5 دقائق للقراءة
______________________________________
مُقَدِّمة
يُعتبر السحر أحد أكثر المواضيع جدلًا في الحضارة البشرية، بين من يعتقد فيه، ومن ينكر وجوده، ومن يمارسه، أو يلجأ إلى من يمارسه.
كما أن المواقف من السحرة كانت متباينة؛ بين من يعتبرهم أصحاب قوى متصلة بعالم الغيب، كالشامان في بعض الثقافات، ومن يعدّهم زنادقة يستحقون الحرق أحياء، كما فعلت الكنيسة في أوروبا خلال القرون الوسطى، حين أحرقت من اتُّهموا بممارسة السحر، بل ولم يقتصر الأمر على السحرة المزعومين، وإنما طال كذلك علماء ومفكرين اتُّهموا زورًا بالسحر أو بممارسة قوى شيطانية بسبب أفكارهم
أو اكتشافاتهم.
وما من حضارة بشرية عبر التاريخ إلا وقد ذكرت السحر، سواء باعتباره معرفة مقدسة، أو قوة خفية، أو جريمة دينية،
أو وسيلة للتأثير في الإنسان والطبيعة.
وقد اختلفت تسمياته وطرائق ممارسته ومكانته الاجتماعية باختلاف البيئات والثقافات، لكنه ظل حاضرًا في الذاكرة الإنسانية منذ أقدم العصور.
ففي حضارات بلاد الرافدين، ولا سيما بابل وآشور، ظهر السحر ضمن منظومة دينية معقدة، حيث ارتبط بالكهنة والمتخصصين في الرقى والتعاويذ وطرد الأرواح الشريرة، وامتلأت الألواح المسمارية بنصوص تتحدث عن اللعنات، والتمائم، والرقى الوقائية، وطقوس فك السحر، حتى أصبحت بلاد الرافدين من أغزر الحضارات القديمة في النصوص المتعلقة بهذا المجال.
وفي مصر الفرعونية عُرف السحر باسم «حِكا (Heka) »، ولم يكن يُنظر إليه ابتداءً بوصفه قوة شيطانية، بل باعتباره قوة كونية منحها الإله للخليقة، يستطيع الكهنة استخدامها في الحماية والعلاج والطقوس الجنائزية.
ولهذا امتلأت البرديات المصرية، مثل بردية هاريس وبردية لندن السحرية وغيرها، بالنصوص السحرية والتمائم والأدعية التي كانت تُستعمل للحماية أو للاستشفاء أو لمواجهة الأرواح الشريرة.
أما في الهند القديمة فقد تداخل السحر مع الطقوس الدينية والفلسفات الروحية، وظهرت الإشارات إليه في بعض نصوص الأثارفا فيدا (Atharva Veda) التي تضمنت تعاويذ للحماية والشفاء، وأخرى لدفع الأذى أو جلب المنافع، ثم تطورت هذه الممارسات في بعض المدارس التانترية التي مزجت بين التأمل والرموز والطقوس الباطنية، مع وجود تمييز واضح لدى كثير من الفلاسفة الهنود بين الرياضات الروحية المشروعة وبين الممارسات التي تُعد انحرافًا عن طريق التحرر الروحي.
وفي الصين القديمة ارتبطت بعض الممارسات السحرية بالكهنة والعرافين، كما امتزجت بالفكر الطاوي وبعض المعتقدات الشعبية، بينما عرفت حضارات أمريكا الوسطى، كحضارة المايا والأزتيك، طقوسًا دينية معقدة مزجت بين التنجيم، واستحضار الأرواح، والتقويمات الفلكية، والقرابين، حتى أصبح الكاهن في كثير من الأحيان يجمع بين الوظيفة الدينية والفلكية وما يُعد من أعمال السحر في المفهوم الحديث.
