بين التطرف والالحاد المأساة من زاوية أخرى

4 دقائق للقراءة

أنا ملحد وسعيد بذلك…كلمة قد تسمعونها كثيرا في الايام القادمة.

لكن بعد تجاوز ردة الفعل الغاضبة، أو الكلام الديني الذي يمكن أن نقوله لذلك الشاب أو تلك الشابة من قبيل التخويف من عذاب الله، أو النعت بالكفر، أو الدعوة للويل والثبور، فإن نظرة عميقة لذلك الشاب أو تلك الشابة ستحمل لك الكثير من المعاني التي ستصيبك بالوجع، وتعلم يقينا أنك أمام كائن مبرمج وضحية تم التلاعب بها جيدا، ولكن للتربة الفكرية والدينية والاجتماعية دور جوهري في ذلك.

عندما ترى القتل باسم الدين ستكره الدين إن كنت لا تعرف الدين الحقيقي من الدين المزيف.

عندما تجد أحاديث تنسف المنطق والعقل وتخالف القرآن في السنة، سوف تنكر السنّة إن كنت لا تميز بين السنة الحقيقية وبين الاسرائيليات والوضع والدس فيها، وحين يصر من تناقشه أن ذلك من السنة رغم انفك، فسوف تدخل في باب الالحاد بشكل أسرع.

حين ترى صورة متناقضة للرسول، محاطة بأسلاك شائكة من التحريف، وحين تسمع رجلا ملثما يمسك سكينا ويتكلم عن نبي ضاحك قتال جاء للناس بالذبح، ثم تجد الحديث والخبر في الكتب القديمة وترى كم مرة تم الذبح باستخدام نفس الحديث، ستكره ذلك النبي الذي لا تعرفه، ولا تعرف أنه بريء تماما من ذلك، وأن الحديث لا أساس له، بل جاء رحمة للعالمين.

عندما ترى من ينحر الناس والأطفال ويفجر المباني وهو يقول: “الله أكبر”، لن يبقى في قلبك موضع لله، وستكره الله وتكفر به، إذا لم تكن تميز بين “الله أكبر” التي تخرج من فم مؤمن صادق، و”الله أكبر” التي ينطق بها مجرم مريض، والله منه براء.

السؤال هنا: كم عدد الذين يميزون الحق من الباطل؟

والسؤال الأشد ثقلا: هل يقوم المشايخ وعلماء الدين بمراجعة الموروث والانتصار لله ورسوله ودينه من التزييفات والتشويهات أم يدافعون عنها دفاع المستميت، ويتهمون كل محاولة نقدية علمية بأنها ضرب للمذهب والثوابت في حين أنها انتصار لها.

إن الشباب المسلم الذي يلحد، ليس واعيا بتفاصيل فيزياء الكم ونظريات الجينوم البشري ولا يعرف عدد النيوكليتيدات ونسيج الحمض النووي، ولكنه في الحقيقة يفر من أمور يراها ضد العقل والانسانية والحرية. والاحصائيات تثبت أن الدول العربية المسلمة التي فيها نشاط أكبر لأصحاب الفكر المتعصب المنغلق هي أعلى الدول نسبة في الالحاد، بل أن الكثير من أبناء شيوخ التكفير صاروا ملاحدة.

كل هذا الوضع يتم استغلاله بمكر ودهاء من مروجي الالحاد ودعاته والمنظرين له بأطر براقة ومنطق خبيث، والموجة عارمة، فما بعد الدعوشة سيكون حتما الالحاد والشذوذ الجنسي.

وله قاموا ببناء مصفوفة منطقية يمكن الوصول إليها عبر تحليل آليات الخطاب والغوص في الفكر الالحادي من الداخل، ويمكن رسم نموذج لذلك:

قاتل يقتل باسم الدين= الدين دين قتل.

جاهل يتكلم باسم الدين= الدين جهل.

 سارق يسرق باسم الدين= الدين سرقة.

 دجال يدعي الكلام نيابة عن الإله= الإله دجل.

فهم يربطون المسائل ربطا نمطيا غير صحيح، لكن الشباب يندفعون لتصديقه.

