أندونيسيا…بلاد الجزر الخضراء. وأرض البسط والأولياء التسعة (2) استطلاع تم نشره بمجلة المصير العدد 05 ربيع 2018. جزيل الشكر للمدير المسؤول الدكتور خالد شوكات

9 دقائق للقراءة

مؤتمر باغار نوسا: تعني كلمة باغار نوسا (درع الدولة والشعب ونهضة العلماء)، وهي تابعة لجمعية نهضة العلماء، وتتمثل في الهيئة العليا لفنون الدفاع، وتحديدا فن “البنشاك سيلات”، وهو فن شعب الملايو، وقد ظهر وأبهر بقدرات قتالية عالية، وفي صلبه مدارس فرعية مختلفة، وكان هنالك الكثير من الصالحون والعلماء مختصون فيه وزرت ضريح أحدهم في مدينة كلنتان بماليزيا على حدود تايلاندا، ولكن العجيب أن قصة السيلات بقيت منقوصة من سند مهم: من أين جاءت تسمية السيلات، ومن أين جاء هذا الفن، فكلمة بنشاك تعني اليد، يد سيلات، وكثيرا ما تسمى مدارس فنون الدفاع باليد، فالكاراتي تعني اليد الفارغة، والتشي كونغ تعني يد الطاقة، فما هي يد سيلات؟؟
خلال زيارتي إلى بنغلاديش شدني اسم المطار: مطار شاه جلال الدولي، وحين سألت عن شاه جلال كانت الإجابة تنتظرني في مدينة سيلات شمال شرقي البلاد، ، مدينة الشاي والصالحين، وقد زرتها وزرت مقام الشاه جلال، وهو في الحقيقة السيد جلال الدين اليمني الصوفي الشهير والولي الكبير الذي كان والده صديقا لمولانا جلال الدين الرومي فسمى ابنه باسمه،وأقتبس من المقال الذي كتبته عنه: ” مدينة سيلات مدينة جميلة، والتي كانت تسمى أيضا جلال آباد، يختال فيها نهر يأتي من الهند وينقسم في بنغلاديش إلى فرعين، ومن حولها جمال تشمج بعزة، وهي مدينة الشاي بلا منازع، ترى حدائقه في كل مكان من حولك، لكن للمدينة قصة عجيبة، يتصل فيها اليمن بالهند وبغداد، وطنجة بمكة والمدينة، ولعلي جعلت لها صلة بتونس بزيارتي التي أردت أن أصل بها حبلا مقطوعا منذ سنين أو ربما منذ قرون.
كانت سيلات في القرن الثالث عشر محكومة بأسرة هندوسية هي سلالة ديفا، بعد ممالك سابقة أولها حكم الملك الملك شاشانكا King Shashanka مؤسس دولة الغور Gaur Kingdom، وسنة 1287 للميلاد حكم الملك راجا غور غوفندا ديفا Raja Gaur Govinda Diva.
كان أول المسلمين في سيلات اسمه برهان الدين، وحين ولِد ابنه البكر غولجار عالم، ذبح بقرة في عقيقته، ولكن الملك الهندوسي غور الذي يرى قداسة البقرة عاقبه بقسوة، قتل الرضيع وأمه، وقطع يد برهان، الذي استنجد بسلطان غوا في الهند شمس الدين فيروز شاه، الذي أرسل ابن أخيه ثم قائد جنده ناصر الدين، ولكن الماء والنهر منع عنهم المدينة، وحينها يصل الشاه جلال مع جيش مختلف، ابن أخيه فرحان وثلاثمئة وستون من الصالحين، بعد أن أرسله السلطان فيروز شاه.
الحقيقة أن معرفة ما حصل فيما بعد يتطلب معرفة ما كان قبل ذلك، وتحديد هوية شاه جلال.