وفي الديانة اليهودية يُعد السحر من المحرمات الصريحة، وقد وردت نصوص عديدة في أسفار العهد القديم تنهى عن العرافة، واستحضار الأرواح، والتنجيم، والسحر، وتعتبرها من الأعمال المرفوضة دينيًا. ومع ذلك، فقد ارتبط اليهود في المخيال الأوروبي، عبر قرون طويلة، باتهامات متكررة بممارسة السحر والشعوذة، شأنهم في ذلك شأن كثير من الأقليات الدينية التي كانت تُحمَّل مسؤولية الأزمات والكوارث.
وخلال العصور الوسطى، ولا سيما في فترات الأوبئة والمجاعات والاضطرابات الاقتصادية، انتشرت شائعات تتهم اليهود بتسميم الآبار، أو استخدام السحر لإهلاك الناس،
أو إقامة طقوس شيطانية.
وقد تعرضت الجاليات اليهودية في مدن أوروبية عديدة للطرد أو المصادرة أو القتل، كما حدث عقب انتشار الطاعون الأسود في القرن الرابع عشر، حين اتُّهم اليهود بإحداث الوباء عبر تسميم مصادر المياه، فشهدت مدن مثل ستراسبورغ وبازل وماينتس وكولونيا وغيرها مذابح وعمليات حرق جماعية وطرد للسكان اليهود، ثم تكررت قرارات الطرد في إنجلترا سنة 1290، وفي فرنسا في أكثر من مرحلة، وفي إسبانيا سنة 1492، حيث اختلطت الدوافع الدينية بالسياسية والاقتصادية، وكانت تهمة السحر أو التحالف مع قوى الشر واحدة من وسائل التحريض المستخدمة في بعض تلك المراحل.
ورغم اليقين بوجود مظلمة لليهود في بعض المسائل حينها، فإن التآمر والفكر الاجرامي أصيل في عدد من تنظيماتهم السرية التي انبثقت منها الصهيونية وغيرها، كذلك وجود طقوس وممارسات سحرية مثل الكابالا والسحر الأسود لديهم أمر ثابت لا ريب فيه، وهو خاص بنخبة من السحرة وليس حكما عاما على سائر اليهود.
أما في المسيحية، فالسحر محرم تماما، وعلى الرغم من اختلاف المدارس اللاهوتية في بعض التفاصيل، فإن الموقف العام للمسيحية ظل رافضًا للسحر بوصفه ممارسة محرمة ومنافية للإيمان بالله.
فقد تضمنت أسفار العهدين القديم والجديد نصوصًا تحذر من العرافة، واستحضار الأرواح، والتنجيم، والسحر، واعتبرت اللجوء إليها انحرافًا عن الإيمان والثقة بالعناية الإلهية.
ومن هذا المنطلق تبنت الكنيسة عبر تاريخها موقفًا صارمًا من السحر، وإن كان هذا الموقف قد اتخذ أحيانًا، ولا سيما في أوروبا في العصور الوسطى (476-1453 م)، صورًا متشددة تجاوزت ملاحقة الممارسات السحرية إلى اضطهاد أعداد كبيرة من الأبرياء الذين اتُّهموا بالسحر دون بينة، وهو ما سيترك أثرًا عميقًا في التاريخ الأوروبي وفي صورة السحر داخل الثقافة الغربية.
أما في الإسلام، فقد كان الموقف من السحر أشد وضوحًا وأرسخ تأصيلًا من غيره، إذ لم يترك القرآن الكريم ولا السنة النبوية مجالًا للالتباس في بيان حقيقته، والتحذير من مخاطره، وبيان حكمه الشرعي.
فقد تناول القرآن السحر في مواضع متعددة، مفرقًا بين المعجزة الإلهية والسحر، ومبينًا أن السحر حقيقة، له أثر يكون بإذن الله، لكنه ليس قوة مستقلة عن إرادة الله، كما أنه طريق محرم يقوم على الضلال والفساد والاستعانة بالشياطين.
ومن أبرز الآيات في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، إلى أن يرد على ذكر هاروت وماروت فيقول سبحانه ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ .
