التصوف الفلسفي للإمام الغزالي من خلال كتاب مشكاة الأنوار ج 5

7 دقائق للقراءة

ه/ الوجود عند الإمام الغزالي: المسألة الوجودية من المسائل الهامة في الفلسفة بل هي من أمهات القضايا، منذ سقراط إلى ديكارت عميد المنهج الوجودي الحديث، وكذلك عن الفلاسفة المسلمين كالكندي وابن سينا وابن رشد، بين باحث في حقيقة عنصره ومصدره الأول، وبين متسائل عن طبيعته، ومستغرق في فهم معانيه، ولكن للوجود لدى الغزالي ضمن نظره الصوفي الفلسفي في مشكاة الانوار صورة أخرى تجعله غير موجود حقيقة، بل وجوده وجود مجاز ونسبة إلى موجده، والله هو الوجود الفعلي الأوحد، ولا وجود إلا لله ولوجهه، والباقي لا وجود له حقيقة، بل هو مجرد استعارة، فيقول: ” والوجود ينقسم إلى ما للشىء من ذاته وإلى ماله من غيره. وماله الوجود من غيره فوجوده مستعار لا قوام له بنفسه. بل اعتُبر ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض. وإنما هو موجود من حيث نسبته إلى غيره، وذلك ليس بوجود حقيقى كما عرفت في مثال استعارة الثوب والغِنَى. فالموجود الحق هو الله تعالى، كما أن النور الحق هو الله تعالى”.

وهو استغراق في الحال الصوفي وغرق في بحار الجلال والجمال. ولكنه أيضا كلام يوشك أن يكون تصريحا بوحدة الوجود إن لم يكن تصريحا بذلك.

وهو نظر صوفي يقترب من معاني الفناء في الله، ليصل إلى معنى أن كل شيء فان ومنته في الحقيقة ولا وجود إلا لله، ، وهو أيضا نوع من القول بوحدة الوجود على أحد معانيها، ولئن أنكر معنى آخر لذلك كما سنبين فيما يلي.

و/ الإمام الغزالي ووحدة الوجود: تمثل مسألة وحدة الوجود من القضايا الجدلية الكبرى التي ركز عليها المستشرقون في دراستهم للتصوف الإسلامي، وقد أفاضت الكثير من الحبر بين مفسر لها ومبيّن لمعانيها، وبين ناقد قادح، حتى أنها تعتبر لدى كثير من أهل الفقه نوعا من الزندقة.

وقد تأثر بفلسفة وحدة الوجود التي تعني فيما تعنيه  أن “الله هو الوجود الحق”، وأنه صورة هذا العالم المخلوق، أما مجموع المظاهر المادية فهي تعلن عن وجود الله دون أن يكون لها وجود قائم بذاته”، وقد كان من المنسوبين إلى هذه الفلسفة الحلاج وابن عربي، وابن الفارض وابن سبعين والتلمساني.

والقول بوحدة الوجود مذهب فلسفي قديم يرجع إلى الفلسفة الأفلاطونية المحدثة وفلسفة الرواقيين، وكذلك إلى الفلسفة الهندوسية، ولها وجود في الفكر اليهودي والمسيحي وفي الفلسفة الفارسية بنسب متفاوتة، وقد انتشرت في أوروبا على يد الفيلسوف اللاهوتي الإيطالي جوردانو برونو (الذي اعدمته الكنيسة بتهمة الهرطقة) والفيلسوف الهولندي الكبير باروخ سبينوزا  وهو من أهم فلاسفة القرن 17.

وفي سياق وحدة الوجود يقول محي الدين بن عربي (المتوفي سنة 638هـ/ 1240م) في مواضع مختلفة: “فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عينَ كل شيء”.

“والعارف المكمَّل من رأى كلّ معبود مجلى للحق يُعبد فيه، ولذلك سموه كلهم إلهاً مع اسمه الخاص بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب أو ملك”…

“ولا يُشهَد، ولا تدركه الأبصار، بل هو يدرك الأبصار، للطفه وسريانه في أعيان الأشياء”

“فإن الِإله المطلق لا يسعه شيء، لأنه عين الأشياء وعين نفسه، والشيء لا يقال فيه: يسع نفسه ولا لايسعها، فافهم”.

