Mazen Cherif

حكاية “خائن”

🍁حكاية “خائن”
👈من مجموعتي القصصية: وجوه
✒مازن الشريف
🍀🍀🍀🍀🍀🍀🍀
خائن خائن خائن!!
وماذا في الخيانة؟ عيب أم عار؟
يا للمتخلفين الحمقى، أصحاب الشعارات والمثل والأخلاق العقيمة.
أنا خائن، بل أعشق أني خائن.
مسح جبينه وأزال خصلة شعره المنسابة في حركة مسرحية بيده المزدانة بالخواتم، وبدت ساعته الثمينة على معصمه كملكة في حفل راقص، ثم نفض سيجارته ونفث دخانها، وارتشف جرعة من كأس المعتّق، ونظر إلى الغانية التي تتكأ على مشرب الحانة.
خونة! من منهم لم يقرأ عن خيانة هنا او هناك، افتحي كتب التاريخ، كلها خيانات، ولكن هل الخونة هم المجرمون، ألم يساهم الخونة في بناء الحضارة وإسقاط المدن والدول والممالك التي ترفض التطور وتكبل الحرية وتنشر الطغيان.
نحن الخونة جنس ذكي، نوع يتقن البقاء، وليس البقاء للأقوى كما يزعم دارون، بل البقاء للأذكى والأكثر قدرة على التأقلم، والخونة دائما على رأس القائمة.
يحتاج الأمر لمؤهلات وموهبة، مع الكثير من التدريب.
إحساس شبيه بإحساس السنجاب: يطل برأسه بحذر.
حاسة كحاسة الكلب: يشتم الأمور ويعرف لمن سترجح الكفة.
مرونة كمرونة الأفعى: تنساب حيث تكون المصلحة.
ذل الدجاجة عند الضعف، وخضوع الخنزير المدجن. شراسة الذئب عند التمكن، وخسة الضبع وتشفيه عند الغلبة.
والجبن قوة كبيرة حين تعرف كيف تستثمره بخبث ودهاء، تركناها لك يا عنترة، الشجاعة والاقدام، تركناك تزهو بعنترياتك الغبية: أغشى الوغى وأعف عند المغنم.
ههههه بل أخشى الوغى وأخف عند المغنم.
والمتنبي! ذلك السخيف الذي قتلته قصيدة، لقد سكرت مرة حتى لفت بي الارض، ورأيته، صدقيني يا…ما اسمك، نعم، رأيته، المتنبي ومن غيره، انت افرنجية غبية لا تعرف شيئا، نعم شاعر مثل، مثل إيمينام أو فيفتي سنت عندكم، لا ليس اللايدي غاغا.
اجل، رأيته يركب فرسا، وكنت اركب جرعة مفرطة، افيون.
كلمني بالفصحى وقال لي: من أين الأخ، فقلته له أخ يا دنيا.
فوقف على تلة وهتف:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها
وتصغر في عين العظيم العظائم

فضحكت حتى وقعت على ظهري، دا كان زمان يا عم ابو الطيب.
ثم أدخلت يدي في رأسي وفتشت ذهني وسط زحام الحشيش ودخان السجائر وفوضى السكارى وقلت له:
على قدر أهل الزعم تأتي الزعائم
وتأتي على قدر البهيم البهائم
وتعظم في عين الجبان صغارها
وتصغر في عين اللئيم الهزائم

فسمعت من خلفي المنخل اليشكري يقول: بخ بخ لك يا أخا العرب.
فاحتضنته وشربنا كأسا وهو يقص علي خبره مع الفتاة وناقتها، ثم ترنٌم وهو يميل برأسه زهوا وطربا:
ولقد دخلت على الفتاة
الخدر في اليوم المطير
الكاعب الحسناء ترفل
في الدمقس وفي الحرير
فدفعتها فتدافعت
مشي القطاة الى الغدير
وأحبها وتحبني
ويحب ناقتها بعيري