ففي هذه الآية جمع القرآن بين نفي السحر عن نبي الله سليمان، وإثبات أن الشياطين هم الذين كانوا يعلمون الناس السحر، مع التأكيد على أن تأثيره لا يقع إلا في حدود ما يأذن الله به لحكمته سبحانه، فلا يخرج شيء في هذا الكون عن سلطان الله وقدرته.
وقال تعالى في وصف سحرة فرعون: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ ، مبينًا أن من السحر ما يقوم على التأثير في إدراك الناس وإيهامهم.
وقال سبحانه: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ، في إشارة إلى جانب من جوانب الخداع والإيهام الذي قد يصاحب بعض أنواع السحر، قبل أن يبطل الله ذلك بمعجزة موسى عليه السلام.
أما السنة النبوية، فقد جاءت زاجرة عن السحر أشد الزجر، وعدته من أعظم الذنوب وأخطر الكبائر.
فمن ذلك قول النبي عليه وعلى آله السلام:
“اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ.
قالوا: يا رسول الله، وما هن؟
قال: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ”…
وكذلك قوله : ” إنَّ العِيَافَةَ، والطِّيَرَةَ، والطَّرْقَ، مِنَ الجِبْتِ”.
والجبت فُسِّر بأنه السحر وما يتصل به من أعمال الباطل.
كما ثبت عن جماعة من الصحابة والتابعين تشديدهم في أمر السحر، وتحذيرهم من ممارسته أو اللجوء إلى أهله.
ولهذا انعقد إجماع علماء الإسلام على تحريم السحر، وعدِّه من الكبائر العظام.
وفي اعتقادي، لم تشهد فترة من فترات التاريخ الإسلامي انتشارا واستشراء للسحر كهذه الفترة، لضعف العقيدة، وفساد الأخلاق، وانعدام المروءة، عند الكثيرين، فلجأوا على السحر، ومالوا إلى السحرة، وتركوا سبيل الله وحادوا عن نهجه.
وقد عاينت من هذا الكثير في عدد من الدول العربية أثناء إقامتي في بعضها أو تجوالي وسفري إلى بعضها الآخر.
وهو مما دفعني الى تعميق بحثي في هذا الموضوع، فقرأت ودرست وسافرت والتقيت، وعاينت ورأيت، بعين الطبيب الذي يريد تعميق فهمه للداء، ليسهل عليه وصف الدواء.
فكان هذا الكتاب ثمرة بحث استمر لسنوات طويلة، ومطالعات لكتب بعضها فيه سحر وبعضها الآخر وصف للسحر من زوايا مختلفة.
ومختصر نظري للسحر أنه سر حرام، فكلمة “سر” تحمل أمورا من الخفاء أو الإخفاء أو التخفّي، ولها معان كثيرة ومجالات عديدة.
لكن حين ندمج كلمة “سر” مع كلمة “حرام” نفهم معنى من المنع والحظر، لكن إن مزجنا حرفي السر بأول حرف في كلمة الحرام تقديرا لبقيّة الكلمة فنجد كلمة جديدة ليست سوى: “سحر”.
فالسحر في تقديري وحسب فهمي هو سرّ حرام، سرّ في الروحانية والاستحضار والتحكّم وبواطن في النفس والروح.
في هذا المصنف سنتعرف على أنواع السحر وفق تفسيرنا لآيات القرآن الكريم التي تحدثت عنه، مع توسيع الدوائر المعرفية، وتفسير الفرق بين السحر والشعوذة والدجل، وبيان الجوانب العلمية، وما يتصل بالسحر من معارف ومؤلفات ووجهات نظر، وشيء من أسرار عوالمه، وبعض معالمه…
ليكون القارئ على دراية أكبر بهذه الآفة، ويتمكن من تجبنها والتغلب عليها.
كما سنتعرف على المدرسة الغربية وتطوراتها، والجدل الفكري والفلسفي حول السحر، ودور السينما والإعلام، وصولا إلى مبحث السحر والذكاء الاصطناعي، وشذرات أخرى قيمة.
والله من وراء القصد.
سوسة بتاريخ 01/04/2016
تمت المراجعة والإضافة بتاريخ 21/07/2026