وعليه ستجد من ينشرون الالحاد يركزون على الترهات في الكتب القديمة، مهما كان الدين الذي يهاجمونه، رغم تركيزهم على الاسلام أولا ثم المسيحية، ثم يقومون بعمليات الربط النمطي، نفس العملية قام بها دعاة الوهابية حين ربطوا بين المسلم في جوهره، وبين المظهر النمطي، فلا يكون المسلم مسلما بحق ما لم يكن له ذلك المظهر، كما ربطوا الشرك ربطا نمطيا بالتصوف، فيكون زائر مقام كالعاكف على صنم، وهكذا تم ربط الآيات ربطا نمطيا، بحيث تم اسقاط آيات في المشركين على أهل التصوف المؤمنين الموحدين الذين لا يعتقد احد منهم أن الولي الذي يزوره هو الله الخالق أو هو شريك لله، قطعا لا.

ومن هنا تم  بناء المنطق الالحادي الخلاب الجميل، وتم بناء نمط متدين بشع متوحش يشجع الزبائن الكارهين له والمرتعبين منه على الاقبال على المنتج الالحادي، في حين يقبل مرضى الأنفس على المنتج التكفيري الذي يتماشى مع مرض قلوبهم وحقدهم تحت راية “التوحيد والكتاب والسنة وعودة الخلافة”، وعلى “خطى النبي والصحابة”، وتحقيقا “لملاحم آخر الزمان”.

وبعد اكتمال عملية الدمغجة بوسائط الميديا والابهار الثلاثي الابعاد والاخراج المتقن ومواقع التواصل والشبكة الافتراضية وعلوم العقل والبرمجة (نفسها مستخدمة في صناعة التنظيمات الارهابية من حيث الدمغجة والتسويق)، يتم حقن الملحد بمخدر العقل والحرية والعلم، كما يتم حقن المتطرف بسموم الكابتاغون والمخدرات الرقمية.

كما أنهم وضعوا قالبا جاهزا عملوا على دعمه وصقله لسنوات ليكون حقيقة مطلقة في ظن من يتوهمها: الدين ضد العلم، وعليك أن تختار بين أن تتبع الدين وتكون جاهلا، أو تتبع العلم وتكون ملحدا. مستندين على الموروث بشكل كبير، وعلى خزعبلات الجهلة ممن تقمصوا الدين وتكلموا باسمه وهم بلا علم ولا فهم ولا دارية.

ويكون الناتج بذلك نموذجان: نموذج ملحد متحرر واعي ثائر على الموروث. ونموذج متدين يتم وسمه بكل الصفات القبيحة، فهو جاهل غبي منخدع صاحب هلوسة. وطبيعي كل جاهل وغبي ومنخدع ومهووس وتكفيري ممن يندس في أهل الديانة برهان ومبرر للملاحدة.

 لتكون المعادلة التي رسمها المعري من قبل:

اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا   دين وديّن لا عقل له

طبيعي لأتباع الديانات دور محوري في هذا، فالكنيسة بقتلها لغاليلي وحربها على العلم وقتل العلماء بتهمة السحر والهرطقة لمئات السنين سببت قول ماركس: الدين أفيون الشعوب.

وكل من استثمر الدين لنشر الجهل والخرافة والتصورات العقيمة للعالم والإنسان كذبا على الله ورسله، والدس والتحريف، والتعصب والتعنت، وادعاء القداسة مع الغوص في وحل الدناسة، كل ذلك ساهم في إلحاد الكثيرين وفي التبرير لمنظري الالحاد، وما تشهده المجتمعات الاسلامية اليوم رد فعل ضد الكثير مما في الموروث من تزييف وخزعبلات بالية يتمسك بها كهنوت التدين المسيّس، رغم ما فيها من انحراف عن حقيقة الدين وجوهره، وكذلك التطرف الدموي وما صاحبه من تكفير وتفجير.

هنا نخلص لنتيجة مفزعة: طالما الارهاب باسم الدين مستمر: من داعش إلى ما بعدها وقبلها. ومن الارهاب الاسود وعمليات الشام والعراق ومصر وليبيا وأوروبا وسيريلانكا مؤخرا، ضمن تركيز على المسلمين والمسيحيين، وعلى مساجد الصوفية (مثل مسجد الروضة بسيناء) أو الكنائس في سيريلانكا، أو الارهاب الابيض على طريقة لعب الفيديو في مذبحة نيوزيلاندا.