وحين نقرأ للغزالي في مشكاة الأنوار نجد أنه ينفي الوجود للوجود، ويصله بموجد الوجود، فهو الموجود الحقيقي وما تبقى هالك أزلا وأبدا، ولكنه ينحو في ذلك منحى خاصا حين يربطه بآية من القرآن الكريم، وينسب ذلك إلى ما بلغه العارفون حين نظروا في معاني قوله سبحانه في الآية الثامنة والثمانين من سورة القصص: ” كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ “.

فتأمل قوله: “من هنا ترقي العارفون من حضيض المجاز إلى يفاع الحقيقة، واستكملوا معراجهم فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا الله تعالى، وأن {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} لا أنه يصير هالكاً في وقت من الأوقات؛ بل هو هالك أزلاً وأبداً لا يتصور إلا كذلك؛ فإن كل شىء سواه إذا اعتُبِر ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض؛ وإذا اعتبر من الوجه الذى يسرى إليه الوجود من الأول الحق رؤى موجوداً لا في ذاته لكن من الوجه الذى يلى موجده، فيكون الموجود وجه الله تعالى فقط. فلكل شىء وجهان: وجه إلى نفسه ووجه إلى ربه؛ فهو باعتبار وجه نفسه عدم وباعتبار وجه الله تعالى موجود. فإذن لا موجود إلا الله تعالى ووجهه. فإذن كل شىء هالك إلا وجهه أزلاً وأبداً”.

وهذا الفهم الفلسفي للوجود والنظر إلى الألوهية يختلف عما أوردنا من كلام ابن عربي، فهو يرى أن الوجود في حقيقته منتف، وأن لا موجود حقا إلا الله، بمعنى أنه يجعل نسبي الوجود والمنبثق من العدم بقدرة الموجد، والسائر إلى الفناء بقدرة القدير الذي جعل لكل الموجودات نهاية حتمية بالموت وبالقيامة، أن يجعله في حال الانعدام، لأنه وجود عرضي، منسوب إلى الموجود الحقيقي وهو الله، وهذا قول يمكن أن يناقش بطرائق كثيرة، ويمكن نقصد فلسفيا وعلميا وعرفانيا، ولكني اعتقد أن مناقشته الحرفية وفق المنهج الفقهي دون معرفة فلسفية أو ذوق ورؤية عميقة قد يكون مصيرها الحكم على ذلك بالزندقة ثم القتل كما كان من أمر السهروردي والحلاج.

ز/ الغزالي ومسألة الحلول والاتحاد: إضافة إلى وحدة الوجود، فالحلول والاتحاد مصطلحان جدليان أيضا، وقضيتان من قضايا الفلسفة الصوفية ومن المسائل التي ألبت على القائلين بها من المتصوفة.

فأما الحلول فأن يحل الموجد في الموجود، وأما الاتحاد فاتحاد الله بما خلق، بمعنى أن يكون الوجود فقد ورد في الكليات للكفوي (الكتاب:كتاب  الكليات (معجم في المصطلحات والفروق اللغوية) المؤلف: لأيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، أبو البقاء الحنفي (المتوفى: 1094ه) “إن الحلول هو أن يكون الشيء حاصلاً في الشيء، ومختصَّاً به، بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر تحقيقاً، أو تقديراً”.

وقد قسموه إلى خاص وعام، فالخاص حلول الرب في بعضه خلقه (كقول النسطورية من النصاري في كلامهم عن السيد المسيح  بحلول اللاهوت في الناسوت)، والعام حلوله في كل مكان، وفي ذلك يقول القاشاني (محمد محسن بن مرتضى بن محمود المشهور بلقب الفيض الكاشاني (1007 هـ – 1091 هـ) بأنه: «شهود الوجود الحق الواحد المطلق الذي الكل به موجود بالحق، فيتحد به الكل من حيث كون كل (شيء) موجوداً به معدوماً بنفسه، لا من حيث أن له وجوداً خاصاً اتَّحد به، فإنه محال”.

