ضيفان وحمامة

4 دقائق للقراءة

تخيل حمامة.
إن هذا لأمر يسير، وقد رأيت الحمام وتعرفه ويسهل عليك تخيّله.
لكن لنفترض أنك جمعت كل طيور الحمام في وقتك الذي أنت فيه: سوف لن يبقى في السماء فوقك وفي الأرض أمامك شبر لا تعمره حمامة. وسيكون تخيل المشهد صعبا جدا.
فتخيّل إذا الحمام منذ آدم…
وتصوّر لو كان له نظير قبل آدم، أو لو كان له نظراء من أنواع حمام في غير عالم البشر.
ثم تصور كل الطير الذي خلقه الله في العالمين بكل أنواعه التي لا تعلم منها إلا القليل ولا يحيط بها من خلق الله إلا قلة.
سيكون تصورك لذلك أمرا مستحيلا، لأنك لو حصرت ذهنك في الطيور الأرضية في وقتك فقط لما استطعت تصور أعدادهم، ولئن اخترت من كل نوع وفصيل فردا واحدا، فكيف وقد انقرض منها ما انقرض وانحجب عن عالمك منها ما انحجب.
ثم كيف لو أنك مددت الأمر إلى كل الحيوان في كوكبك اليوم، في البر وفي البحر.
ثم إلى امتداد ذلك منذ أول كائن يعيش على هذا الكوكب.
ثم إلى كل دابة خلقها الله بين السموات والأرض. فجعلت كل ذلك محشورا في صعيد واحد.
ثم أتيت بأضعاف أضعاف ذلك عددا من أجناد الملائكة والروح واقفين صفا لا ينطقون إلا من أذن له الرحمن.
ثم جمعت كل هذا الجمع من المخلوقات والكائنات في صعيد واحد، ورأيتهم في مشهد واحد لا يملك فيه أحد أن ينبس بحرف أو يحرك جفنيه.
هل عجز خيالك وكَلَّ تصوُّرك. لنرجع إذا إلى البداية.
تخيل أنك تجمع في بيتك ضيفين.
سيكون يسيرا عليك أن تخاطبهم واحدا واحدا، وأن تراهم وتميّز كل واحد منهم بالاسم والوسم والجسم.
لكن تصوّر لو أنك استضفت مائة ألف إنسان: من المحال عليك حتى لو عرفتهم جميعا من قبل أن تميزهم.
فتخيل لو كنت قادرا على استضافة كل أهل الأرض اليوم في ساحة واحدة، ألا يختنق خيالك ويضيق مجالك؟
فكيف لو أنك تصورت كل بني آدم بكل حضاراتهم وألوانهم ولغاتهم واختلاف ملامحهم وتفصيل كل واحد منهم، واقفون في صعيد واحد، ومع كل نفْس منهم اثنان من الملائكة: سائق وشهيد.
وكيف لو أضفت إليهم جميع ما خلق الله من جن وشياطين، وهم أضعاف أضعاف بني آدم، ومن كائنات لا يحصيها عقلك ولا يمكنك تخيلها. كلهم واقفون في صعيد واحد.
ثم نظرت إلى من يعمر جنة عرضها السماوات، من حور وخزنة ومما تعلم واقفون شاهدون.
ونظرت إلى من يعمر جهنم من خزنة ومن خلق خلقه الله وذرأه فيها، واقفون يشهدون.
ثم أهل السماوات والسدرة والأفق، وأهل الكرسي والعرش.
فعلمت حينها أن البشر في كل هذا المشهد قلة قليلة، ما عمَروا من الزمان إلا قليلا، وكان قبلهم من عمَّر أزمنة أطول، ومن هم أكثر عددا وأعظم تجسّما.
وأن مخلوقات الأرض كلها فيه قطرة في بحر، فكم كوكبا كان فيه من خلق الله، ثم كم عدد من عمّر الله بهم الملكوت كله، فما كان الملكوت خرابا، وكم أعداد سكان السماوات والعوالم…
ولك أن تقيس ذلك بقياس حجم كوكب الأرض أمام الشمس التي تدور حولها، ثم أمام المجرة التي هي فيها، ثم أمام ما لا يحصي عقلك من مجرات.. وكل ذلك قطرة في بحر السماء الدنيا، وما السماء الدنيا سوى حلقة صغيرة أمام ست سموات طباق، وما السماوات سوى نقطة أمام السدرة والعرش وعوالم البرازخ والأفق الأعلى والجنة والنار وما حول ذلك وما فيه. وكل ذلك له أهله وسكّانه وعمّاره.
ثم جعلت حول ذلك وخلاله ما حوله وما خلاله: انفجار الكون إلى غبار، والجنة والنار، والعرش والأنوار، وجميع من خلق الله صفا بأمر الجبار، وكلهم واقفون بين يدي الواحد القهار.
فإذا نظرت إلى هذا بقلبك وعقلك وفهمته: ستدرك شيئا من عظمة يوم القيامة، ستلمس شيئا من مقام نبيك الذي هو سيّد كل ذلك الخلق، ومن مقام آله الذين هم أقرب الخلق إليه وأدلّهم عليه. ومن مقام الأنبياء والمرسلين، وأهل الله المخلصين، فهل لك من همة لتكون معهم.
وسترجع لتلاوة آيات الحشر بنفَس مختلف، لترى كيف زيّل الله بين الكائنات، وكيف أن القبور بُعثرت والوحوش حشرت، وكيف كوّرت الشمس قبل ذلك وكيف كانت زلزلة الساعة.
وستقيس ما تقرأ:
لترى ما الذي قاله نبيك في وصف مشهده طباقا لما في القرآن، وانعكاسا لما كشف له ربه وأراه تحققا ويقينا.
وما الذي لم يقله، بل كان من دس أذناب الشيطان، ومن عقم وسقم واضع ضعيف ومُدع سخيف لا علم له ولا برهان.
تخيل إذا حمامة، وضيفين في بيتك، أليس يسيرا عليك أن تأتي بحمامة تراها يقينا، وأن تستضيف ضيفين في بيتك تراهم يقينا، فاعلم أن جمع الخلق أهون عند الله، وأكثر يُسرا، فهل يُعجزه ما دون ذلك؟
فانظر إلى كل “عظيم” في الدنيا، ممن كثر جنوده واستكبر في الأرض، وقس عظمته أمام عظمة المشهد وعظمة رب المشهد.
أليس أقل من قطرة في بحر. وحبة رمل في صحراء.
فهل من عظيم غير الله.
وإن ما يجب أن تعلمه وأنت تتخيل المشهد ولا تدركه تخيّلا، أنك من الواقفين بعد حين فيه، والشاهدين عليه عين يقين، والعالمين به علم يقين، والعارفين له حق يقين.
وسيكون غطاؤك مكشوفا وبصرك حديدا، وسيكون لك وأنت فيه أن تعرف كل واحد من الواقفين وأن تميزه بالاسم والوسم والجسم كما تميز بين ضيفين في بيتك، وتكون رؤية المشهد كله لديك كنظرك إلى حمامة.
فاسجد واقترب.