في قرية كَنينة، التابعة لوادي حجر الزراعي، الواقع غرب مدينة حضرموت، وُلِد للسيد محمد بن محمود بن إبراهيم من زوجته السيدة فاطمة الحسينية ابن سنة 1271 للميلاد سماه جلال الدين، وكان السيد محمد عالما وفقيها وصديقا لمولانا جلال الدين الرومي ولازمه فترة في قونية، لذلك اشتبه المؤرخون أن يكون ميلاد السيد جلال الدين في مدينة قونية لا في حضرموت، وقد نهل جلال الدين من علم أبيه، ثم أرسله أبوه إلى خاله الشيخ الصوفي والعارف الشهير السيد أحمد كبير في مكة المكرمة، حيث صار حافظا وفقيها، وأخذ عنه الطريقة السهروردية، وصار من كبار العارفين فيها بعد ثلاثين عاما من العبادة والتريّض الروحي في تلك البقاع الطاهرة، وذات يوم أعطاه خاله تربة وقال له: امض إلى الهند فإن وجدت أرضا لها لون ورائحة هذه التربة فامكث فيها وانشر الإسلام.
سنة 1300 للميلاد يصل السيد جلال الدين المجرد رفقة ابن أخته السيد فرحان إلى الهند، حيث مضى إلى أجمير والتقى العارف الكبير السيد معين الدين الجشتي مؤسس الطريقة الجشتية وناشر الإسلام في تلك البقاع (والذي أمضي لزيارته قريبا)، وفي دلهي التقى بالولي الكبير السيد نظام الدين أولياء، وعدد آخر من العارفين والصالحين، وبلغ خبر قدومه سلطان غوا الشاه فيروز، فاستعان به في نصرة برهان المسلم المظلوم، وهنا يدعو السيد جلال 360 من الصالحين من مريديه ومريدي معين الدين ونظام الدين أولياء وسواهما ليكونوا تحت إمرته، ويصل إلى سيلات سنة 1303، وهنالك يجد الجيش محتجزا بالنهر، فيجري الله على يديه كرامة عبوره بالجيش فوق الماء كما اتفقت جميع المصادر، وعندنا في العقيدة (وأثبتن للأولياء الكرامة) وما ذلك على الله بعزيز، ثم يؤذّن الشاه جلال، فيسقط قصر الملك الهندوسي الظالم غور غوفندا ديفا، وينهار جيشه، ويُقتل، ويسيطر القائد عبد الرحمان على المدينة.
هنا يرحل من يرحل ويبقى من يبقى، القصة منذ تلك النقطة تتمحور حول السيد جلال، إذ يَجد التربة التي حدثه خاله الولي الصالح السيد أحمد كبير وهو بمكة، وهنالك تكون له زاويته ويبني مسجدا توضع فيه نقوش قرآنية قيل أنه جلبها معه من مكة أو اليمن، وهي باقية لليوم”.
حين زار ابن بطوطة الشاه جلال سنة 1303، تحدث عن الذين وجدهم معهم من تلامذة ومريدين، وعن قوتهم وبسالتهم، وحين تمضي من تلك النقظة إلى مدينة كوكسبازار، ثم إلى أقليم أراكان المسلم في بورما، وبعدها بورما والبحر، وفي الجهة المقابلة ماليزيا وبلاد الملايو، فإن أسطورة وقصة الشاه جلال وبطولة من كانوا معه، ومعظمهم من الهند وطبيعي أنهم يعرفون الفن القتالي الأول (كالاري بايات Kalarippayatt، والذي أخذه بودي دارما المعلم الكبير معه عبر جبال الهملايا إلى الصين وإلى معبد شاولين في أواخر القرن الخامس للميلاد، لينتشر الفن القتالي لاحقا إلى كامل الصين واليابان وكوريا تحت أسماء مختلفة انطلاقا من كونغ فو شاولين. وحين زرت مقر باغار نوسا الذي يوجد في نفس المقر مع جمعية نهضة العلماء، والتقيت رئيسها السيد نبيل هارون، سألتهم عن خبر البنشاك سيلات، وأخبروني أن معرفتهم تقف عند أن التسمية قد تعني القدم واليد (نفس معنى كلمة تايكواندو أو طريق القدم واليد)، ولكني أخبرتهم أن للأمر في اعتقادي قصة أخرى ترجع إلى مدينة سيلات وإلى مولانا جلال اليمني، وكم كانت سعادتهم كبيرة حين عرفوا جانبا من سند فنهم الدفاعي العظيم، في ارتباط بالتصوف والصالحين وتاريخ المسلمين، وفي مسيرة نحو بنغلاديش وأرض الهند ثم نحو اليمن السعيد وحضرموت والسادة الأشراف، إذ أن انتشار الاسلام في اندونيسيا وكل بلاد نوسنتارا (التي تضم أيضا ماليزيا والفلبين وجنوب تايلاندا وبروناي) يرجع أساسا إلى السادة آل بعلوي وأسر أخرى من أشراف اليمن ومن حضرموت تحديدا.
