أزمة العقل العربي (3) الوهم…والوهم أولا…

6 دقائق للقراءة

“كدوامة في البحر، يقبع الوهم في كل شيء، وفي كل فكرة، يتصيد بمكر ويتسرب بدهاء، ومن سقط فيه سيلف داخله ولكن سيشعر بلذة غامرة هي قمة الألم، لكن الوهم لا يسمح لك بأن تتألم، على عكس الحقيقة التي تؤلم دائما”.
في بنية العقل العربي أماكن شاسعة للوهم، لاعتناق الوهم، لبناء الوهم، وللدفاع عن الوهم، والقتل من أجله، ان كان وهما “مقدسا”.
وليس الوهم والتوهم حكرا على العقل العربي، فله نفاذ في البشرية وله خصائص تجعله ألذ وأكثر متعة، وللأنفس ما لها من ميل إلى طاقته ونزع إلى عذوبته التي تتشربها الأنفس الأمارة في نأيها عن الحق المر والحقيقة الثقيلة.
ولعل العقول العربية الكبيرة المبدعة خاضت أكبر معاركها الاصلاحية ضد الوهم، لكن العقل العربي الجمعي عقل ميال للأوهام.
ولكي نحاجج فيما نبيّنه سنعطي نماذج لهذا الوهم، الذي يختلف في صوره ويشترك في جوهره.
ففي مجال العقيدة والديانة يميل عامة شعوبنا إلى الأسطوري والقصص التي تبهر وإن كان جليا أنها روايات باطلة لا أساس لها من الصحة، ومجال الاستدلال عن هذا طويل، وهنالك في كتب الحديث روايات، وفي كتب التاريخ حكايات، جلي أنها خزعبلات، لكنها أوهام لذيذة يحب المعتقدون فيها ترديدها.
خذ مثلا خبر الجساسة التي وجهها كدبرها يكسوها الشعر وتتكلم مع الصحابة في جزيرة نائية ألقت بهم إليها الامواج العاتية، وكيف كلمتهم وأخذتهم إلى شيخ مقيد هو الدجال الأعور. وسواها كثير.

صحيح أن هنالك أمورا تحتاج نظرا قلبيا وإيمانا غيبيا، فلست ممن ينكر المعجزات وأن للكائنات آليات تواصل ومنطق كمنطق الطير الذي تعلمه نبي الله سليمان وكلام النملة والهدهد، فذلك أؤمن به إيمانا راسخا لأنه في كتاب الله، وليس كل شيء يمكن إخضاعه للعقل بصبغته المادية الصلبة، ولكن هذا غير الأوهام والأساطير.
وما تراه في أخبار الملاحم، وفي أخبار يوم القيامة وما يجري في الحشر، يحتاج دراسة دقيقة ليتبين ذو اللب أيها يوافق القرآن والمنطق السليم، وأيها اوهام وترهات لا تصمد أمام ذرة منطق أو آية قرآن أو حديث حقيقي للنبي.
فمن الاشكاليات مثلا وضع الله “قدمه” في النار، وهي حجة يعتمدها المجسمة، أو أن الله يأتي للناس على غير “صورته” التي يعرفونه بها، وسوى هذا كثير فيه تجسيم وفيه ما فيه من أمور سمعت الكثير من علماء الازهر يدعون لمراجعته.
وإن كنت أيضا لا أقر بأن كل ما في كتب السنة محرف موضوع لا يعتد به كما يقول القرآنيون، لكني أيضا لا أقول أن كل ما فيها صحيح كما يقول الأثريون، بل بين ذلك وذلك ميزان تبينّاه عن علم ودراسة وتحقيق، وهي أمور لا تعني الكمال ولكنها بذرة لها ما لها وعليها ما عليها يصح ما يصح منها فنثبته، ويثبت خطأ ما يثبت خطؤه منها فنعدل عنه.
وكذلك أخبار الملاحم قبل يوم القيامة،فقد كانت منبعا للدعوشة سعيا لتحقيق الملاحم، وترى نظرية “ملاحم بلاد الشام” من الأوهام الأساسية التي تم التلاعب من خلالها بعقول آلاف الشباب الوافدين للقتال في سوريا وقتل الأبرياء تحقيقا للملاحم.
وإن كنت أؤمن بأن للساعة أشراطا وأن كل كلمة قالها النبي عليه الصلاة والسلام هي كلمة حق، وأؤمن أن للأمة موعدا مع وعد إلهي راسخ في القرآن والسنة بعناوينه ومخرجاته (المهدي والدخان ودابة الأرض…) وهي مسائل رفضها الكثيرون اعتمادا على المنطق العقلي المحض وهو خطأ منهجي لأن الغيب ليس بالضرورة متوافقا مع صلابة وضيق العقل المادي المحض، لأن القرآن ذكر الدخان وذكر وعد الآخرة لبني إسرائيل وذكر دابة الأرض، وكذلك بلغت أحاديث المهدي درجة التواتر.
وفي سياقات متصلة، فللوهم حضور قوي لدى شعوبنا، ترى ذلك في نسبة الإقبال على المشعوذين، وهو أكثر بكثير حسب الإحصائيات من الإقبال على الأطباء، لأن المشعوذ يعرف كيف يتلاعب بالوهم. وفي نسبة الحوادث الناتجة عن السكر، لأن عامة شبابنا لا يشرب كأسا على العشاء كما يحلو للغربيين، بل يفرغ همه وحزنه في وهم أن الخمر يوفر له الراحة والحل.

