Mazen Cherif

التشويهات الكبرى للتصوف: نظرة سريعة وقول مختصر

مثّل التصوف طيلة تاريخه منارة للعلم والتزكية ونشر الدين الحق والاسلام السمح عبر العالم، حيث تمكن رجاله من إيصال كلمة التوحيد إلى دول بعيدة بالدعوة والاخلاق الحسنة والفعل الاجتماعي والتجارة، حيث كان لرجالات التزكية نشاط اقتصادي واجتماعي حبب إليهم الناس فأقبلوا من خلالهم على الاسلام طوعا وحبا. ونماذج ذلك كثيرة في الهند (مولانا معين الدين الجشتي) وبنجلاديش (الشاه جلال اليمني) وفي بلاد الملايو (التسعة أولياء من اليمن)، وغيرها كثير.

كما ان الزوايا كانت عامرة بالذكر والفكر والعلم، وكانت قلاعا للذود عن الاوطان، وجامعات لتدريس الشريعة واللغة العربية، وحافظت على اللغة والدين في أزمنة الانحطاط والاستعمار، وبرز رجال علم وتزكية وفعل عميق كالسادة الجيلاني والرفاعي والشاذلي، وكذلك رجال جهاد وجلاد أمام الصليبيين والاستعمار مثل الشيخ عمر المختار والشيخ بوعمامة.

ولقد شهد التصوف رغم ذلك تشويهات كثيرة حادت به عن حقيقته، وأفسدت كثيرا من مياهه، وعكرت الكثير من صفوه.

فجعلت قوما يكرهونه لما رأوا من فعل أهل الباطل فيه. وقوما يخترقونه لما رأوا من تهاون أهل الحق فيه. وقوما يحرّفونه لما وجدوا من غفلة أصحابه، وتهتك أبوابه. وقوما يستغلونه لما أدركوا من إقبال الناس عليه وبحثهم عن السكينة عنده.

ولقد قمت طيلة سنوات بدراسات معمقة للتصوف وكتبه ومراجعه، وسبرا عميقا لحقائقه وذوقا لأحواله، ورحيلا في سبل أهل الله تقصيا واستمدادا، وسفرا في أرض الله معرفة واطلاعا، ونظرا في الواقع والناس، والكثير من المؤتمرات والندوات العلمية والتأليفات، لأخلص إلى هذه النقاط حول التشويهات الأخطر للتصوف، لأن معرفة الداء أوجب لمعرفة الدواء، ومن لم يفهم العلة، فلن يهتدي لعلاجها:

أ/ التشويه المتعمد الذي عمد إليه أعداء الدين حتى يخمدوا نوره عبر خنق روحه الجمالية والذوقية التي يمثلها التصوف ليكون الناتج قوما جلافا غلاظا ينفرون الناس من الاسلام وهو نموذج متجذر وله شواهد كثيرة كالازارقة وغلاة الحنابلة وأتباع ابن تيمية والوهابية خاصة، وهذا دور تم تفعيله بمضاعفات كثيرة في العصر الحالي ما توظيف الارهاب والتخريب والتزييف.

ب: التشويه المصلحي: وهو أن يعمد شخص أو مجموعة إلى أمور فاسدة مشوهة لغاية دنيوية لا علاقة لها بروح التصوف، فيكون ادعاء الحال والكرامات ممزوجا بالخزعبلات والدجل لاستدراج الضحايا وسلب أموالهم وأعمارهم في دروب تحجب عن الله ولا توصل إليه.

ج/ التشويه الأعمى: وهو داء يصيب من الداخل، ينتج عن فساد الرؤية وعمى العقل والبصيرة، يفتك بكل من دخل سوق أهل الله بتجارة قوامها الجهل والغفلة، وهذا مرض خطير مستشر، كلما ابتعد المنتسب للتصوف عن العلم والواقعية والفعل الاجتماعي، وغاب في سدم الوهم والقفز على الحقائق والغياب في عوالم الزيف. ولذلك فإن أهل العلم الحق بالتصوف أكدوا على ضرورة العلم والفقه، وتجد في كتاب قواعد التصوف للشيخ زروق، وفي حكم ابن عطاء الله، وغيرها من كلمات أقطاب هذا الطريق، تأكيدا على العلم، ومناهج علمية دقيقة، بل إنهم كانوا أكابر أهل العلم في عصورهم، فقها ومنطقا وسواها من فنون المعرفة، وفيهم الفلاسفة وعلماء الفلك والطب والجغرافيا والتاريخ. فالشيخ الجيلاني كان من كبار الفقهاء، وكذلك الامام الشاذلي، كما كان ذا فعل مجتمعي وحضاري قوي، وفي لقائه بالعز بن عبد السلام وكذلك دوره في معركة المنصورة ضد الغزو الصليبي ما يغني عن كل شرح.

ورحم الله الامام مالك حين قال في القول المأثور عنه رغم وجود منكرين لذلك: من تفقه ولم يتصوف فقد تفسّق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق. والفائدة أن هذه الكلمات لها معنى حقيقي ينسف تزييفات المدعين والجهلة.