وأعتقد إن إلمامي الدقيق بتاريخ فنون الدفاع وتطور مدارسها وانحدارها من بعضها وتوزعها الجغرافي ساعدني في ذلك، وصولا إلى تأسيس لفن خاص سميته فن السلم Taiping Shu.
وكل هذه المعطيات وسواها كانت سببا مباشرا في دعوتي لحضور مؤتمر الاجازة الكبرى لباغار نوسا الذي انعقد في مدينة شيربون، والذي كان مهيبا عجيبا في كل تفاصيله.
حين وصلت هالني عدد الحاضرين، أكثر من عشرين ألف من أبطال السيلات من كامل أندونيسيا، وفرق من الجيش والأمن، وجميع معلمي السيلات، وكان صديقي أحمد سودرجات يخبرهم مرارا عن ضيف الشرف “المعلم التونسي في فنون الدفاع”، وقد اخترت الحضور بالجبة والشاشية التونسية، في تمثيل لوطني أتشرف به.
على المنصة جلست مع الدكتور سعيد عقيل سراج نتجاذب اطراف الحديث، بعد جولة قصيرة بين أبطال السيلات الذين أغدقوا علي بكرم محبتهم واحترامهم، والدكتور سعيد سراج الرجل المتواضع الهادئ، عالم كبير في التاريخ والتصوف، خلفه أكثر من مائة وأربعين عضوا لنهضة العلماء، منهم واحد وتسعون مليون عضو فاعل، وله في الحكومة أربعة وزراء حضر أحدهم وهو وزير الشباب والرياضة، ويشرف على ثمانمائة ألف مسجد، وثلاث وعشرون ألف معهد، وثلاثة عشر ألف جامعة، ولكنه يجلس على الأرض مبتسما متواضعا.
الشيخ معروف أمين يتكلم العربية بطلاقة، وكذلك الدكتور سعيد، وكلاهما رئيسان لنهضة العلماء، الأول الرئيس العام والثاني الرئيس التنفيذي.
التفت خلفي إلى ما ينظر إليه الجميع أمامي، فإذا برجل ينزع حذاءه العسكري ومن خلفه ضباط وجنود، إنه القائد الأعلى للجيش الاندونيسي، ومعه قادة الجيش ونخبة من القوات الخاصة، وبجانبه القائد الأعلى للأمن.
وقد كتبت بعد المؤتمر: ” عندما تجلس بين القائد الأعلى للجيش، والقائد العام للأمن، ومن خلفك الجنرالات والقوات الخاصة، ومع وزير من وزراء الحكومة، ومع صفوة من قادة البلاد الروحيين والعلميين على رأسهم السيدين والعالمين الجليلين معروف أمين وسعيد عقيل سراج رئيسي أكبر جمعية في اندنوسيا وفي العالم (نهضة العلماء) ، وأمامك أكثر من خمسة عشر ألف من أبطال الفن الدفاعي الرسمي للبلاد (بنشاك سيلات) والمشرفون على باغارنوسا يترأسهم السيد نبيل هارون، وحين يجلس هؤلاء السادة الكبار في بلادهم على الأرض دون كراس فاخرة، وحين تسمع وترى وتشهد ذكر الصالحين والافتخار بالتصوف كطريقة وبالإسلام دينا، فاعلم أنك في بلاد فيها بركة كبرى وخير كبير.
وليس هذا المظهر العجيب إلا برهانا على روعة وعظمة الإسلام في تربيته وحضارته، وحجة على مقام التربية الصوفية الصافية والأخلاق النقية العالية، التي لا مجال فيها لغرور وتنطّع وصلف، كما نرى عند الكثير من العرب للأسف.
