موسوعة البرهان، الجزء الأول (21): العلم بالله (11): الأطر المنهجية (3)

2 دقائق للقراءة

ب* العلم الاستنباطي بالله: الاستنباط علم وأساس أرجع إليه ضمن علم الفقه، ولكن ما أعنيه بالعلم الاستنباطي بالله، هو مقصدي الأساس من بحثي كله ضمن العلم بالله، وهو ما يهم كل مؤمن، فليس هم المؤمن الكشوفات الربانية التي كم من مريد للتصوف أهلك نفسه بطلبها وادعائها، ولكن مشغله عليه أن يكون ما يمكن لعقله أن يستقرئه وأن يتدبره، متسلحا بكتاب الله، وبإيمانه القلبي الواثق، لينظر في الكون وفي ذاته حتى يظفر بعلم بالله يجعل عقله متيقنا وقلبه أشد يقينا.
إنه استقراء للكون والذات، للآفاق والأنفس، للخلق العام والخلق الخاص، واستنباط لأسس وقواعد وحقائق، مع ربط بين كل ذلك والله سبحانه، وهنا خطورة علم الربط الإيماني، ربط يوصل لفهم الربط الرباني، وكل ما سيكشفه الله بالرؤية العلمية للإنسان ضمن الآفاق والأنفس آيات ربانية موصلة للحق متى نضجت واكتملت وأقرت بالحق بعد معرفته، وهنا ارجع مجددا لقوله سبحانه: ” سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)”
هذا الاستنباط فيه الاستقراء المشهدي للمشاهد مما ذكرنا، سواء بالعين المجردة، أو بالمرقب والمرصد والمجهر، وهو تمكين من الله لحكمة قل من أدركها، وهنا دور المؤمنين أهل هذا الزمان في الاستنباط وإنارة الطريق وتقريب مفهوم العلم بالله عبر التطور العلمي وعبر الإمكانات العلمية الغير مسبوقة لدى الإنسان على الأقل وفق ما نعلم، والذي يحاول جامدي العقول نفيه ونسفه.
وفيه أيضا (الاستنباط) التصوري وهو باب تعقلي منطقي لما لا يمكن رؤيته بكل وسائل المشاهدة المذكورة، وعليه يكون عالم المعنى وعالم الغيب والكثير مما في كتاب الله ومما يخص الله سبحانه ولكن التمثل المنطقي حين يربط بين المشاهد بالبصر والمشاهد بالبصيرة يرسم للعقل مجالا أرحب للعلم بالله سبحانه.
هذا الربط بين المرئي واللامرئي، ضمن تفكر إيماني وتدبر عقلي واستقراء واستنباط تجده في آيات كثيرة من القرآن الكريم، كقوله سبحانه: ” الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)”
فذلك مقام الخاصة من أهل الإيمان الذاكرين لله والمؤمنين به، وفي القرآن آيات كثيرة مبيِّنة موضِّحة مؤطِّرة منها قوله تعالى: “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)”
وإن التدبر العقلي المشهدي المؤمن في كل شيء يوصل حتما عبر الربط اللبيب والتدبر الفطن إلى علم بالله يمنح العلم بكل صنوفه نفحة وروحا وروعة وبهجة ونفعا وخير وفضلا عظيما، فلعلك واجد في هاتين الآيتين من سورة فاطر التين سأرجع إليهما في أطر أخرى ما يحرك فيك خلايا عقلك وكوامن روحك وأشواق قلبك لتمضي في العلم بالله ولتعلم من هم العلماء الحقيقيون الذين يخشون ربهم حق خشيته لأنهم عرفوه وتيقنوا منه وعلموا مما علمهم عنه ضمن ما رأوه واستنبطوه من خلقه، فهذا ختام هذا العلم، فأقرأ وتدبر: ” أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)”

مقالات ذات صلة

إسلام السعداء
حضرت مرة درسا لاخي فضيلة الشيخ مصطفى عقيل سراج، في اندونيسيا.لم اكن افهم ما يقول، لكني فهمت امرا واحدا: انه كان يقول كلاما مضحكا،...
< 1 دقيقة للقراءة
قولا ثقيلا
صباح الخير.أسعد الله أوقاتكم.لقد تعب الجسم كثيرا من هذه الرحلة.نوم قليل، وسفر كثير، وأحوال لا يطيقها إلا من أمده الله بمدد منه.كان فناء مطلقا...
2 دقائق للقراءة
الإمام الحسين وفقه المرحلة
الإمامالحسينوفقه_المرحلة عندما نتكلم عنه فنحن نتكلم عن مدرسة ربانية محمدية عظيمة.ولقد استلهم احرار الأمة في مراحلها المختلفة منذ استشهاده دروسا مكنت لهم من رفع...
3 دقائق للقراءة
زيارة الشيخ عمر المختار
كتبت عنه، بسر روحه قصيدة الجبل الاخضر سنة 2008، بلسان قريب للبدوي الليبي.وذكرت شيئا من ملاحمه في أطروحة الدكتوراه سنة 2020.مجاهد عظيم، وليث من...
< 1 دقيقة للقراءة
قم زين الدنيا
قم زين الدنيا بنور محمد..هذا شعارنا.أن نزيّن الدنيا بنور نبي الهدى والنور.ان ننشر المسرة في القلوب.أن نسقي الأرواح خمرة الوصال، وأن نجلي مشهد الجمال.أن...
< 1 دقيقة للقراءة
من مدد المنارة
بين ألواح طلبة القرآن الكريم التي يحفظون بها كتاب الله.لأجيال تخرج الحفظة من المنارة الاسمرية التي لم يتوقف فيها التحفيظ والتدريس والآذان منذ خمسة...
< 1 دقيقة للقراءة
جامع الزيتونة منارة الاسلام
جامع الزيتونه المعمور والذي اسسه معماريا حسان بن النعمان سنة 79 للهجره، وأسسه علميا الشيخ علي بن زياد مع مجموعة من كبار العلماء في...
3 دقائق للقراءة
أهل الله فرسان العشق الإلهي
يقول الشيخ العظيم شمس التبريزي: “”إن السعي وراء الحبّ يغيّرنا. فما من أحد يسعى وراء الحبّ إلا وينضج أثناء رحلته. فما إن تبدأ رحلة...
8 دقائق للقراءة
الحجة الساعية لكل أذن واعية
لكل أمر وإن جلى بيانه وغلب برهانه معاندون وجاحدون ممن فسد قلوبهم وغلبت ذنوبهم وأعماهم الله على علم. ولذلك قد يكثر المجادلون في أمرنا،...
4 دقائق للقراءة
رسالة إلى خطباء الجمعة
الحمد لله الذي فرّق الخلق وجمعه، وجعل افضل الأيام الجمعة.وصلى الله على الحاشر الجامع، نور كل جامع.وعلى آله مجاميع الخير، وجوامع البر.وبعد:خطب الجمعة محافل...
3 دقائق للقراءة