التصوف الفلسفي للإمام الغزالي من خلال كتاب مشكاة الأنوار ج 6

6 دقائق للقراءة

تم إعدادها للمؤتمر العلمي الدولي حول تصوف الإمام الغزالي جاكرتا، أندونسيا 18-20 يناير 2018

ح/ الإمام الغزالي بين الشريعة والحقيقة:

الصراع بين الغلاة في الالتزام الحرفي بالشريعة، وبين الصوفيين صراع قديم، بسببه قتل الحلاج والسهروردي وسواهما، وهو مستمر إلى اليوم مع ما يقول به الغلاة التكفيريون من قتل للكثير من مشايخ التصوف.

والحقيقة أن الإشكال بين الغلاة في الشرع والغلاة في التصوف كبير، وأن هنالك من أفسد الذوق الصوفي كما هنالك من أفسد الحكمة الشرعية.

وبما ان الإمام الغزالي رجل فقه وشريعة وعقيدة، وعارف صوفي وفلسفي، ومتبحر في علم الكلام والمنطق، فإن موقفه بين الشريعة والحقيقة موقف متزن ومتميز، فهو لا يفصل بينهما بل يرى فيهما التكامل، ويرى أنهما عرضتان للدخلاء والأدعياء، فيقول:

“فأنا أجمع بين الظاهر والسر جميعاً، فهذا هو الكامل: وهو المعنىّ بقولهم “الكامل من لا يطفىء نور معرفته نور ورعه”. ولذلك ترى الكامل لا تسمح نفسه بترك حد من حدود الشرع مع كمال البصيرة. وهذه مَغْلطة منها وقع بعض السالكين إلى الإباحة وطى بساط الأحكام ظاهراً، حتى أنه ربما ترك أحدهم الصلاة وزعم أنه دائماً في الصلاة بسره. وهذا سوى مغلطة الحمقى من الإباحية الذين مأخذهم ترَّهات كقول بعضهم “إن الله غنى عن عملنا”، وقول بعضهم إن الباطن مشحون بالخبائث ليس يمكن تزكيته، ولا يطمع في استئصال الغضب والشهوة؛ لظنه أنه مأمور باستئصالهما: وهذه حماقات”.

فعلماء الظاهر لهم فهم، وعلماء الباطن لهم، وهو متكامل مع الظاهر، لذلك كان أقطاب التصوف كالجيلاني والرفاعي والدسوقي يؤكدون على الالتزام بالشرع وبالقرآن والسنة، ولمن ذكرت كلام متشابه يقولون فيه: طريقتنا مستمدة من الكتاب والسنة، وكذلك الأمر مع البدوي والشاذلي وسواهما، بل إن الإمام مالك صاحب المذهب قال كلمة عظيمة فيها ميزان دقيق بين التصوف والفقه: “من تفقه ولم يتصوف فقد تفسّق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ، ومن جمع بينهما فقد تحقق”، ورغم أن هنالك مشككين في نسبة هذه المقولة للإمام مالك، والتي ذكرت في حاشية العلامة علي العدوي على شرح الامام الزرقاني على متن العزيه في الفقه المالكي. وشرح عين العلم وزين الحلم للامام ملا علي قاري، فإنها تصيب عين الحقيقة، ولا غرابة أن يكون قائلها الإمام مالك وهو عالم التزكية كما هو العالم بالفقه والحديث، ولذلك نجد التصوف أصلا في المدرسة المالكية الزيتونية التونسية والمغاربية كما أوضح العلامة عبد الواحد بن عاشر في متنه:

في عقد الأشعري وفقه مالك…وفي طريقة الجنيد السالك.

فهي عقيدة أشعرية تنزه الله تعالى، وفقه مالكي، وتصوف جنيدي، لأن التزكية أساس وجوهر.