إن هؤلاء القوم تلقوا التربية على يد رجال الله حقا، وتوارث السند والسر فيهم رجال إلى اليوم، وفيهم طيبة ما رأيت مثلها، ومحبة ما شهدت لها نظيرا.
وإن الأمر كله يمضي إلى الكشف عن حقيقة أخرى مهمة: أن شعب أندونيسيا شعب عظيم حقا، فإن شعبا ينجب قادة جيش وأمن بهذه الروحانية العالية والابتسامة والمحبة والتواضع والانضباط، وعلماء وأهل تصوف بذلك العمق والفصاحة في لغتهم واللغة العربية أيضا، وشباب وشابات بتلك المعنوية والأخلاقية والمحبة الجارفة، مع ما حباهم الله به من بصيرة تستجلي بسرعة الضوء معادن الرجال، وتعطي لكل ذي مقام مقامه، إن شعبا مثل هذا، وقيادة روحية ودينية وعلمية وحكومية وعسكرية وأمنية وشبابية مثل هذه، لا يمكن إلا ان تبني حضارة عظيمة، ولا يمكن إلا أن ترسم وجها مشرقا لأوطانها، بل من المحال أن لا ترى بعد كل هذا بلدا آمنا قويا منيعا جامعا بكل اعتزار بين التطور العلمي وبين الأصالة الدينية، بين أخلاق الإسلام الحق والتصوف النقي، وبين المدنية في رقيها والحضارة في عزّها والتطور في اوجه.
حفظ الله أندنيسيا وقياداتها وشعبها، ووقاها ووقاهم كل شر، خاصة شر التكفيريين الحاقدين، ومن حالفهم ومن حالفوه، فمازلت أتقلب منذ زرتها بين عجيبة وأخرى، وأرى الكرامة تلو الكرامة، وخبري فيها طويل رغم قصر المدة، والحكايات كثيرة أقصها عليكم تباعا”.
فعلا، لقد أبهرتني اندونيسيا بكل تفاصيل ما رأيته فيها.
في مؤتمر الإجازة الكبرى كانت كلمات مهمة معبرة، للدكتور سعيد عقيل والشيخ معروف أمين، وللدكتور إمام نهراوي وزير الشباب والرياضة، والجنرال لطفي القائد الأعلى للجيش الذي خصني بالترحيب أثناء كلمته، ثم كان لي شرف الكلمة الختامية والدعاء، فمؤتمر الاجازة الكبرى لم يكن فقط لفنون الدفاع رغم العروض القتالية الرائعة التي شهدها، بل أيضا للسند الصوفي ولقراءة الصلاة النارية وللكلام عن الامام الغزالي وعن الاسلام والأمة الاسلامية، إنهم قوم يعتزون حقا بالاسلام ويعتزون باللغة العربية ولا يستهلون خطابا إلا بها ولا يختمون بالدعاء إلا بها.
أما الاتفاقية التي أمضيت عليها مع باغار نوسا وشهد عليها القادة الذين ذكرتهم، فهي تعاون رفيع المستوى في فنون الدفاع وفي مجال ثقافية أخرى، وللعلم ففن السيلات يدرب للجيش والأمن أيضا.
ليلا كان لقاء آخر في مدرسة الشيخ عقيل، حيث انعقد مؤتمر خاص لهيئة التدريب في باغارنوسا وهيئة الادارة، وألقى الشيخ مصطفى عقيل كلمة جميلة، ولكن اللافت للانتباه أن خطب العلماء والمشايخ تمتاز بحضور كبير للصور التي لا يستطيع السامعون لها منع أنفسهم من الضحك، فالبسط والانبساط سمة في كل شيء حتى في الخطب الدينية والوعظية، فترى ضحك الحاضرين كأنهم في مسرحية كوميدية، وذلك من سعة البسط في قلوبهم.
في ذلك المؤتمر قدمت عرضا فيه الكثير من الكوميديا لفنون الدفاع مع معلم كبير للسيلات، وكان التلاميذ يشاهدون بشغف ويضحكون بسعادة، كان ذلك من أجمل وألطف ما شهدت.
