الإلحاد بين الحقيقة والوهم (7) تشارلز دوكينز والفرسان الأربعة: هيستيريا الإلحاد الجديد المستوى العلمي اللاشيئ وصانع الساعات الأعمى

7 دقائق للقراءة

ضمن سعيه الهيستيري لإثبات أن العالم لا خالق له وأن الوجود بلا موجد، يحاول دونكز أن يبدو بمظهر العالم، والمنظر، وأن يكمل بقية حلقات القضية التي أرادوا إثباتها ضمن مراحل:
1/ الإلحاد له تاريخ فلسفي عميق (وهو كلام أثبتنا بطلانه).
2/ الداروينية التطورية حقيقة بيولوجية تثبت الإلحاد (وهو باطل أيضا بالأدلة العلمية كما سبق).
3/نظريات الفيزياء لهوكينغ براهين على طرد الإله من مسألة خلق الكون بشكل نهائي (يعضد ذلك نيل تايسون كما سيأتي) (وهو أيضا مجرد بناء وهمي لأنه قائم على التوهم كأن يكون كل شيء تكون بقوة الجاذبية التي لم يخبرونا من أين جاءت).
4/الخطوة الرابعة: الإجابة عن أسئلة البدايات التي لا يملك لها هوكينغ ولا داروين إجابة. وهي مسألة الوجود الأولي التي تعتبر مأزقا: “وجود مسبب لكل سبب، ووجود مُبدء لكل بداية، ولزوم وجود أصل لظهور المخلوقات والكون نفسه”.
سؤال البدايات مأزق يخنق نظرية داروين، وكذلك نظرية هوكينغ، وقد حاول بعضهم التملص من ذلك بالقول أن العلم لا يجيب عن أسئلة البدايات لأن ذلك من عمل الفلسفة، ولكن لإصرار معارضيهم على طرح هذا السؤال، كان على منظري الإلحاد إيجاد فكرة والترويج لها حتى تكون بمثابة الحقيقة رغم أنها فكرة قابلة للسخرية: “أن كل شيء جاء من اللاشيء”.
وبالرغم من عبثية هذه الفكرة وسخفها في مواجهة أي منطق، إذ لا يمكن للاشيء أن يتحول ذاتيا إلى شيء، فقد بذل دوكينز مجهودا كبيرا لتقديم تعريفات علمية عميقة لهذا “اللاشيء”، وإعطاء قصة للوجود تنفي وجود موجد له، وتصله باللاشيء وبالصدفة العمياء لا غير، أو ما سماه بصانع الساعات الأعمى.
وخلاصة نظرية دوكينز والملاحدة الجدد في نشوء الكون وفي تطور الكائنات كلها: أن العدم أو اللاشيء، انفجر فجأة وشكّل كونا منتظما معقدا متناسقا في سيرورة منظّمة، ونفس العدم شكّل فجأة كوكبا وبمرور الزمن شكل ماء تشكّلت فيه بداية حياة (خلية أو بكتيريا) ثم بمزيد الزمن وعبر مصادفات عشوائية عمياء تطور كل ذلك إلى مخلوقات منسقة منظمة فيها عائلات ونوعيات يصعب حصر عددها ومقدار جماليتها وتنوعها وفرادتها من بينها الانسان بلغاته الكثيرة وحضاراته العديدة.
وبالرغم من أن المنطق العقلي والغائي والسببي ينفي وفق تجارب الواقع والتجارب العلمية أن يكون الأمر على هذه الشاكلة، إذ أن عملية الوجود عملية معقدة جدا، ومراحلها كثيرة، ونسقها مذهل في دقته ونسقه الزماني وتتابعه، فالمفردة التي كان منها كل شيء وفق أصحاب نظرية الانفجار العظيم، متناهية الصغر جمعت فيها القوى الطبيعية الكبرى الأربعة، ونسق انفجارها زمن تحت ذري ونسق أحجامها أيضا تحت ذرية، ثم بعدذلك تكون المجرات الكبرى والنجوم الأولى التي انفجرت وشكلت مادة الكون والحياة بنسق زمني ممتد جدا وبأحجام لا يمكن تصورها، فكيف تم التنسيق بين أنساق الزمن تلك وأنساق الحجم أيضا، وكيف تم تنظيم ذلك التتابع، وكيف تم التنسيق بين القوى النووية الشديدة والضعيفة والكهرومغناطيسية التي تعمل في مجال الميكرو أو الجزيئات، وقوة الجاذبية التي تعمل في مجال الماكرو أو المكونات الكبرى للوجود كالكواكب والأجرام والمجرات، وفي حين كان تطور المفردة إلى كواركات كان في تسارع انطلق من مليار مليار سرعة الضوء إلى جزيئات من مئات الآلاف من الثانية، ومن أحجام متناهية الضآلة يكون الكواركز فيها كالكواكب بالنسبة إلينا، ثم إلى الهكزونات والكواركز ثم المستوى الذري، ثم ما بعد الذري وتشكلات المادة، وصولا إلى المجرات الكبيرة وإلى المادة السوداء وطاقتها التي تمثل ثمانين بالمائة من الكون ولكنها غير منظورة لأن الضوء لا يصدر منها ولا يرتدّ عنها بل يتلاشى فيها تماما كما يندثر الزمكان، والثقوب السوداء لها نفس القوانين حيث يندثر الزمان والمكان، وحين تدخل مجرة في ثقب أسود أو تصل إلى المادة السوداء فإنها تصبح عدما، ويرى آينشتاين أنها ربما ترجع بالزمن أو تضيع في الزمن.