ج/ التشويه المتعصب: التعصب داء فتاك، وفي كل فئة هنالك متعصبون يبلغون حد الشطط والتطرف.

وهنالك في التصوف من لديه هذه اللوثة، فيكون تعصبه للصالحين مدعاة لوضع الترهات ونسبتها إليهم من قبيل الكرامات والحكايات للترويج واظهار الفضل والسبق وهم قدس الله أسرارهم في غنى عن ذلك، وهذا نجده في فئات أخرى كلٌّ يبالغ في وصف من يواليه حتى يخرج عن الحق إلى الأهواء ويزرع الباطل وهو يرجو الانتصار لمن يميل إليهم وما ذلك إلا نفث ابليس في روعه.

وحين تقرأ كتب التصوف مثل الرسالة القشيرية أو طبقات الاولياء لابن النديم ستجد أمورا هي الحق عينه، وأخرى من وضع المغالين، يبين لمن له بصيرة أنها باطلة ما أنزل الله بها من سلطان.

وكذلك أتباع الطرق فيهم من يغالي في الشيخ حيا أو منتقلا فينسب إليه ما ليس بحق، ويظلمه وهو يظن أنه ينصره.

التشويه الترويجي: بعض المنتسبين للطرق وبعض الشيوخ يعتمد على منهج الترويج للشيخ أو الطريقة، واساليب للدعاية، ويكون ذلك مدخلا لبعضهم حتى يكذب ويفتري لينافس الطرق الاخرى والمشائخ الاخرين وينسب للشيخ أمورا كثيرة هي محض باطل، فيقول لك: أتريد أن تلتقي قطب الزمان وامام العصر وشيخ الوقت، اتبعني فإنه شيخي، وقد ينثر الشيخ ذلك على مريديه بشكل ماكر ويوهمهم فينطلقون في الآفاق يدعون إلى قطب الاقطاب ووارث النبي وفرد زمانه ويتيم عصره، في حين أن أكابر أهل الله كانوا من التواضع بمكان، حتى إن نطقوا عن حقائق أحوالهم فلهم من النسب والنسبة والكرامة والبراهين ما يثبت ذلك، وشتان بين ما يقوله الجيلاني والرفاعي والبدوي والشاذلي والدسوقي والاسمر وأكابر اهل الله، وبين ما ينتحله دعي لم ينبت له زرع ولم يتحقق له دليل.

بل إن بعضهم يحصر الولاية والمقام في الحي دينويا ويجعله أفضل من كل من سبقه من المنتقلين، كأنه خير من أئمة أهل الله وسادة ديوان الصالحين، وهو لا يدري أن ذلك لمز في مقام النبوة نفسه، فالنبي منتقل عن هذا العالم أيضا، ولمز في مقام الولاية، لأنها اجتباء مستمر لا يمسه الموت كما لا يمس نبوة الانبياء، والمقامات محفوظة من رب حفيظ.

ولا ننكر أن الصلاح له رجاله في كل عصر (يشمل ذلك النساء الصالحات أيضا)، ولكن شتان بين الحق وبين الباطل.

 

إن هذه هي التشويهات الكبرى في نظري، والتي يعاني منها التصوف اليوم، إضافة إلى التخاذل والانطماس بادعاء الخمول، أو الغلو والتجارة بدماء اهل الله ومقاماتهم، أو العمالة والسفالة والانبطاح، وغيرها من الادواء والامراض التي يغذيها عدو خارجي ويستثمرها عدو داخلي هو أشد فتكا.

ولكن رغم كل ذلك يبقى التصوف الحق معينا للتزكية وجوهرا للدين ضمن باب الاحسان ومقامه الكريم، ويبقى طريق أهل الله طريقا مستمرا غير منقطع، بسنده إلى رسول الله، وإلى الأئمة الهداة الاعلام والاقطاب الكرام، ولكنه يحتاج تنقية وعملا كبيرا، يتم فيه الفصل بين الحق والباطل، وبين الماء والزبد، حتى يتحقق النفع، وترفع الشبهات، وينزع اللبس، ويكون ذلك قوة للأمة وللانسانية في زمن انحطاط قيمي غير مسبوق، وفساد أخلاقي واجتماعي، وظهور أهل تكفير فجروا وهم يكبّرون إفكا وزورا، وأهل تعهير أفسدوا وهم يدعون تحرير الناس من أسر التخلف وربق الرجعية، وأهل الحاد ادعوا النطق بلسان العلم الذي لا يقوم إلا على أنقاض الدين، ولا يستقيم أمره إلا بثبوت عدمية الاله، وغيرهم من تجار الباطل والدعاة على أبواب جهنم.

إنه وقت صعب فعلا، ولكن متى كانت أوقات أهل الحق يسيرة في دنيا البلاء والصراع، فالامر يتعلق بالهمة لانجاز المهمة، وبالوعي لتحقيق الغاية، أو يغلب أهل الباطل بحرصهم، على أهل الحق ما تقاعسوا عنه.

والله ولي المتقين.

 

سوسة  08/06/2019   19:07