موسوعة البرهان، الجزء الأول (23): علم الأسس (2) العلم “وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا “

4 دقائق للقراءة

العلم تاج العقلاء، وبوابة الحكمة، وصراط الله لله، والعلم علوم وعوالم، حيث المد وحيث لا حد، نظام لله سبحانه العليم الحكيم، منه العلم منحا ونفحا، وأحيانا فتنة، وله العلم المطلق الكامل، فالعلم بلا منتهى، وفي القرآن الكريم براهين وأدلة، فالملائكة وعلمهم الذي علمهم الله إياه، لم يجدوا ما يقولون يوم سألهم عن علم الأسماء ودعاهم لينبئوه إلا أن قالوا: “سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿32﴾”
والعلم أول الأسس لمملكة الله سبحانه، وهو عليم بكل خباياها وخفاياها: ” هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)”
وهو سبحانه علام غيب السموات والأرض: ” قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)”
وهو سبحانه يعلم السر والنجوى وهو علام الغيوب: ” أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78)”
وهو العليم بما كان وما هو كائن وما سيكون: ” إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ (47)”
والعلم مقامات، فأعظم العلم علم الله، وأحسن العلمِ العلمُ بالله، وأنفع العلم علم ما شرع الله، وأبقى العلم علم لا إله إلا الله، وأرسخ العلم ما كان من لدن الله، وأشرف العلم ما تلقى رسل الله، وتاج العلم ما عُلّم محمد بن عبد الله.
وإن ما علّم الله للخلق محاط بأطر، ومرتبط بشرط، مسبب لغاية، ومحدد بحدود، منسق بنظم، منضبط بميزان، وموصول بوصية.
فأما الإطار فهو أن لا علم يؤتاه مخلوق وخاصة بنو الإنسان إلا بمشيئة الله، وتلك المشيئة مشيئة حكمة، وبرهان ذلك قوله سبحانه ضمن أعظم آيات القرآن (آية الكرسي): ” وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ (255)”
وأما الشرط فهو تقوى الله التي بها يزكو العلم وييسر السبيل إليه وهي شرف العالم وتاج العامل وزكاة العابد وصلاح السالك وفضل أهل الفضل بينهم: “وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)”
وأما الغاية فهي العلم بالله والعلم بجليل مقامه وعظيم علمه، ومطلق قدرته، ومقدّس صفاته: ” لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)”
وأما الحد فقلة ما أوتي هؤلاء وهؤلاء، فقليل ما يعلمه البشر مهما علِموا، وهو عام لكل الخلق خاص أكثر ببني آدم، إذ العلم غير محدود، دوائر في دواخلها دوائر، وكلما اخترقت كونا وجدت فوقه كونا آخر، ولذلك قال العليم الحكيم سبحانه: “وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴿85﴾”
وأما التنسيق فهو أن العلم تراتب وتفاضل، فليس كل العالمِين على درجة من العلم واحدة، بل نسّق الله ونظّم منحه العلمية بينهم ضمن مقامات ودرجات لحكمة وغاية هو أعلم بها : ” نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)”
وليس أقل من أن تعلم أن من حِكم ذلك نسف للغرور بالعلم لأنه أهلك أمما وفتن الكثيرين، فذلك شأن إبليس الذي ظن أنه أعلم بحكمة الله حين افتتن بعلمه أن النار خير من الطين، فعصى ربه ولم يكن من الساجدين، فرجمه الله وكان من المبلسين: ” قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)”
وكذلك قارون الذي غره من العلم ما فتنه، ومن المال ما سلبه يقينه وأفقر قلبه وروحه فأهلكه، وذلك حال المجرمين: ” قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)”
وأما الميزان فهو أن أهل العلم ليسو كسواهم من الناس، بل هم قانتون لله لما علموه عن الله: ” أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)”
فأهل العلم مقربون من ربهم، يخشونه حقا لأنهم عرفوه حقا، وعلموا عنه وبه إيمانا وصدقا، وتيقنا ورسوخا ونظرا مُحقا: “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)”
فهم أهل الله وخاصته، وهو المخلصون له المفضلون عنده، منهم الرسول والنبي، ومنهم المخلَص والولي، ومنهم مما علِم الله سبحانه وفضّل عنده، كذلك العبد الصالح الذي يسمى خضرا، ولشرف ما علمه الله كان من قاصديه للعلم كليم الله ونبيه: ” فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)”
ولنا في ذلك سفر ضمن علم السيمياء…
وأما الوصية فهي من الله لنبيه ومن ثَمّ لكل طالب للعلم وسالك في سبله، وهي عدم الاكتفاء من العلم مطلقا، والبحث دوما عن زيادة خير منه وإضافة خير فيه، فذلك شأن من كان أول أمر من الله له وأول كلمة تلقاها من ربه هي كلمة “اقرأ” وأول آية نزلت عليه هي: ” اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)”
والرحمن سبحانه لم يورد فعل الأمر بالاستزادة إلا في سياق واحد: “وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴿114﴾”
فتلك وصية الرحمن لنبيه في سورة طه سيد الأنبياء، ثم وصيته لكل أهل محبته من العلماء، لأنك كلما استزدت علما وأنت على بصيرة وهدى وإيمان، كلما ازددت من ربك قربا وللحقيقة فهما، وللبشرية نفعا.
هذا مختزل ما أحببت أن أقوله عن العلم كما أراه وكما أدركه وكما استقرأته في القرآن العظيم، فهو أساس أول ونظام محكم وعالم متكامل…..