  و/ في معنى النور والمشكاة والمصباح والزيت والزيتونة: يمضي الإمام الغزالي في تفسير آية النور بذوق فلسفي صوفي فريد وخاص، حيث يؤول المعنى إلى ذاتية الإنسان وروحانيته، ضمن ترتيب محدد من أرواح خمسة في تراتب عمودي من أدنى إلى أعلى:

1/الروح الحساس: المشكاة: لأنها جامعة لأسباب الظاهر.وتكون في الحيوان والطفل  الرضيع كما يرى.

2/الروح الخيالي: الزجاجة: للطف والصفاء.

3/الروح العقلي: المصباح: لأنه نور التعقل والإدراك.

4/ الروح الفكري:  ويقول في شأنه: “وأما الرابع وهو الروح الفكرى فمن خاصيته أنه يبتدئ من أصل واحد ثم تتشعب منه شعبتان، ثم من كل شعبة شعبتان وهكذا إلى أن تكثر الشعب بالتقسيمات العقلية، ثم يفضى بالآخرة إلى نتائج هى ثمراتها. ثم تلك الثمرات تعود فتصير بذوراً لأمثالها: إذ يمكن أيضاً تلقيح بعضها بالبعض حتى يتمادى إلى ثمرات ورائها كما ذكرناه في كتاب القسطاس المستقيم. فبالحرِىّ أن يكون مثاله من هذا العالم الشجرة. وإذ كانت ثمراته مادة لتضاعف أنوار المعارف وثباتها وبقائها فبالحرِىّ ألا تمثل بشجرة السفرجل والتفاح والرمان وغيرها، بل من جملة سائر الأشجار بالزيتونة خاصة: لأن لب ثمرها هو الزيت الذى هو مادة المصابيح، ويختص من سائر الأدهان بخاصية زيادة الإشراق مع قلة الدخان….  لا يتناهى ثمرتها إلى حد محدود أوْلى أن تسمى شجرة مباركة. وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة خارجة عن قبول الإضافة إلى الجهات والقرب والبعد، فبالحرِىّ أن تكون لا شرقية ولا غربية. “

5/ الروح القدسي النبوي: وهو الأعظم والأهم، وختام السلسلة: “وإذا كانت هذه الأنوار مترتبة بعضها على بعض: فالحسى هو الأول، وهو كالتوطئة والتمهيد للخيالى، إذ لا يتصور الخيالى إلا موضوعاً بعده؛ والفكرى والعقلى يكونان بعدهما؛ فبالحرى أن تكون الزجاجة كالمحل للمصباح والمشكاة كالمحل للزجاجة: فيكون المصباح في زجاجة، والزجاجة في مشكاة.وإذا كانت هذه كلها أنواراً بعضها فوق بعض فبالحرِىّ أن تكون نوراً على نور”.

وهذا منهج فريد في تفسير هذه الآية، بربطها بانواع الروح، أو صنوف العقل والفهم والادراك، ولعل العقل والروح يمتزجان في تفسير الغزالي، وهذا فن صوفي فلسفي ذوقي، يُفهم في إطاره، ويطول نقاشه إذا أردنا نقاشا، وليس رده بالتفسير الحرفي بطريق صحيح في نظري، بل هو إثراء للمعنى وتاويل طريف، ضمن أطره وحدوده، وقد ضرب أمثلة على ما بيّنه لا نرى فائدة في الاستفاضة في شرحها، فقد بلغنا القصد بما بينا من ملامح المنهج الصوفي الفلسفي عند الامام الغزالي، ورمنا أمهات القضايا، ولئن كانت الرسالة ثرية، وأفكارها كثيرة وجديرة بالنقاش والبحث والنقد.

ط/ في التجلي والحجاب:

ختاما نبسط بعضا مما ذكره الامام الغزالي في الفصل الثالث والأخير من كتابه،  وهو عن التجلي الإلهي، وحجب النور والظلمات، ضمن تعليقه أو تفسيره عن حديث السبحات والحجب المأثور عن رسول الله: “إن لله سبعين حجاباً من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره”، وقد روي أيضا بلفظ آخر: “حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْبَعٍ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ , وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النَّارُ، لَوْ كَشَفَهَا لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصْرُهُ”.

