابن بنت نبي الإسلام، يخرج عليك بعضهم ممن...
2 دقائق للقراءة
هل نامت كي نوقظها
كل مرة، وكلما ذكرنا كربلاء، او تكلمنا عن الإمام الحسين، وعن قتلته وإجرامهم، وعن ووجوب أن يتخذ المسلم موقفا من ذلك لأن النبي أمره...
4 دقائق للقراءة
مفاهيم يجب أن تصحح
*ان تكون سنيّا، لا يعني أن تكون ناصبيّا. النواصب شراذم قتلت من السنة أكثر من غيرهم. *أن تكون صوفيا فهو يعني أنك تحت لواء...
< 1 دقيقة للقراءة
وصية الهجرة
هاجر من ذنوبك، إلى كنف محبوبك. وفر إليه به، تجده عنده. وادعه إليك، تجده عندك. فإن الهجرة من دنس الذنوب، إلى كنف المحبوب، يحقق...
< 1 دقيقة للقراءة