أما مسألة الحياة، فإن كل نظريات العلم اليوم لا تفسر كيف انتقل الوجود الذري إلى وجود حيوي، وكيف وُجدت الخلية الحية، مطلقا، أما تطور الكائنات فإن الكثير من المعطيات تثبت وجودها فجأة مكتملة، فالانفجار الكامبري الذي يعني ظهورا فجائيا للكائنات متعددة الخلية من نبات وحيوان قبل 542 مليون سنة كما يرى العلماء، حيث تم العثور على مستحاثات أحفورية تثبت ذلك، هو أيضا لغز وشوكة في حلق دوكينز والملاحدة الجدد.
إصرار دوكينز على نفي وجود خالق دفعه إلى قمة العناد والمغالطة، فقد أعلن أن أن المصادفات العشوائية العمياء هي سر التطور وجوهره ومحركه، وأن الوجود نسيج زمني تتابعي لمصادفات أيضا مصدرها اللاشيء، وأن صانع الساعات ليس دقيقا ولا عليما كما بين واضع نظرية صانع الساعات الفيلسوف المسيحي ويليام بيلي (1743/1805) مستخدما العلة الغائية لسقراط وأفلاطون وأرسطو، مشبها الكون في دقته ونظامه بالساعة التي تتوقف إذا توقف جزء منها وتعمل كلها بانتظام مما يعني أن موجدا أو جدها كاملة وليس الأمر تطوريا، وقد استخدم ذلك المؤيدون لنظرية التصميم الذكي ضمن ما أسموه بالتعقيد الغير قابل للاختزال، وتم استخدام سوط البكتيريا (الذي يعمل بدقة متناهية وبتركية مكتملة يتعطل عمله الوظيفي بزوال أي مركب منها مما يعني أن ذلك تم إيجاده مكتملا في كائن بكتيري كان يعتبر بسيطا وبدائيا زمن داروين) من قبل البروفيسور الأمريكي مايكل بيهي في كتابه “صندوق داروين الأسود” لاثبات بطلان نظرية داروين، ولنا عودة إلى ذلك.
زعيم الملاحدة الجدد ريتشارد دوكنز دوكنز يضرب عرض الحائط بكل ذلك، ويؤلف كتابه “صانع الساعات الأعمى” الذي نشره سنة 1986، بعد الردود على كتابه الجين الأناني الصادر قبل عشرة سنوات من كتاب صانع الساعات، ليكمل هيستيريا الإلحاد واللاشيء والمصادفات العمياء، ومن عبقرياته في ذلك الكتاب قوله أن قردا يمكنه كتابة مسرحيات شيكسبير بنظام عشوائي على الحاسوب، ضمن مدة زمنية طويلة، وطبيعي أن هذا يكشف عن جهله بالأدب وبعبقرية الفكر الانساني وروح الابداع البشري، وبحالة مستعصية من العناد والصلف.
وبالعودة إلى النيوكلوتيدات وما كنا بصدده في الرد على نظرية داروين، فإن هذه البذرة النووية الجزيئية الصغرى الموجودة في جميع الكائنات الحية، والتي لا يمكن تصور صغر حجمها بالعقل المجرد، أجرى عليها العلماء بحثا يخص الإنسان: “في مشروع الجينوم البشري استطاع العلماء معرفة ترتيب النوكليوتيدات جميعا للإنسان،وهي موجودة في الحمض النووي، ويبلغ عددها نحو ثلاثة مليارات من النوكليوتيدات ، وهي في الإنسان موزعة على 23 زوج من الكروموسومات. استغرق هذا العمل المهول نحو 20 سنة ، بين الأعوام 1984 إلى 2003 . اشترك في هذا المشروع نحو 2000 من الباحثين المرموقين من 24 معهد متخصص في الولايات المتحدة بالإشتراك مع بعض الدول الآخرى” .