وطالما يرفض معظم مشايخ الدين على اختلاف مذاهبهم مناقشة الموروث مناقشة علمية شجاعة تنقيه وتنصر الدين الحق وتكشف الزيف والتدليس.

وطالما مجتمعاتنا في مجملها شبه مفككة مليئة بالأمراض والاجرام والفقر، وأغلب دولنا تنعدم فيها العدالة الاجتماعية والسياسات القوية التي تستشرف التحديات القادمة وتبني لها الحلول وتحلل الراهن بواقعية وتعالج بنجاعة.

فهل نتوقع توقف نزيف الشباب نحو التطرف من جانب، ونحو الالحاد وشتى أنواع الشذوذ من جانب ثان.

إنها صيحة في واد، لكنها صيحة على كل حال.

سوسة

09/05/2019   00:18

# ، ، ،

مقالات ذات صلة

فهرس أطروحة الدكتوراه في التصوف
الحمد لله والصلاة والسلام على حبيب الله. وبعد فهذا فهرس عناوين أطروحة الدكتوراه في أصول الدين: (التصوف الإستراتيجي بنية الأصل وهيكلية الفروع). والتي ناقشتها...
3 دقائق للقراءة
معضلة التاريخ
هنالك فرق كبير وبون شاسع بين معرفة الحقائق التاريخية وكشف غوامضها وملابساتها، وبين توظيف ذلك لإرباك الراهن واشعال الواقع وشغل العامة بأمور لا تؤدي...
< 1 دقيقة للقراءة
المصادفة : بين عين الخضر وعين دوكنز
“كنت اليوم في المدينة والتقيت صدفة بأحد أصدقائي في الجامعة الذي لم ألتقيه منذ عشر سنين، وكنت بالمصادفة يومها فكرت فيه، أو رأيته مصادفة...
7 دقائق للقراءة
صفحة من كتاب الجفر
حين كتبت عن “نيبيرو”، لعل الكثيرين تهكموا مما ذكرته.ولعل كثيرا منهم الان يشاركون نشر خبر الكويكب القادم الذي اعلنت عنه وكالة الفضاء الامريكية ناسا.وحين...
4 دقائق للقراءة
الحرب الثالثة – Third War
كنت تكلمت منذ سنوات في بعض وسائل الاعلام ودونت في بعض المقالات عن “الحرب العالمية الثالثة” ضمن نمطية إخراج جديدة.ويبدو أني كنت مخطئا: فالمؤشرات...
3 دقائق للقراءة
المكرّم من كرّموه، والمقدّم من قدّموه.
نفعنا الله وإياكم بأسرار الصالحين وأنوار الأولياء الأكرمين. وأدخلنا تحت لواء أهل الحضرة اصحاب النظرة.لي عشق خاص لارض الهند وباكستان وبنغلاديش. ففيها الآلاف من...
2 دقائق للقراءة
قصة الخلق الجزء الرابع: في معاني “الأرض”
إن لغز الحياة خارج كوكب الأرض يستمر في إثارة خيال الكتاب وصنّاع الأفلام، وفي تحفيز وكالات الفضاء على البحث ومحاولة التواصل مع الحضارات الأخرى...
7 دقائق للقراءة
قصة الخلق الجزء الثالث خلق الكون بين القرآن الكريم ونظرية النسبية
 يقول الحق جل وعلا في محكم تنزيله: “إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ...
7 دقائق للقراءة
قصة الخلق الجزء الثاني: الكون أولا
ظلّ الكون لغزا لقرون طويلة، أو هكذا يبدو في كتاب التاريخ الوضعي (رغم وجود أدلة على أن بعض الحضارات السابقة كانت تعرف عن الكون...
4 دقائق للقراءة
قصة الخلق: الجزء الأول: كيف كانت البداية
عندما تشاهد بحوث العلماء الغربيين حول نشأة الحياة، وأسرار الكون، ونظرياتهم وتفسيراتهم، والكتب التي كتبوها والمؤتمرات العلمية والبرامج التلفزية ثم الأفلام السينمائية التي تحمل...
5 دقائق للقراءة