مقالات ذات صلة

الحجة الساعية لكل أذن واعية
لكل أمر وإن جلى بيانه وغلب برهانه معاندون وجاحدون ممن فسد قلوبهم وغلبت ذنوبهم وأعماهم الله على علم. ولذلك قد يكثر المجادلون في أمرنا،...
4 دقائق للقراءة
رسالة إلى خطباء الجمعة
الحمد لله الذي فرّق الخلق وجمعه، وجعل افضل الأيام الجمعة.وصلى الله على الحاشر الجامع، نور كل جامع.وعلى آله مجاميع الخير، وجوامع البر.وبعد:خطب الجمعة محافل...
3 دقائق للقراءة
كلمة على سطر البيان
شيوخ التكفير الذين يكفرون الأمة ويستنقصون من قدر رسول الله ويكرهون يوم مولده ويقولون أن والديه في النار ويُبغضون آل بيته ويوالون قتلتهم….يجوز لهم...
< 1 دقيقة للقراءة
القرآن الكريم معجزة الله الخالدة
الحمد لله الذي نزّل على عبده الكتاب، وسبّب الأسباب، وهدى إلى سبيل الهدى والصواب. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد عدد...
3 دقائق للقراءة
حال ومقال
ربّ ظانٍّ أنّي خير منه، وهو خير مني. يرى انعكاس حسناته علي، فيظنني محسنا. وربّ ظانّ أني شرّ الخلق، وهو مني أشر.يراني بعين السوء...
2 دقائق للقراءة
سُنّة الله وفقْهُ ما تراه
لله جل في علاه سنن، قوانين وضعها ومقادير سطّرها ونظم نظّمها ونظّم بها وأخضع لها ملكوته كله، والبشر ضمن ذلك. وفي القرآن تبيان وقصص...
5 دقائق للقراءة
كلمة وموقف (عن الوحدة والإنسانية)
كلمة وصلتني من النجف الأشرف من آية الله العلامة السيد فاضل الجابري الموسوي:  “احسنت أيها السيد الشريف والعالم الحصيف والباحث المنصف صاحب القلم البديع...
3 دقائق للقراءة
قضية للنقاش
السلام عليكم. اسئلة اود طرحها، ومن حقي كمسلم وكمكلّف عاقل مأمور من خالقي بالتدبّر والتفكّر أن أطرح أي سؤال أشاء، وأن يتم مناقشتي والإجابة...
4 دقائق للقراءة
كلمة وموقف (عن التصوف)
هنالك امور دخيلة على التصوف انا ضدها تماماوقد أساءت للتصوف الحق: مثل الخزعبلات، والشطح الناتج عن اللبس، والدجل والشعوذة، وادعاء الولاية والكرامة، والجهل بالقران...
< 1 دقيقة للقراءة
هل الحسين أمة قد خلت
كلما ذكرنا الإمام الحسين وكربلاء وما كان فيها من محنة وملحمة وقتل يشيب لهوله الولدان، وذبح لابن بنت نبي الإسلام، يخرج عليك بعضهم ممن...
2 دقائق للقراءة