هذه الأعداد نتجت عن مصادفات عشوائية مرّ عليها زمن طويل ثم أصبحت بذلك الفعل الزمني على ذلك الترتيب الدقيق، ومن النكليوتيد نمضي تصاعدا إلى الحمض النووي والكروموزم والخلايا وبليارات الأجسام والأنظمة الحية والمتعضيّات منذ أول كائن إلى نهاية الزمن الأرضي وكل ذلك مصادفات وعشوائيات واصطفاء طبيعي يشبهه دوكينز بصانع الساعات الأعمى ردا على أصحاب نظرية التصميم الدقيق ولي عودة إليه. فهل يمكن لأي عقل سليم (دون أن تؤثر عليه عصبية الفكرة والتطرف النظري أو العناد) أن يتصور هذا التنظيم الذي لا ينطلق من ذلك فقط (مستوى النيوكلوتيد وما فوقه) بل من التراص الذري والتناسق التركيبي وطبيعة جوهر الذرة وما فيها من جزيئات وطاقة مهولة بعض أوجهها الانفجارات الناتجة عن الانشطار أو الانصهار الذري (قنبلة هيروشيما وما تم تصنيعه من قنابل كالهيدروجينية وهي أقوى منها ألفي مرة) وما تصوره العلماء عن استخدام طاقة الكواركز داخل الذرة أو الهكزون داخل الكواركز وما دونه، ومن ذلك التنسيق الدقيق المذهل في عوالم النانو والميكرو نمضي إلى ما هو فوق حتى نصل إلى الكون بأحجام كواكبه ونجومه المهولة والثقوب السوداء الغامضة المرعبة والمادة السوداء التي قدّر بعض المنظرين في العلوم الكونية أن يصل وزن السنتمتر مكعب منها إلى 35 ألف طن بفعل الضغط الكمي الرهيب، كل ذلك مع تصور عوالم وأكوان موازية يكون منبعه حسب داروين وهوكينغ ودوكينز (لا شيء + وقت + انفجار + قوة جاذبية + فيما يخص الكون، أو مصادفات وعشوائيات واصطفاء طبيعي فيما يخص الكائنات) ينبع منها نظام مستمر وحياة نابضة وحفاظة تحفظ كل ذلك في نسيج دقيق مترابط من أدنى الأدنى إلى أكبر الأكبر. أليس هذا علما لا شيئيا مذهلا؟
نظرية اللاشيء الذي أصبح شيئا، على الرغم من هزلها وسخفها، يقول بها هوكينغ فيما أوردناه سابقا: “فبسبب قانون الجاذبية فالكون يستطيع ويمكنه أن يُنشيء نفسه من اللاشيء، فالخلق الذاتي هو سبب أن هناك شيئ بدلا من لاشيء، ويفسر لنا لماذا الكون موجود، وكذلك نحن ”.
أما دوكينز فيقول: “ثم فجأة كانت المعجزة”، يعني بذلك ظهور الوجود ثم ظهور الحياة، هكذا فجأة وبلا أسباب أو مسببات، من عدم ومن لاشيء وبمصادفات عمياء لا غير.
وحين يتأمل العاقل بأي منهج علمي أو فن من فنون العلم أراد هذا العالم أو الكائنات الحية، وينظر في الذرة وما دونها، وفي الكواكب والمجرات وتركيبة الوجود وتوازناتها، أو في أي مخلوق حي، أو خلية حية، أو في الحمض النووي، وغير ذلك، يرى دقة الحسابات الرياضية، وقوة الهندسة الحركية، وعظمة الكيمياء والفيزياء، وكثافة الأسرار وكثرتها حتى أن العلم يكتشف كل مرة حقيقة جديدة في نسق لا نهائي من الأسرار والغوامض في كل شيء، وكل جزيء يحتوي جزيئا أدنى، وكلما ظن العلم أنه كشف كل التعقيدات تصدمه تعقيدات جديدة، وهكذا.
وكل هذا ضمن ضوابط فيزيائية ورياضية دقيقة جدا ومتينة للغاية وقابلة للفهم أيضا، وهو ما أذهل آينشتاين حين قال: “إن من أشد المسائل استعصاء على الفهم في الكون، أنه قابل للفهم”.
أما بول ديراك عالم الفيزياء النظرية البريطاني الكبير الحاصل على جائزة نوبل فيقول: “إن الإله خالق حسيب، استخدم أرقى مستويات الرياضيات في بناء الكون”.
وهو ليس كلاما إنشائيا، ولا صادرا عن جهلة لا علم لهم، إذ أن دوكينز وزمرة الملاحدة الجدد ينسبون إلى الجهل كل من يقول بوجود خالق، وينسبون إلى المرض والوهم كل من يؤمن ويعتقد في الموجد وفي الدين.