يقول الإمام الغزالي: “إن الله تعالى متجل في ذاته لذاته، ويكون الحجاب بالإضافة إلى محجوب لا محالة؛ وإن المحجوبين من الخلق ثلاثة أقسام: منهم من حجب بمجرد الظلمة؛ ومنهم من حجب بالنور المحض؛ ومنهم من حجب بنور مقرون بظلمة”.

ويقسم الأقسام الثلاثة إلى فروع:

فالقسم الأول: “وهم المحجوبون بمحض الظلمة، وهم الملحدة الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر. وهم الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة لأنهم لا يؤمنون بالآخرة أصلاً”.

والقسم الثاني: “طائفة حجبوا بنور مقرون بظلمة وهم ثلاثة أصناف: صنف منشأ ظلمتهم من الحس، وصنف منشأ ظلمتهم من الخيال، وصنف منشأ ظلمتهم من مقايسات عقلية فاسدة”.

القسم الثالث: “المحجوبون بمحض الأنوار وهم أصناف ولا يمكن إحصاؤهم: فأشير إلى ثلاثة أصناف منهم”

ومختزل القول أن الغزالي يظهر معرفة بالأديان والملل والفرق، ولكن المستخلص الفلسفي الصوفي من هذا الفصل فهو الفهم للتجلي الإلهي عبر تجلي الذات على الذات، وانحجاب الذات عن سواها، وكون النور يمكن أن يكون حجابا أيضا، أو أن يكون مع الظلمة في حجاب، او أن يكون الحجاب ظلمة محضة، وهو فهم فريد أيضا ومتعمق، يكشف عن طول تدبر الرجل وتفكره وعمق تأملاته.

5/ فائدة منهجية: المستفاد من مشكاة الأنوار كثير، ففيها رؤية فلسفية إشراقية صوفية متكاملة وعميقة، سبقت السهروردي ولئن اشتهر الاشراق باسمه، وفاقت ابن عربي في جوانب، وكانت نظرة جامعة بين معارف كثيرة: من فقه وعقيدة ومنطق وعلم كلام وفلسفة، وعلم بالملل والنحل، وتجلى فيها فقيه متبحر، وصوفي جرب الخلوات وغاص في الحقائق والمكاشفات، وهذا بحد ذاته نموذج مميز، بل لا نكاد نظفر بشبيه للغزالي في تعدده المعرفي وفرادته العرفانية.

كما أن منهجه كان دقيقا صارما، وكان التمشي هادئا متأنيا، من النور ومعناه، إلى مراتبه، فالوجود وحقيقته، وأن الله هو الوجود الحق والنور الأول، ثم معاني المشكاة والمصباح وما في الآية، بتفسير متفرد طريف، وتأويل جميل ظريف، ثم معاني التجلي والحجاب وما في ذلك من أقسام عامة وأخرى فرعية، وفي الرسالة مضامين كثيرة تستحق فعلا الدراسة والبحث والتعمق والمقارنة والنقد.

6/ خاتمة: حاولنا في هذه الدراسة أن نبين معنى التصوف أولا، وحقيقته، وارتباطه بالشريعة والعقيدة، واتصاله بهما، ثم بالتصوف الفلسفي ومعانيه ومبانيه وخاصة الفلسفة الاشراقية، ثم عرفنا بإيجاز بحجة الاسلام أبي حامد الغزالي، الذي يمثل فرادة وعبقرية قل نظيرها في التاريخ  الاسلامي والانساني عامة. ثم دخلنا في بحار كتابه “مشكاة الانوار” وهي رسالة في تفسير آية النور، وسعينا إلى استخلاص أهم المعاني الفلسفية الصوفية فيها، وما تنطوي عليه، ولا ندعي أننا أحطنا بكل ما في الرسالة، لأن كل فقرة فيها جديرة ببحث منفصل، ولكنها محاولة ومقاربة أردنا بها التعرف على منهج الغزالي الذي كان مدرسة مكتملة جمعت ما بدا متناقضا: الشريعة والحقيقة، والفقه والتصوف، والأصول والفلسفة، والعقلانية والروحانية، وهي بعض من نتاج شخصية علمية ثرية تستحق مزيدا من العناية رغم كثرة ما كتب عنها، كما ان استحضار شخصية الامام الغزالي وعلمه اليوم، في فترة انتشر فيها التكفير وأهله يقتلون باسم الاسلام ويفجرون باسم الاسلام وينسبون التصوف كله وأهله قاطبة إلى البدعة والشرك، كما انتشرت ما سماها الغزالي بالحماقات لدى بعض أدعياء التصوف، مما زاد الهجوم عليه حدة، والحقيقة أن الاسلام بريء من أهل التكفير كما أن التصوف بريء من أهل الحمق والغلو الزيغ والترهات.