وعرفه السيد محمود أبو الفيض المنوفي (محمود بن علي بن عمر بن إبراهيم الشريف الحسيني، ولد في منوف في مصر سنة 1312 ه)ـ بأنه: «شهود الحق من غير حلول أو ملابسة كما يحدث من الأجسام للأجسام”.وذات الأمر في الاتحاد: اتحاد الله ببعض خلقه، أو بكل ما خلق ” هو عين وجود الكائنات”.. وكثيرا ما يتم الخلط بين وحدة الوجود والاتحاد.

وقد اشتهر بيتان لأبي نواس ونسبا أيضا للسهروردي في معنى الحلول والاتحاد:

رق الزجاج وراقت الخمر *** وتشابها فتشاكل الأمر

فكأنما خمرٌ ولا قدحٌ *** وكأنما قدح ولا خمر

أما الأشهر في هذه القضية فهو الحلاج، الذي قُتل باتهامه بالزندقة لقوله بالحلول والاتحاد أو لما تم فهمه على أنه قول بذلك في معناه الحرفي، ومن أشهر ما قال:

“أنا من أهوى ومن أهوى أنا

نـــــحن روحان حللنا بدنا

فــــــإذا أبصرتني أبصرته

وإذا أبصــــــــرته كان أنـــا

روحه روحي وروحي روحه

من رأى روحين حلا بدنـــا”

ولكن الغزالي الفقيه المتمكن والعالم بالعقيدة، يقول في ذلك قولا فصلا جليا واضحا، فيقول: “وربما لم يفهم أيضاً كنه هذا الكلام بعض القاصرين، فيفهم من قولنا “إن الله مع كل شىء كالنور مع الأشياء” أنه في كل مكان؛ تعالى وتقدس عن النسبة إلى المكان”.

ولا غرابة فهو من أركان العقيدة الأشرعرية المنزهة لله عن وعن الجمسية والحيزية والحد، فكيف يحل في المكان خالق المكان، وكيف يكون في السماء فاطر السماء، وهو من الخبط الذي وقع فيه المناوئون للتصوف ومكفّروهم من تجسيم وقول بأن الله في السماء تعالى الله عن ذلك سبحانه.

كما يمضي الإمام الغزالي الذي جمع بين الشريعة والحقيقة، وبين الفقه وعلم الكلام والفلسفة والمنطق، إلى تفسير معاني أقوال بعض الصوفيين التي نسبت إليهم الزندقة وسببت لهم القتل، فيقول: ” عارفون – بعد العروج إلى سماء الحقيقة – اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق. لكن منهم من كان له هذه الحال عرفاناً علمياً، ومنهم من صار له ذلك حالاً ذوقياً. وانتفت عنهم الكثرة بالكلية واستغرقوا بالفردانية المحضة واستوفيت فيها عقولهم فصاروا كالمبهوتين فيه ولم يبق فيهم متسع لا لذكر غير الله ولا لذكر أنفسهم أيضاً. فلم يكن عندهم إلا الله، فسكروا سكراً دفع دونه سلطان عقولهم، فقال أحدهم “أنا الحق” وقال الآخر “سبحانى ما أعظم شانى! ” وقال آخر “ما في الجبة إلا الله”. وكلام العشاق في حال السكر يُطوَى ولا يحكى. فلما خف عنهم سكرهم وردوا إلى سلطان العقل الذى هو ميزان الله في أرضه، عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد بل شبه الاتحاد مثل قول العاشق في حال فرط عشقه “أنا من أهوى ومن أهوى أنا” (و 8ـ ب) ولا يبعد أن يفاجىء الإنسان مرآة فينظر فيها ولم ير المرآة قط، فيظن أن الصورة التى رآها هى صورة المرآة متحدة بها، ويرى الخمر في الزجاج فيظن أن الخمر لون الزجاج. وإذا صار ذلك عنده مألوفاً ورسخ فيه قدمه استغفر وقال:
رق الزجاج وراقت الخمر … فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح … وكأنما قدح ولا خمر
وفرق بين أن يقول: الخمر قدح، وبين أن يقول: كأنه قدح. وهذه الحالة إذا غلبت سميت بالإضافة إلى صاحب الحالة “فناء”، بل “فناء الفناء”: لأنه فنى عن نفسه وفنى عن فنائه، فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال ولا بعدم شعوره بنفسه. ولو شعر بعدم شعوره بنفسه لكان قد شعر بنفسه. وتسمى هذه الحالة بالإضافة إلى المستغرق به بلسان المجاز اتحاداً أو بلسان الحقيقة توحيداً. ووراء هذه الحقائق أيضاً أسرار يطول الخوض فيها”.