خلاصة الكلام أن الوهم الذي نعاني منه كأمة ليس وهما طبيعيا بل هو وهم مصنوع:
*صنعه أعداء الأمة من خارجها عبر الاسرائليات وسواها. وهو ما تكاثف عبر العصور ليصبح نسقا يلتحف بالقداسة، ويدافع عنه أولى الناس بحربه.
*وصنعه أبناء الأمة من داخلها بأيدي الذين أرداوا شعوبا واهمة يحكمونها، واستغلوا الدين في مآرب السياسة، وهذا بدأ ممنهجا منظما مع حكم بني أمية إلى اليوم، ولا استثناء فيه إلا لقلة من أمثال الصالح الزاهد عمر بن عبد العزيز.
والحقيقة أن العقل الصهيوني زارع متمكن للأوهام ميال إليها أيضا، ولكن بأشكال أخرى، مثل وهم الشعب المختار الذي أباح الرب له قتل كل البشرية.

تنقسم الأوهام التي تعاني منها الامة إلى أنواع كثيرة:
*فالبعض يتوهم أن الحل للأزمة التي تعاني منها الأمة العربية والاسلامية يتلخص في “استعادة الماضي”، بمعنى الرجوع بالزمن وإسقاط زمن الصحابة وفق ما يتم تصوره أنه زمنهم على الواقع اليوم: في حين أن لكل عصر أحكامه.
*والبعض الآخر توهم أن الحل في القطع مع التراث ومع الهوية العربية الاسلامية وسلخ الذات.
*هنالك من قتل متوهما أنه يطبق شرع الله، وهو وهم أضاعوا به طاقة وجهد آلاف من أبناء الأمة وخربوا بهم الأوطان وأساؤوا لصورة الاسلام. أمر تكفلت الوهابية بتطبيقه وتحقيقه، وإن كان المخطط في الأصل يتجاوزها ويخترقها ويستغلها وسيدمرها لاحقا.
*وهنالك من يدعو للالحاد والشذوذ والفساد وينشره تحت وهم الحرية والمساواة، وهؤلاء صيادون بارعون في الوهم، لهم أناقة ولباقة، لا تفارق وجوههم الابتسامة، يد لأعداء الدين وحليف لكل شيطان مريد، ولهم شبكات تنفذ وتخطط وتدرس، وعمل كبير على مواقع التواصل مما جعل نسب الالحاد والشذوذ والاجرام في ارتفاع رهيب ومخيف.
*وهنالك نظريات الوهم الاقتصادي: كل فترة نظرية تطبق دون نظر للواقع: تجارب اشتراكية مسقطة، تجارب ليبرالية مفترسة، وكل ذلك يكون الضحية فيه المواطن البسيط، ويزداد أهل الثراء الفاحش ثراء وفحشا.
*وهنالك الوهم السياسي وما أكثر وما أشد وطأته، ولعل الشعوب العربية لو نظرت رأت عجبا في تاريخها القريب ولعلمت أنه تم التلاعب بها بشعارات براقة مرات كثيرة، وهو يتجاوزها إلى شعوب العالم كله، ولكن مأساة الشعوب العربية أكثر ألما، وهي مجال الحروب الأشد ضراوة بعد الحرب العالمية.
