الكتابة بالدم.. الكتابة بالماء.. (من كتاب تأملات إنسان، مطبوع)

3 دقائق للقراءة

حين نكتب ما الذي يحدث..؟؟
هل نفكر حينها أم ننساب كجدول عاشق؟
هل نمكث قليلا على صخرة الفكر أن نمضي خلف موجة طموح؟؟
ما الذي يحدث في دواخلنا حين نسوق الحروف والكلمات ونصفها لنكون منها المعنى، ثم نوشي المبنى بأجمل ما في الذاكرة من صور، ونعترف للورق أننا مذنبون في حقه، لكننا لا نرحم بياضه، نستمر في التكون داخل الجمل والمقاطع حتى نكون ذاتا جديدة وتكتمل المعركة بين الخلق والعدم!؟؟
حين نكتب، هل نكون بالضرورة عشاقا، أم حالمون بالعشق؟؟
فارون منه أم مقبلون عليه؟؟
ذائبون فيه أم ذائب فينا؟؟
حين نكتب..
أي ثورة تعصف بنا؟
أي نار تحرقنا؟؟
أم أي ماء يروي ظمأ أرواحنا؟؟؟
حين نلامس بشاعة الزمن وقساوة المدى بأناملنا، حين نكتوي بالعجز عن رسم ابتسامة على شفتي طفل جريح..

حين تنسف دبابة حمقاء بيوت أحبابنا ومساكن أفراحنا المبكية..
حين يكتب جندي جبان برصاصته أبشع الكلمات على صدر صبي أعزل..
حين تطمر طائرة الموت أفراد أسرة في جنح ليل خائن..
حين نكتب..
تتهادى أطياف الأحبة..
يمر طيف حبيب من العمق إلى السطح..
يطفو ويعبث بشوارب الصبر، يقتلع مقلة النسيان ويضعها في أتون الشوق ولوعة الفراق، يجرنا من أرواحنا خلفه، يتقافز هنا وهناك بين الخطوط والملامح والكلمات..
صوت آخر، ناقوس يدق بأذن القلب، شيخ يصلي في محراب الدم، خيل تخب على أرض اللم، نار تتأجج في محيط الرغبة، حلم يصطك بين براثن المحال، شموس تغتال السجف وتتخبط في السدم..
لاشيء يثبت..لاشيء يتوقف.. حين نكتب..
لنتوقف قليلا ولنعد الشريط إلى أوله.
هل تقول لي أنك لم تجرب ذلك ولم يجربك كل هذا!!
بماذا إذا تكتب!!

إن للماء صور رائعة، وله صورة بشعة واحدة، أن يكون آلة الكتابة، محركها والساكن فيها..
هذا البارد اللين الحذق المتملق..الذي يأخذ شكل الإناء ولا يهب لأحد شكله.. حين يكون محرك الكتابة، يسقط الكاتب في رمل الموت المتحرك..
للكتابة دين واحد، هو الدم، الفوران، النزيف، الدمعة التي لا تخجل من الظهور، الثورة التي لا تخاف المكابح، الإحساس الأرهف، الصدق الأعظم، المعنى الأجمل والهدف الأنبل..
ولنكن أكثر تجردا..
للدم أن يكون إحباطا موجعا، عجزا مقيتا، حنقا مغيظا، مقتا بغيضا، ثورة بالحرف على إمكانات الحركة..
وللدم أن يكون حبا حالما، رغبة آسرة، شوقا محرقا، فراقا محدقا، صمتا مطبقا، صخبا عاصفا، نظرا هادفا، طيفا يطوف بأرق عاشق، سيفا يخيف بقبضة صامد..
للدم أن يكون كما شاء الدم..
لكن ليس له أن يكون ماء..
كيف تكتب إن لم تتألم، إن لم تعشق، إن لم تثر، إن لم تحس بما حولك، إن لم تتفاعل مع قضيتك؟؟
أهذا ما يريد الجرذ منك، أن تكون أعمى يقرض جدار الخزي!!

حين سأل خيالي الضفدعة عن تعريفها للغابة قالت، وهي تستمتع بسباحة هادئة في الوحل:
“الغابة جذع كبير، فيه دائرة من الظلمة، تلتمع منها عينان”.
وكانت تنظر إلى جذع شجرة تيبست منذ زمن، وفيها جحر قارض لست أعرف اسمه تلتمع عيناه في ظلمة المستنقع..”
مضى مراسل قلبي وسأل النسر عن ماهية الغابة، قال: “هي نقطة خضراء من فوق قمة الجبل، فإذا اقتربت منها رأيت الحياة”.
فمن أين تنظر أنت وكيف ترى غابة الأفكار والكلمات، وغابة العالم من حولك؟؟
قال كونفشيوس: “الذبابة لن تذوق طعم الثلج..
والضفدعة في البئر.. لا تعرف رحابة السماء”.
هل تعرف أنت رحابتها، وهل ذقت يوما ثلج الصبر تهديه القصائد لعاشقها كي يبرد غليله ويشفى صدره ولو قليلا؟؟
كان الفتى الذي أكتب بيديه الآن يحترف فنين منذ طفولته الموشاة بأرقى أنواع الفقر وأروع أنواع الغنى: فقر الجيب وغنى القلب والضمير، كان يحترف فنون القتال وفنون الكتابة، ثم حين صار المتدرب معلما والتلميذ أستاذا كتب: القصيدة قتال بالحرف.. القتال قصيدة بالحركة”.