فجرا انطلقنا بالقطار إلى جاكرتا، وقال صديقي: هذا يعتبر قطارا عاديا، والحقيقة كان القطار شبيها في تصميمه الداخلي بالطائرة، قمة الفخامة والروعة، فقلت له: كيف عادي يا صاحبي…ماذا سيكون القطار الممتاز عندكم إذا؟
انه رفاه وحضارة هم أهل لها عن جدارة، ورحم الله الزعيم الاندونيسي الكبير سوكارنو، والذي كان أيضا محبا لمؤسس نهضة العلماء السيد هاشم الأشعري الذي اسسها سنة 1926، وأصبح حفيد السيد هاشم “عبد الرحمان واحد” رئيسا للبلاد.
بالرغم من أن الاستعمار الهولندي استحوذ على اندونيسيا ثلاثمائة سنة، فإنه لم ينزع عن البلاد دينها وأخلاقها، وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت.
من جاكرتا إلى آتشي: جزيرة سومطرة الجميلة، والتي ابتليت بطوفان تسونامي، وتحديدا عاصمتها “آتشي”، كانت لي معها قصة أخرى: زيارة إلى أماكن غمرها الطوفان وقصص عن الألم كأنه خبر النبي نوح، ولكن أيضا عن كرامات الله الكثيرة للمساجد ومقامات الصالحين وبعض الناس.
وفي تلك المدينة زرت مقام أحد أكابر الصالحين من اليمن (الحبيب أبو بكر بن فقيه)، وكذلك ألقيت درسا في مسجد من مساجدها العامرة بعنوان “التصوف جوهر التوحيد”، وكان لي لقاء مع آلاف المريدين في ضيافة الشيخ عمران ولي الخالدي شيخ الطريقة النقشبندية الخالدية.
حيث ألقيت محاضرة بعنوان “منازل الأولياء ومساكن الأصفياء”،ومن منازل الأولياء خلفاء الأنبياء ومنزلتهم عند الله، طرنا إلى أعلى حيث الحضرة القدسية والحضرة المحمدية، ونظرنا كيف تكون مجالي الحضرتين في أهل الله الصالحين، ومن هنالك نزلنا نقصد مساكن الأصفياء الذين يحبون الأولياء فصفت قلوبهم بالمحبة الربانية وسقاهم ساقي القوم ما أذهب عنهم ظمأ القلب والروح.
محاضرة بكت لها العيون وأينعت بها القلوب، وكانت ليلة مشهودة.
في مدينة آتشي جمال أخاذ، وجبال ساحرة، وبحر خلاب لكنه قاتل أيضا، ولعله مظلوم مما يفعل أبالسة البشر من تجارب في عمقه سببت ما سببت، وفيها حقول ترتدي خضرة نضرة وتنسكب فيها الأنهار، لكأن للماء هنا قيمة اخرى وجمال آخر، لأنه ينهمر أمام أعين تعشق الحياة، وفي قلوب ملؤها الود والاحترام.
عندما غادرت من آتشي إلى ماليزيا، حيث كانت لي جولة بين كوالا لامبور، وجوهو بهرو في الحدود مع سنغفورة، وكلنتان في الحدود مع تايلاندا، وفي كل زيارة قصص ولقاءات مهمة، ثم رجعت إلى جاكرتا ليومين، لم يكن لي مجال للراحة رغم قلة النوم وكثرة السفر، فبمجرد وصولي إلى مقر أمانة كيتا ولقائي بصديقي هرتونو ليمين والدكتور علي عبد الله والدكتور حسب الله وأخي الشريف بلهوي، وجدت القوم عازمون على السفر لساعات طويلة إلى مدينة بيكالونغان، فعزمت معهم، لأن اللقاء سيكون في منزل الحبيب لطفي بن يحيى القائد الروحي والصوفي، وفي مجلسه فجرا جلس أكثر من عشرين ألف رجل وامرأة وطفل، إلى الساعة الثانية بعد الظهر، في ذكر وتسبيح وتهليل وتكبير، وقد أجلسني الحبيب لطفي مكانه، ومعي أخي وصديقي الشيخ الداعية عون القدومي من الأردن الذي سررت كثيرا بلقائه، والحبيب هاشم بن يحيى اليمني، وهو من أقارب الحبيب لطفي.