*ولا ننسى الوهم الاعلامي والفني: تقنيات اعلامية وفنية عالية التقنية قوية الاخراج في بث الاوهام على اختلافها، * *وللوهم أوجه أخرى: تاريخيا ونظريا وفكريا وسلوكيا: وهو عمل مدروس طبعا، مزق المجتمعات ودمر الاسرة وخرب الاخلاق وضرب مكانة الرموز كالمعلم والاستاذ وكل القيم والسلوكيات السليمة.
وعلى كل ضفة وفي كل مدرسة تجد تسرب الوهم الخفي أو الجلي، والوهم بطبعه خلّبيّ ماكر.

إن التصدي للوهم امر حيوي، وواجب على كل مصلح، رغم أن تيار الوهم قوي، وأن العقول العربية العظيمة التي صارعت أمواج الوهم لم تحقق ما كانت تصبو إليه عبر التاريخ كله.
وحتى عمالقة الفلسفة والفكر والأدب كابن سينا وابن رشد والجاحظ وابن المقفع كانوا غرباء في مجتمعاتهم عانوا من التفقير والتهميش والمطاردة وحرق الكتب وسوء الفهم وحتى القتل، وقتلة ابن المقفع الشنيعة خير دليل.
ولكن هنالك من كان له شرف التطبيق والتحقيق بنسب متفاوتة، كما فعل أهل التصوف الحق وأقطابه وأعلامه في إصلاحهم لأخلاق الناس وتزكيتهم لهم والدفاع عن العقل النير والقلب المستنير بل وبنائه والعمل على دعمه، ومن أعظم التجارب والنماذج عمل القطبين الكبيرين الشيخ عبد القادر الجيلاني والشيخ أحمد الرفاعي، مدارس يجب الرجوع إليها والاستفادة منها خاصة في واقعنا اليوم الذي يحتاج الكثير من الاصلاح والعلاج للأوهام والآفات المختلفة.

وعلى الباحث في طبقات الوهم أن يفهم أن التاريخ البشري لم ولن يخلو من أوهام يراها الناس حقائق، وحقائق يعتبرها الناس أوهاما، ومن فتن تعقبها فتن، وإن كانت أمة الاسلام عامة وأمة العرب خاصة أشد أمم الأرض تأثرا بالوهم والفتنة معا.
كما عليه أن يعلم أن هنالك حقائق من الوهم الظن أن معرفتها سؤدي إلى تغيير الواقع: مثل ما كنت بصدده في المقال السابق من تاريخ المسلمين الاول: فالعلم بما جرى منذ السقفية وقبلها والكشف عنه لا يعني تغيير الواقع، بل النفخ فيه بمبالغة وسوء نية باب لشر كبير.
وكذلك التغاضي عنه وإنكاره ومهاجمة من يخالفنا الرأي فيه لا يغني ولا ينفع ولا يمنع عن الأمة ما فيها من شتات وتمزق مستمر وأكثر وجعا كلما تعاقب عليه الزمن.
وإن كان على صاحب العلم أن يقول الحق فيما فيه اختلاف ولو مرة، شقشقة كشقشقية الإمام علي، وشهادة أمام الله ورسوله.