لن يفهم هذه الكلمات سوى نسر أو نمر، أما الضفادع فلها لغة خاصة..
زمن يعج بالضفدع والضبع والحرباء..
حاول أيها النمر أن تجد مكانا وتجد لصوتك مكانا أكبر..
الكتابة بالماء خيانة للماء وللكتابة..
الذين يصنعون الكلمات وفق أوامر جلاد يريد أن يطمس فينا الهوية..
الذين يتخذون حناجرهم أحذية لكل غاشم وظالم..
الذين يروجون للعهر اللفظي والعقم الشعري والانسلاخ القيمي والضآلة المعنوية..
هؤلاء يكبتون لا فقط بالماء..بل بالخمر أيضا، وبمسحوق تزيين البشرة، بالأقنعة، ببعض الدولارات، فإن توصلوا إلى معادلة الدم، كتبوا بدم خنزير ميت!!
الدم الذي نكتب به دمنا..دم الشهداء والمقهورين، دم العشاق والمولهين، دم مشتاق يذرف دمعا دمويا ويسهر ليلا مدميا..
الماء رائع في كل شيء..إلا في الكتابة..
والدم محرم شربه، لكن الكتابة به فرض..

ختاما..
لي رجاء منكم يا أحبتي..
لا تكتبوا بالماء.. اكتبوا بالدم، بالروح.. بأجمل ما في دواخلكم.. فالكتابة المائية ليست سوى فقاعات هواء..
من يكتب بصدق، بضمير، بحرقة، بمحبة، هو من يلج القلوب والعقول والأرواح..
الكتابة سر إلهي، والشعر فن من فنون الروح تعجز القوالب المصطنعة عن ولوجه كونه ولو ادعت.
وكما قال لامرتين: الشاعر معدنه الألم..
دمتم بخير..

السيدة زينب – دمشق
‏10‏/01‏/2009‏ 01:13 م

مقالات ذات صلة

خيوط متشابكة
كلما ظننتَ أن الحرب انتهت، ستجد أنها تجددت بشكل لا تتوقعه. العالم البشري عالم صراع وحروب، تاريخه يشهد. وما رسمه التاريخ ليس سوى تطبيق...
< 1 دقيقة للقراءة
مستقبل الفلسفة…بين سموم الواقع…وسم سقراط
هل للفلسفة مستقبل في هذا العالم “الغثائي” الذي يمضي في نسق سريع نحو أقصى درجات ذكاء الآلة وأقصى درجات الغباء البشري، في تفاعل بينهما،...
2 دقائق للقراءة
عصا موسى: بين عين النقص وعين الكمال
كان موسى يعرف العصا، ولم يكن يعرفها. لقد صحبته عشر سنين يرعى الأغنام فيهش بها على غنمه، ولم يكن يدري سرّها. وكان يصحب نفسه...
4 دقائق للقراءة
إبليس..ذلك العالم الذليل (من كتاب تأملات قرآنية)
مما لا شك فيه أن إبليس من العارفين الكبار، بل هو أعرف الجن حتى بلغ مراتب الملائكة، وهو الذي شهِد الملأ الأعلى وكلّم الحضرة...
2 دقائق للقراءة
في الكاتب والكتاب
الكتاب كالصّاحب، عليك أن تحسن اختياره، فهو سيصحبك في دروب الفكر والتأمل، أو سيودي بك إلى المهالك، وكما أنّه ليس أضر من الصاحب السوء،...
2 دقائق للقراءة
تأملات في الدال والمدلول وروح اللغة
كل شيء معقد حين تجهله. وكل شيء بسيط حين تعرفه. وأنت تجلس بجانب صيني يمازح صديقه، سيكون كلامه معقدا، وكذلك كلامك حين يسمعه، ولو...
2 دقائق للقراءة
تأملات في الكون والتكوين
كل شيء بسيط حين تنظر في ظاهره، وكل شيء معقد حين تتوغل في أعماقه، فترى كم أن التركيب دقيق والنسيج رقيق والصغير شاسع والمحدود...
< 1 دقيقة للقراءة
تأملات (1)” ماذا أصاب العقل العربي؟
صارع نفسه، وسجن نفسه، وحطّم أصناما وأقام أصناما، بين حلم الإصلاح وثورة المصحلين، وأمل التحرير ونضال المجاهدين، وصبوة التحرر وحراك التقدميين، ثم القضية والوحدة...
< 1 دقيقة للقراءة
رحلة الوصول إلى الصفر
ملاحظة: هذا المقال كتب بلون أسود، نعتذر عن البقع السوداء في ثوب البياض المتفائل. الصفر، ذلك الرقم المنحجب بين الأرقام، والذي ظل دهرا يختفي...
4 دقائق للقراءة
قال لي الجبل
(1) الوحيد الذي يستطيع هزمك حقيقة: هو: “أنت”…لا تخذل نفسك !! (2) إن لم تكن تثق في قدرتك على الفهم الصحيح، فاعتمد على قدرتك...
< 1 دقيقة للقراءة