كان ذلك ختام رحلتي، وبعدها مطعم رائع على شاطئ البحر، ورحلة لساعات إلى جاكرتا، ثم طائرة تطير بك نصف يوم حتى تحط في اسطنبول، وبعدها إلى تونس الحبيبة.
إن رحلتي إلى أندونيسيا باب لعالم آخر، لقوم ترى فيهم جمال الاسلام وروعة التواضع وعظمة المحبة، وترى لذاتك انعكاسا جديدا مختلفا، سوف يسمو بك أكثر، إن كنت ذا بصيرة.

سوسة 27/02/2018

مقالات ذات صلة

فصل المقال في الرد على كل دعيٍّ دجّال
لسنوات طويلة سعينا لنشر الوعي والثقافة والفكر، محليا ودوليا، وضمن أعلى المستويات وعلى أكبر المنابر، وفي الندوات والمؤتمرات والإعلام، مخلصين فيما نقدمه، مع إعداد...
2 دقائق للقراءة
مع التطبيع
أنا مع التطبيع. لأن الحرب لن تجلب لنا شيئا. حاربنا سنة 48 و67 وخسرنا المزيد من الأرض والقتلى والمشردين. وحتى نشوتنا بانتصارنا في حرب...
3 دقائق للقراءة
تأملات
تعلم من أسوأ ممن يستبعد الناس!من يحب أن يُستعبدْ.ومن أسوأ من المُستعمر.من يحب أن يُستعمر.إنه ديوث وطن.لا يقبل أن يتحرر، لا يريد أن يرى...
< 1 دقيقة للقراءة
هل فقدت الذاكرة؟
هل فقدت الذاكرة؟ لماذا لم تعد تكتب، وتحلل، وتهتف في وجوه المنافقين والظالمين والخونة، وتستصرخ الضمائر الحية، وتكوي الضمائر النائمة لعلها تستفيق؟؟ أم تراك...
2 دقائق للقراءة
المولد النبوي الشريف
“بدعة اللا-مولد”
قال لي غاضبا وشرر عينيه يسعى لحرقي لو قدر: هل تحبون النبي اكثر من الصحابة؟ ما هذه البدعة التي خرجتهم بها عن السلف الصالح....
< 1 دقيقة للقراءة
كنتُ مسلما…..
كنت مسلما…. ليس لشيء إلا لأن ابي مسلم…وولدت في مجتمع مسلم… كنت مسلما…. لم افكر كثيرا…بل مشيت حيث القوم مشوا…ووقفت حيث وقفوا..صلوا فصليت…وصاموا فَصُمت…...
2 دقائق للقراءة
تعِس المسعى وخاب الساعي
الذين يسعون لطمس معالم الاسلام كليا من تونس (والعالم العربي والإسلامي ثم الكوكب كله من وراء ذلك) هم قوم على منهجين: *منهج يعتمد التشويه...
2 دقائق للقراءة
أزمة العقل العربي (3) الوهم…والوهم أولا…
“كدوامة في البحر، يقبع الوهم في كل شيء، وفي كل فكرة، يتصيد بمكر ويتسرب بدهاء، ومن سقط فيه سيلف داخله ولكن سيشعر بلذة غامرة...
6 دقائق للقراءة
أزمة العقل العربي (2) أزمة الحوار، معضلة النقد، وإشكالية “الجماعة”…
الحوار مشكِّل أساسي للفكر، والحوار في القرآن كان حتى بين ملائكة النار والمخلدين فيها، وبين أهل النار وأهل الجنة، فكيف لا نقيمه بيننا ونحن...
9 دقائق للقراءة
أزمة العقل العربي (1) بين الموروث والقداسة والدنس (الصورة: صورة متخيلة لابن سينا)
من بين أمم العالم، فإن العقل العربي يمتاز بهشاشة لا تضاهى، وبنية أحفورية معقدة يصعب حلها. وهذا ليس هضما لحقوق المفكرين والمبدعين الحقيقيين في...
6 دقائق للقراءة