والوهم ختاما سراب محكم، مجرد التفطن إليه شبيه بمحاولة النظر داخل عاصفة رملية، أو التنفس داخل الدخان الكثيف.
ولن تورث الفطنة أصحابها إلا الغم والهم.
أما أصحاب الوهم، فهم بأوهامهم ينعمون.

سوسة
02/08/2018 11:36

مقالات ذات صلة

فصل المقال في الرد على كل دعيٍّ دجّال
لسنوات طويلة سعينا لنشر الوعي والثقافة والفكر، محليا ودوليا، وضمن أعلى المستويات وعلى أكبر المنابر، وفي الندوات والمؤتمرات والإعلام، مخلصين فيما نقدمه، مع إعداد...
2 دقائق للقراءة
مع التطبيع
أنا مع التطبيع. لأن الحرب لن تجلب لنا شيئا. حاربنا سنة 48 و67 وخسرنا المزيد من الأرض والقتلى والمشردين. وحتى نشوتنا بانتصارنا في حرب...
3 دقائق للقراءة
تأملات
تعلم من أسوأ ممن يستبعد الناس!من يحب أن يُستعبدْ.ومن أسوأ من المُستعمر.من يحب أن يُستعمر.إنه ديوث وطن.لا يقبل أن يتحرر، لا يريد أن يرى...
< 1 دقيقة للقراءة
هل فقدت الذاكرة؟
هل فقدت الذاكرة؟ لماذا لم تعد تكتب، وتحلل، وتهتف في وجوه المنافقين والظالمين والخونة، وتستصرخ الضمائر الحية، وتكوي الضمائر النائمة لعلها تستفيق؟؟ أم تراك...
2 دقائق للقراءة
المولد النبوي الشريف
“بدعة اللا-مولد”
قال لي غاضبا وشرر عينيه يسعى لحرقي لو قدر: هل تحبون النبي اكثر من الصحابة؟ ما هذه البدعة التي خرجتهم بها عن السلف الصالح....
< 1 دقيقة للقراءة
كنتُ مسلما…..
كنت مسلما…. ليس لشيء إلا لأن ابي مسلم…وولدت في مجتمع مسلم… كنت مسلما…. لم افكر كثيرا…بل مشيت حيث القوم مشوا…ووقفت حيث وقفوا..صلوا فصليت…وصاموا فَصُمت…...
2 دقائق للقراءة
تعِس المسعى وخاب الساعي
الذين يسعون لطمس معالم الاسلام كليا من تونس (والعالم العربي والإسلامي ثم الكوكب كله من وراء ذلك) هم قوم على منهجين: *منهج يعتمد التشويه...
2 دقائق للقراءة
أزمة العقل العربي (2) أزمة الحوار، معضلة النقد، وإشكالية “الجماعة”…
الحوار مشكِّل أساسي للفكر، والحوار في القرآن كان حتى بين ملائكة النار والمخلدين فيها، وبين أهل النار وأهل الجنة، فكيف لا نقيمه بيننا ونحن...
9 دقائق للقراءة
أزمة العقل العربي (1) بين الموروث والقداسة والدنس (الصورة: صورة متخيلة لابن سينا)
من بين أمم العالم، فإن العقل العربي يمتاز بهشاشة لا تضاهى، وبنية أحفورية معقدة يصعب حلها. وهذا ليس هضما لحقوق المفكرين والمبدعين الحقيقيين في...
6 دقائق للقراءة
بلا سائق
مشهد القطار بلا سائق الذي أثار الرأي العام في تونس يوم أمس، وأثار الفزع والرعب في قلوب من كانوا فيه ومن كانوا يشاهدونه وهو...
2 دقائق للقراءة