15/09/2018 10:03

مقالات ذات صلة

قم زين الدنيا
قم زين الدنيا بنور محمد..هذا شعارنا.أن نزيّن الدنيا بنور نبي الهدى والنور.ان ننشر المسرة في القلوب.أن نسقي الأرواح خمرة الوصال، وأن نجلي مشهد الجمال.أن...
< 1 دقيقة للقراءة
من مدد المنارة
بين ألواح طلبة القرآن الكريم التي يحفظون بها كتاب الله.لأجيال تخرج الحفظة من المنارة الاسمرية التي لم يتوقف فيها التحفيظ والتدريس والآذان منذ خمسة...
< 1 دقيقة للقراءة
جامع الزيتونة منارة الاسلام
جامع الزيتونه المعمور والذي اسسه معماريا حسان بن النعمان سنة 79 للهجره، وأسسه علميا الشيخ علي بن زياد مع مجموعة من كبار العلماء في...
3 دقائق للقراءة
أهل الله فرسان العشق الإلهي
يقول الشيخ العظيم شمس التبريزي: “”إن السعي وراء الحبّ يغيّرنا. فما من أحد يسعى وراء الحبّ إلا وينضج أثناء رحلته. فما إن تبدأ رحلة...
8 دقائق للقراءة
الحجة الساعية لكل أذن واعية
لكل أمر وإن جلى بيانه وغلب برهانه معاندون وجاحدون ممن فسد قلوبهم وغلبت ذنوبهم وأعماهم الله على علم. ولذلك قد يكثر المجادلون في أمرنا،...
4 دقائق للقراءة
رسالة إلى خطباء الجمعة
الحمد لله الذي فرّق الخلق وجمعه، وجعل افضل الأيام الجمعة.وصلى الله على الحاشر الجامع، نور كل جامع.وعلى آله مجاميع الخير، وجوامع البر.وبعد:خطب الجمعة محافل...
3 دقائق للقراءة
كلمة على سطر البيان
شيوخ التكفير الذين يكفرون الأمة ويستنقصون من قدر رسول الله ويكرهون يوم مولده ويقولون أن والديه في النار ويُبغضون آل بيته ويوالون قتلتهم….يجوز لهم...
< 1 دقيقة للقراءة
القرآن الكريم معجزة الله الخالدة
الحمد لله الذي نزّل على عبده الكتاب، وسبّب الأسباب، وهدى إلى سبيل الهدى والصواب. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد عدد...
3 دقائق للقراءة
حال ومقال
ربّ ظانٍّ أنّي خير منه، وهو خير مني. يرى انعكاس حسناته علي، فيظنني محسنا. وربّ ظانّ أني شرّ الخلق، وهو مني أشر.يراني بعين السوء...
2 دقائق للقراءة
سُنّة الله وفقْهُ ما تراه
لله جل في علاه سنن، قوانين وضعها ومقادير سطّرها ونظم نظّمها ونظّم بها وأخضع لها ملكوته كله، والبشر ضمن ذلك. وفي القرآن تبيان وقصص...
5 دقائق للقراءة