وتبقى كلمة الفيلسوف الكبير والباحث الطبيعي الانجليزي روجر بيكون Roger Bacon (1214–1294) والملقب بالمدرس العجيب من أشد الصفعات إيلاما للملاحدة حيث يقول : “لا يوجد عالم من علماء الطبيعة يستطيع أن يعرف كل شيء عن حقيقة ذبابة واحدة وخواصها، فضلا عن أن يعرف كنه ذات الله”.
إن هذا العالم لا يمكن أن يأتي من لا شيء، دون أن يكون له موجدا قادرا أوجده من ذلك اللاشيء، ولا يمكن لكل ذلك التنسيق أن يكون وأن يتطور ويتعدد دون قوة تخترقه وتتجاوزه وتشرف عليه، ول تلك القوانين في الوجود والطبيعة تعكس دقة واضعها، وتثبت أنها لها مصمما وموجدا على علم وحكمة، وفي هذا الصدد يقول أما آينشتاين فيقول: “ان كل انسان يهتم بالعلم بصورة جادة يدرك ان قوانين الطبيعة تعكس وجود روح كلي أسمى كثيرا من روح الانسان”.

مقالات ذات صلة

ليبياوتونس تاريخ ومآلات
بقلم الدكتور مازن الشريف، المفكر الاستراتيجي.رئيس المنظمة الدولية للأمن الشامل، والمركز العالمي للاستشراف والمستقبليات.نائب الامين العام للاتحاد الدولي للمؤرخين بدأ اهتمامي العلمي بملف التكفير...
6 دقائق للقراءة
دعاء الكلمة
اللهم يا من إذا قضى أمرا قال له كن فيكون.يا صاحب الكلمة وسرها.يا من خلقه كلمة، وعطاؤه كلمة.ونعيمه كلمة، وعذابه كلمة.ورضوانه كلمة، وغضبه كلمة،...
< 1 دقيقة للقراءة
الشيخ بوعمامة وأبطال الطريقة الشيخية (1845-1908)
(من أطروحة الدكتوراة في التصوف) من أرض الجزائر أيضا، قائد كبير لقب بعبد القادر الجزائري الثاني، إنه المجاهد البطل الشيخ محمد بن العربي بن...
4 دقائق للقراءة
فهرس أطروحة الدكتوراه في التصوف
الحمد لله والصلاة والسلام على حبيب الله. وبعد فهذا فهرس عناوين أطروحة الدكتوراه في أصول الدين: (التصوف الإستراتيجي بنية الأصل وهيكلية الفروع). والتي ناقشتها...
3 دقائق للقراءة
معضلة التاريخ
هنالك فرق كبير وبون شاسع بين معرفة الحقائق التاريخية وكشف غوامضها وملابساتها، وبين توظيف ذلك لإرباك الراهن واشعال الواقع وشغل العامة بأمور لا تؤدي...
< 1 دقيقة للقراءة
المصادفة : بين عين الخضر وعين دوكنز
“كنت اليوم في المدينة والتقيت صدفة بأحد أصدقائي في الجامعة الذي لم ألتقيه منذ عشر سنين، وكنت بالمصادفة يومها فكرت فيه، أو رأيته مصادفة...
7 دقائق للقراءة
صفحة من كتاب الجفر
حين كتبت عن “نيبيرو”، لعل الكثيرين تهكموا مما ذكرته.ولعل كثيرا منهم الان يشاركون نشر خبر الكويكب القادم الذي اعلنت عنه وكالة الفضاء الامريكية ناسا.وحين...
4 دقائق للقراءة
الحرب الثالثة – Third War
كنت تكلمت منذ سنوات في بعض وسائل الاعلام ودونت في بعض المقالات عن “الحرب العالمية الثالثة” ضمن نمطية إخراج جديدة.ويبدو أني كنت مخطئا: فالمؤشرات...
3 دقائق للقراءة
المكرّم من كرّموه، والمقدّم من قدّموه.
نفعنا الله وإياكم بأسرار الصالحين وأنوار الأولياء الأكرمين. وأدخلنا تحت لواء أهل الحضرة اصحاب النظرة.لي عشق خاص لارض الهند وباكستان وبنغلاديش. ففيها الآلاف من...
2 دقائق للقراءة
قصة الخلق الجزء الرابع: في معاني “الأرض”
إن لغز الحياة خارج كوكب الأرض يستمر في إثارة خيال الكتاب وصنّاع الأفلام، وفي تحفيز وكالات الفضاء على البحث ومحاولة التواصل مع الحضارات الأخرى...
7 دقائق للقراءة