وهو لعمري من أدق وأرق وأبلغ ما قيل في هذه المسألة، وما أعمق قوله: ” وتسمى هذه الحالة بالإضافة إلى المستغرق به بلسان المجاز اتحاداً أو بلسان الحقيقة توحيداً”. فهي أحوال تعتلي الهائمين الفانين في الله، ويجب النظر إليها من هذه الزاوية الذوقية، أو على الأقل ببعض الفهم لمجاز اللفظ والعذر للواعج العشاق الفانين، أما التفسير الحرفي فخلفه ما خلفه من تكفير وقتل وهو الشائع للأسف، وإن كنت أرى البعد عن هذه العبارات أولى وأفضل، والاتزام أكثر بالمنطق والشرع والمتعارف من المعاني والألفاظ، خاصة في وقتنا الحالي، وهو أمر يطول شرحه في شان التصوف وعلاقته بالمجتمع والناس وما يثار حوله من جدل.

# ، ، ،

مقالات ذات صلة

القرآن الكريم معجزة الله الخالدة
الحمد لله الذي نزّل على عبده الكتاب، وسبّب الأسباب، وهدى إلى سبيل الهدى والصواب. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد عدد...
3 دقائق للقراءة
حال ومقال
ربّ ظانٍّ أنّي خير منه، وهو خير مني. يرى انعكاس حسناته علي، فيظنني محسنا. وربّ ظانّ أني شرّ الخلق، وهو مني أشر.يراني بعين السوء...
2 دقائق للقراءة
سُنّة الله وفقْهُ ما تراه
لله جل في علاه سنن، قوانين وضعها ومقادير سطّرها ونظم نظّمها ونظّم بها وأخضع لها ملكوته كله، والبشر ضمن ذلك. وفي القرآن تبيان وقصص...
5 دقائق للقراءة
كلمة وموقف (عن الوحدة والإنسانية)
كلمة وصلتني من النجف الأشرف من آية الله العلامة السيد فاضل الجابري الموسوي:  “احسنت أيها السيد الشريف والعالم الحصيف والباحث المنصف صاحب القلم البديع...
3 دقائق للقراءة
قضية للنقاش
السلام عليكم. اسئلة اود طرحها، ومن حقي كمسلم وكمكلّف عاقل مأمور من خالقي بالتدبّر والتفكّر أن أطرح أي سؤال أشاء، وأن يتم مناقشتي والإجابة...
4 دقائق للقراءة
كلمة وموقف (عن التصوف)
هنالك امور دخيلة على التصوف انا ضدها تماماوقد أساءت للتصوف الحق: مثل الخزعبلات، والشطح الناتج عن اللبس، والدجل والشعوذة، وادعاء الولاية والكرامة، والجهل بالقران...
< 1 دقيقة للقراءة
هل الحسين أمة قد خلت
كلما ذكرنا الإمام الحسين وكربلاء وما كان فيها من محنة وملحمة وقتل يشيب لهوله الولدان، وذبح لابن بنت نبي الإسلام، يخرج عليك بعضهم ممن...
2 دقائق للقراءة
هل نامت كي نوقظها
كل مرة، وكلما ذكرنا كربلاء، او تكلمنا عن الإمام الحسين، وعن قتلته وإجرامهم، وعن ووجوب أن يتخذ المسلم موقفا من ذلك لأن النبي أمره...
4 دقائق للقراءة
مفاهيم يجب أن تصحح
*ان تكون سنيّا، لا يعني أن تكون ناصبيّا. النواصب شراذم قتلت من السنة أكثر من غيرهم. *أن تكون صوفيا فهو يعني أنك تحت لواء...
< 1 دقيقة للقراءة
وصية الهجرة
هاجر من ذنوبك، إلى كنف محبوبك. وفر إليه به، تجده عنده. وادعه إليك، تجده عندك. فإن الهجرة من دنس الذنوب، إلى كنف المحبوب، يحقق...
< 1 دقيقة للقراءة