ونرجو ختاما أن نكون قد وفقنا في رمنا من غرض الدراسة، وبالله التوفيق وهو ولي المؤمنين.

سوسة 05/01/2018  – 23:46

# ، ، ،

مقالات ذات صلة

الحجة الساعية لكل أذن واعية
لكل أمر وإن جلى بيانه وغلب برهانه معاندون وجاحدون ممن فسد قلوبهم وغلبت ذنوبهم وأعماهم الله على علم. ولذلك قد يكثر المجادلون في أمرنا،...
4 دقائق للقراءة
رسالة إلى خطباء الجمعة
الحمد لله الذي فرّق الخلق وجمعه، وجعل افضل الأيام الجمعة.وصلى الله على الحاشر الجامع، نور كل جامع.وعلى آله مجاميع الخير، وجوامع البر.وبعد:خطب الجمعة محافل...
3 دقائق للقراءة
كلمة على سطر البيان
شيوخ التكفير الذين يكفرون الأمة ويستنقصون من قدر رسول الله ويكرهون يوم مولده ويقولون أن والديه في النار ويُبغضون آل بيته ويوالون قتلتهم….يجوز لهم...
< 1 دقيقة للقراءة
القرآن الكريم معجزة الله الخالدة
الحمد لله الذي نزّل على عبده الكتاب، وسبّب الأسباب، وهدى إلى سبيل الهدى والصواب. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد عدد...
3 دقائق للقراءة
حال ومقال
ربّ ظانٍّ أنّي خير منه، وهو خير مني. يرى انعكاس حسناته علي، فيظنني محسنا. وربّ ظانّ أني شرّ الخلق، وهو مني أشر.يراني بعين السوء...
2 دقائق للقراءة
سُنّة الله وفقْهُ ما تراه
لله جل في علاه سنن، قوانين وضعها ومقادير سطّرها ونظم نظّمها ونظّم بها وأخضع لها ملكوته كله، والبشر ضمن ذلك. وفي القرآن تبيان وقصص...
5 دقائق للقراءة
كلمة وموقف (عن الوحدة والإنسانية)
كلمة وصلتني من النجف الأشرف من آية الله العلامة السيد فاضل الجابري الموسوي:  “احسنت أيها السيد الشريف والعالم الحصيف والباحث المنصف صاحب القلم البديع...
3 دقائق للقراءة
قضية للنقاش
السلام عليكم. اسئلة اود طرحها، ومن حقي كمسلم وكمكلّف عاقل مأمور من خالقي بالتدبّر والتفكّر أن أطرح أي سؤال أشاء، وأن يتم مناقشتي والإجابة...
4 دقائق للقراءة
كلمة وموقف (عن التصوف)
هنالك امور دخيلة على التصوف انا ضدها تماماوقد أساءت للتصوف الحق: مثل الخزعبلات، والشطح الناتج عن اللبس، والدجل والشعوذة، وادعاء الولاية والكرامة، والجهل بالقران...
< 1 دقيقة للقراءة
هل الحسين أمة قد خلت
كلما ذكرنا الإمام الحسين وكربلاء وما كان فيها من محنة وملحمة وقتل يشيب لهوله الولدان، وذبح لابن بنت نبي الإسلام، يخرج عليك بعضهم ممن...
2 دقائق للقراءة