Mazen Cherif

في فن الاستباق الدكتور مازن الشريف خبير في الاستراتيجيات الامنية والعسكرية ومكافحة الارهاب خبير في علم الاستشراف والمستقبليات. رئيس المنظمة الدولية للامن الشامل

يمثل الفن عصارة الرقي البشري والاتقان الانساني في كل مجالات الحياة، فكلما بلغ العمل مستوى الابداع والعبقرية والاتقان تحول من فعل عادي إلى فن: فنون المعمار، فنون الأدب، وفنون العلم والهندسة والتصميم والحركة، كفنون الرقص والدفاع.
وفن الحرب هو اتقان إدارة الحروب والتخطيط لها.
وبما ان الحرب هي كل صراع بين نقيضين، فإنها تشمل الحياة بكل تفاصيلها: حرب بين الإبداع والعقم، بين البناء والهدم، بين الأخلاق والدناءة، وبين تعمير الحياة وتخريبها.
في الحرب نماذج زمنية:
النموذج الأول: الحرب المتزامنة: وهي أن يكون الهجوم والدفاع متزامانان بين المتخاصمين أو المتحاربين، كنزال في حلبة.
وهنالك حرب رد الفعل: وهي التي تكون كانتقام أو رد فعل بعد هجوم للعدو.
وثمة حرب تسبق فيها العدو خطوة أو أكثر، وتستبق فيها حركته وتوفر الوقت والجهد، إنه فن الاستباق.
يعتمد الاستباق على المعلومة: تضليل المعلومة التي تصل إلى العدو، والحصول على المعلومة من العدو قبل تحركه.
ونماذج ذلك كثيرة، تجد منها في شروح كتاب فن الحرب لصن تزو الذي تكلم عن فنون الحرب بدقة مذهلة رغم أن الكتاب يعود للقرن الخامس قبل الميلاد.
ولكن النموذج القريب هو فك شيفرة إنجما التي اعتمد عليها النازيون في الحرب العالمية الثانية، مما ادى إلى تقصير عمر الحرب بين عامين وأربع سنوات، وإلى انقاذ أكثر من أربعة عشر مليون انسان، ويعود الفضل في ذلك إلى نخبة من العلماء على رأسهم عالم الرياضيات والتعمية والمنطق البريطاني آلان تورنج.
يمتاز العمل الاستباقي بقدرته على مباغتة العدو وبسرعة الفعل، مما لا يعني بالضرورة إصابة العدو بالشلل الكلي في جميع الحالات، ولكنه إن لم يصب بذلك سيصاب بالارتباك الذي يمثل سببا كافيا للهزيمة.
ولكن للاستباق فنون أخرى أهم وأخطر، هي من أعمدته الاساسية، أو يكون الاستباق الأمني والعسكري والمخابراتي استباقا محدودا وتكيتيكيا فقط لا علاقة له بالبعد الاستراتيجي العميق، ومن فنون الاستباق، وفق ما أراه، الاتي:

*الاستباق الاستشرافي: أن تستبق مستشرفا زمن العدو بل وزمنك أنت، كدولة أو كمؤسسة أو كإنسان.
فعدو الدولة هو كل من يريد تدميرها، ولا تخلو دولة من ذلك.
وعدو المؤسسة هو الفشل والتسيب والرداءة.
وعدوك أنت ذاتك ونفسك قبل كل شيء.
البعد الاستباقي في الاستشراف برع فيه الصهاينة وأتقنوه، وبرع العرب في عكسه تماما، إلى عمى كلي لا يشمل فقط المستقبل بل الحاضر والماضي أيضا.

*الاستباق الثقافي: تتسابق الدولة بثقافتها وتاريخها مع أعداءها، من أجل الوصول إلى المجتمع وإلى الشباب خاصة.
مثلا: ثقافة الانحلال والفساد والالحاد والشذوذ تسري مسرعة نحو شبابنا المسلم، وتمضي به إلى هاوية سحيقة، وكذا تفعل بالشباب الإنساني عامة وبالمجتمع البشري لتحوله إلى وكر بغاء وبؤرة شذوذ وفساد وعبثية وإلحاد، وهنا يكون دور أهل الفكر النير والثقافة السليمة في استباق ذلك وسبقهم إلى الشباب الانساني حتى لا يكون مستقبل البشرية في خطر كما هو حاله الان.
ومعلوم أن منظري الشذوذ والالحاد لديهم رؤية استباقية يرون من خلالها العالم بعد سنوات أو عقود موبوءا بالكامل (متحررا من عقد الدين والجنس بزعمهم)، والمتابع لمدى الانتشار منذ السبعينات ثم التسعينات إلى اليوم ومدى تطبيع المجتمعات مع آفة الشذوذ مثلا يرى مقدار نجاحهم وفشل من هم على نقيضهم.
وكذلك الأمر فيما يخص الإرهاب: فهو ثقافة موت وتكفير واختناق وجودي وانصهار وهمي في الماضي، ويستهدف كل ثقافة حياة وكل نفس عقلاني واقعي، ويستثمر في تربة الفساد التي عمل أصحاب المشروع الالحادي والشذوذ على اعدادها ويستمرون.
وكلما كان المجتمع أكثر فسادا أمكن لناشري التكفير النفاذ إلى عقول وقلوب الشباب الفارغة من كل معنى وروح، فالتعهير والتزوير دعامة للتكفير والتفجير.
كيف إذا نواجه إن لم نستبق تلك الثقافة بثقافة الحياة الهادفة المعتدلة التي لا تشط يمينا ولا يسارا ولا تتعصب أو تتطرف.
أي البديل الثقافي إذا؟
وحين تقول ثقافة ستجد الكثير من رميم الكذبة الذين يقدمون أطباق العهر والفحش في السينما وفي الأدب وفي الاعلام على أنها العلاج والبديل، كمن يقدم السم علاجا للطاعون.

*الاستباق الاقتصادي: وهو على غاية القيمة والأهمية، فالارهاب نسيج اقتصادي يقوم على العمل المافيوزي وعلى التهريب وتجارة المخدرات والاسلحة والاثار وحتى الاعضاء البشرية.
بل إن كل الشباب الداعشي تم بيعهم في صفقات مظلمة بأسعار باهضة، والذين قبضوا الثمن كثيرون في كل المفاصل والمواقع من خونة ومتواطئين وسفلة وعملاء مخابرات.
وحين نريد بحق مواجهة الارهاب واستباقه يجب أن نفكر برؤية اقتصادية ناجعة تقضي على البطالة وتطور الحالة الاجتماعية المتردية للكثير من المناطق التي تصبح من أثر ذلك حواضن للارهاب أو التطرف والتعصب والاجرام.

كل هذا “الفن” الاستباقي يحتاج رؤية سياسية، خيالا سياسيا، وقوة استراتيجية ونجاعة تطبيقية، وقدرة على الابصار أبعد وأعمق.
وهي من ثمار العقل الذي يتوازن فيه المادي بالروحاني، والمعنوي بالعقلاني، ويكون لصاحبه علم بالتاريخ وفهم للواقع بعيدا عن كل تعصب، ومن هنا فقط يمكن النظر إلى المستقبل بعين ترى جيدا، وترى مختلف الألوان المتكاملة المتناسقة الأصيلة في النسيج الانساني، لأن رؤية لون واحد أو لونين هو أشبه بالعمى منه إلى الابصار.

سوسة
25/10/2018 09:49