كتاب حكايات الحروف (10): الراء

3 دقائق للقراءة

الروعة صفته…والبراءة صورته وعالمه الرائع..وهو رائع ومروَّع….يجري كالنهر…يرفرف كالطير يطير من زهرة إلى زهرة ومن الأرض إلى الزُّهرة والمرّيخ…يتكاثر مع الأرقام…يمتطي صهوة الإعراب وينحو نحو الصرف وله في النحو مكارم وفي كل مكرمة نصيب وللكرامة والكبرياء قدر عنده…رقيب على كلماته متدبّر لحكمة وجوده…ليّن غير قاس…لم يسمح للغير بأن يغيّر عروبته…يحب العرب والعربية ولو أخبروه أنه في غيرها من اللغات موجود..اللغة لا تستغني عنها ولا حتى الموسيقى…يعرف أن له جمهورا وحضورا وهو الواقف في المسرح والنابض في الدراما والنازف في التراجيديا والمتشعب في الرواية…لم يقصُر ولم يقصّر..يتجمهر في الشعر ويتصور في النثر معاني وعبر…يتندّر بنوادر الأعراب ويعشق المآثر ولا ينهمر خلف الخرافة فهو المفكّر الأكثر رويّة بين الحروف…وكلما سمع زغرودة في عرس يرقص ويدعو بالرفاه للعريس والعروس…أما ابن عرس فهو حذر من مكره…مُكره على مسايرة الرواة إن ذكروا المؤامرات ويطرب كلما رددوا خبر الرائعين وروائعهم…وهو ملك الطرب…مع الطاء والباء طبعا…يهتز مع الأوتار ويتفاعل مع كل حركة ويفتخر باختراع المحرّك…يرقد في العطر ويتمطى في أريج الوردة ويركض كالمهرة يتأثر بروائح الأزمنة الغابرة….ينام كالهر مطمئنا لمهارته في اقتفاء الاثر…موجود في القمر والفجر والسحَر..وحتى في السَحر وطلاسمه المحيرة…موجود في البحر والبر…في الخير والشر…في الظهر والعصر…والعسر واليسر…في الظاهر والسر…والرخاء والضر…في الرجاء والرحمة والفكر والبصر والريحان والرحلة والفرس وفارسها والصحراء وهجيرها والرنين والوتر والترجمة والخبر وفي أكبر وأصغر وأكثر…إنه مذهل هذا الصديق..فحتى الحرف لا يكون دون وجوده اللازم…إنه الحرف الشهير الخطير المنير الحائر: الراء.
لم يشرب الخمر مرة…لكنه في سكر مستمر…وفي ركن من أركان اللغة ظل يسهر ويرقب البدر…يفكّر في الصور المتناثرة في ذاكرته راح يرسل مراسيله ورسائله…يبتسم كلما رأى حسناء أو قرأ قصيدة شعر: عذراء سمراء أو شقراء خمرية اللون قدها الخيزران نظرتها كالرئم الرءوم أو الغزالة البريّة… الكاعب البِكر المرهفة الشعور وضفائر شعرها ورياح الرحيل.ويضحك بزهو إذا ذكر امرئ القيس وعنترة والشنفرى وعفراء حزام…ويبتهج كلما قرأ عليه أعرابي قصيدة المنخّل اليشكري ورائيته الشهيرة في هند بنت عمرو بن حجر الكندي:
ولقد دخلت على الفتاة الــخدرَ في اليوم المـطيـرِ
الكـاعب الحسناء ترفـل في الـدمقس وفي الـحريرِ
فـدفـعـتـهـا فــــتـدافـعت مشي الـقـطـاة إلى الـغدير
وأحـبـها وتـــحـــبــــنـي ويـحــب نـــاقـــتـها بعيري
يبتسم لهند..تلك الساحرة…لكنه يعشق رابعة وشعرها…ويسير نحو المصير يحث المسير يركب مركبا من حيرة… ويصيبه الخدر كلما نظر في سِفْر الدهر وفكّر في الباخرة تمخر العباب الأزرق في بحر الحياة إلى الآخرة عابرة البرازخ مخترقة الأقطار…ومن مصر الى مصر يرتحل ومن عصر الى عصر يمضي…يمتطي صهوة الريح ويسأل عن سر الروح وينظر في رفيق الهاء والدال وهو يأتي من سبأ بخبر يقين…
لكنه يكره المخدرات ويرتاب من المخابرات والمخبرين…ويعاتب الحاء والباء على اتهامه بابتكار الحرب…هو لم يحب الحرب يوما…الا من اجل الحرية…وهو الحرف الحر الذي لم يقبل يوما بغير الحرية لونا وكونا ومجالا…
لم يطمئن منذ دخل كوكب اللغة مصطلح العهر وظل ينظر إلى ذلك القذر المذر الناطق بالهٌجْر…إنه انحراف عن مسار الحرف ومدار الرؤية…
الراء واثق رغم ذلك من قدراته…من معرفته وخبرته…فهو حرف محترف…ويعرف الحِرف كلها ويحب منها ما كان فيها: النجارة مثلا…وله مع الكرة علاقة حب فكلما ذكرت ذكر معها..لكنه يكره التكرار ولا يحب الكره ويمتعض من الحب وبقية عائلته لأنها لم تستضفه حتى جاء الغرام ففرح به كثيرا…الفرح صديقه والمفردات رفيقته…طبعه الرفق ولا يستطيع تحمل الفقر…
في غزوة بدر وخيبر تقمص أكثر من روح…وفي المرأة والرجل كان له موقف من البشري بشارة وبشرى…
له في القرآن والذكر الحكيم شرف وله في الشرف تشريف…وهو حرف شريف جدا لم يقرب غرور ولا تصور مرة أن يكون مرار الهجر مرا الى تلك الدرجة حتى جربه..ومن تجربة الى تجربة أخرى تمتلك رغبات كثيرة ويتملكه ترف المفكرين…
ترك القبر للباء وشاركها الصبر…ربما أن له في الرب ما يكفي من الفخر…وفي الكبير والقدير والقادر والمقتدر والخبير البصير…ويمسك بأستار الحرم ويصلي على البشير النذير الرسول المرسل برسالة الحق المنصور بنصر الرحمان…يذكر ذي قار والصرخة المدوية: يا محمد يا منصور…وينظر بكل التوقير إلى الزهراء ورقية وللربانيين عمر وأبي بكرة وحيدرة يمسك ذا الفقار…والزبير الحواري المبشر بالفردوس…يبكي كلما ذكر جعفر الطيار..وفي ليلة القدر حين تتنزل الروح بأمر ربها…يرفل في حرير الخالدين ويستبشر بالحور من رب الطور والبيت المعمور..يتلو السوَر ويعلو السُّور ليرى ببصيرته النور…وكلما ردد آية رجع بذاكرته الى الزبور والتوراة والى ابراهيم ويوسف يستقبل إخوته يدخلون مصر آمنين وتتحقق الرؤيا…وسفينة نوح ترسو بعد ان جرف الطوفان الكفر والكافرين…

مقالات ذات صلة

سأمشي
(من كتاب كلمات من فيض الروح) سأمشي في طريق الحق ولو عسرَ المسيرُ، وقلّ العشيرُ، وسرتُ فردا في المدلهم الخطيرْ. إنها أمانة العلم التي...
2 دقائق للقراءة
رحلة إلى مدينة “أمير سلطان”
حين تنطلق من اسطنبول وتمضي بك السيارة في النفق الذي يلتوي مثل الثعبان تحت البحر، ثم تقطع مسافة أخرى في البر، ستجد نفسك أخيرا...
5 دقائق للقراءة
الشعر الشعبي التونسي: قوة الجذور وغربة الاغصان
الشعر الشعبي التونسي (الذي يستعمل اللسان العامي او الدارج او اللهجة كما هو الحال في العالم العربي كالشعر النبطي والابوذيات العراقية والشعر البدوي الشامي...
10 دقائق للقراءة
قصيدة سيدي الظريف في مدح الجناب النبوي من الدرر التونسية
(الصورة لمدينة سيدي بوسعيد -جبل المنار- التي تحتوي على أكثر من 500 ولي صالح من بينهم سيدي بوسعيد الباجي وسيدي الظريف) أثناء مطالعتي للكتاب...
6 دقائق للقراءة
تكريم الفنان لطفي بوشناق والدكتور مازن الشريف
ضمن فعاليات مؤتمر السنة الدولية للحكمة، تم تكريم الفنان الكبير لطفي بوشناق والشاعر الدكتور مازن الشريف الذين جمعتهما أعمال فنية كبيرة مثل أغنية أنا...
< 1 دقيقة للقراءة
ماهاتير بن محمد
رسالة مؤثرة ترجمة رسالة ماهاتير. المعركة الأخيرة ماهاتير بن محمد
So touching Translation of Mahathir’s message: The Last Battle : Tun Mahathir bin Mohamad I have reached the end of my life. I only...
2 دقائق للقراءة
في فلسفة الكتابة
ليست الكتابة حركة قلم على ورق وانسياب افكار عبر آليات الدوال ضمن تعميق الصلة مع المدلولات من خلال فنيات اللغة وأصول المنطق وبراعة الخيال...
2 دقائق للقراءة
مقدمة ديواني
مقدمة ديواني “حروف عاشقة”
حروف عاشقة…رحلة في العشق والكلمات…وفي مواويل القلب والروح…عبر عمود الشعر الذي يمثّل تاريخا من العاشقين والراحلين في صحاري التيه والهيام. الديوان قصائد كتبتها في...
2 دقائق للقراءة
مقدمة ديواني مجانين ليلى
ليست ليلى في تاريخ الشعر والعشق العربي مجرّد أنثى تعبر قلب مغرم أو تمكث فيه، تصدّه أو تصله، تلتقيه أو تفارقه، بل هي أبعد...
2 دقائق للقراءة
مقدمة كتاب حكايات الحروف (مطبوع)
هذا الكتاب دليل آخر على روعة وجمال اللغة العربية. ولو أراد أحد الناس أن يكتبه بلغة أخرى لما استطاع. أنا مدين في هذا الكتاب...
< 1 دقيقة للقراءة