رائع هو المنخّل، ولست اقل منه شأنا:
ولقد دخلت على الفتاة
الخدر في اليوم الكبير
الكاعب الحسناء ترفل
في الدمقس وفي القصير
فدفعتها فتدافعت
مشي الحمار إلى الحفيرِ
وأحبها وتحبني
حب الغبية للحقير

اجل، نحتاج لتلك الكاعب الحسناء، ندربها، نعلمها، نخرجها في اثواب حسب الحاجة، وأدوار وفق الطلب، ولا نسمح لها بفهم شيء، فقط ندفعها فتتدافع، ونحدث بها وبشبكة من الحالمين ثورة هنا من اجل الكرامة دون تحقيق اية كرامة، وجهاد نكاح هناك لأجل الخلافة على منهاج النبوة، ولا منهاج ولا خلافة، أو ثورة جنسية ناعمة، لأجل الحرية، وحق المثلية والعراء والبغاء، نجعلها نجمة تتحكم في ملايين البنات، إن قصرت ثوبها يقصرن اثوابهن، وإن ربّت جروا صغيرا امتلأت المنازل بالكانيش الناعم. نحن الخونة لا يمكننا الانتصار دون الكاعب الحسناء، الجارية التي نجهزها لترقص امام الملك وتلعب بعقلع مع بنت العنب، وتصبح الملكة وتدمر الامبراطورية كلها.
او تلك التي سلبت قلب السلطان سليمان فقتل ابنه ووزيره وسمح بدخول معلمي الخيانة الى ارض الخلافة.
او الكاعب التي خربنا بها طروادة واختفينا في حصان الخشب.
في كل هزيمة لأعدائنا هنالك كاعب حسناء تنام في الحرير على فراش الملك، وفي كل قلعة يتم تدميرها واختراقها فالبطل الحقيقي هو انا، فأنا من فتح باب القلعة.

تنهد ونظر إلى فتاة ترقص بجانبه، ثم تبين له أنه شاب، ثم جزم حين دقق في جسده-ها، أنهما شاب في شابة، او فتاة لها ملامح فتى، ربما فتى ركّب جسد فتاة. امر يحتاج الى متابعة. أعاد بصره الى الفتاة التي ابدت تململا من طول الكلام وعدم الذهاب مباشرة إلى الهدف، سيما وأنها لم تفهم حرفا مما كان يقوله. هل تريد ان ترقص، سألته، بلكنة عذبة وحروف تتثاءب كقطة مدللة، فنهض متثاقلا ثم وقع على اريكة قريبة. لماذا أسكر، هل في العالم افضل من الخمر؟ صفراء لا تنزل الاحزان ساحتها لو مسها حجر مسته سراء الخمر تجعل كل شيء يسيرا. فقد تخشى من ذلك الصوت الفاسد في صدرك يخوفك من النظر الى زوجة جارك، او سرقة شخص تعرفه أو تنفيذ الخطوة التالية من الخيانة، صوت لا يخرسه شيء سوى كأس معتق، فالخمر علاج لمرض الضمير. هل اعرف عنترة، تشك بكلامي يا راوي النحس، قال وهو ينظر الى سقف الخمارة الذي تجمع فيه الدخان كما يتجمع الذباب على الجيفة. اعرف عنترة وسيبويه، والمهلهل والسموأل والغطاريف الأوائل الذين نادى عليهم نزار في قصيدته عن بلقيس. لانني خائن تحسبني غير مثفف، راوي غبي وتافه. لقد كنت في المسبح يوم لقيت سيبويه، جرعة وسافرت في الزمن. قال لي: كيف النحو في زمنكم. قلت نحو الأُميّة. قال: والصرف؟ قلت: الأفضل هو الدولار. سالني: و”حتى”، فقد مت وفي صدري شيء منها. قلت: حتى يحدث التغيير المنتظر، نحن ننتظر حتى يتغير المتغير، الذي لا يتغير حتى يرضى الذي خلف البحر وقد اكل السمكة حتى ذيلِها، حتى ذيلُها، حتى ذيلَها. أما عنترة فقد قابلته في المسلسل، اجل، كانت المرة الاولى التي اجرب فيها الكوكا، كوكايين يا غبي. وقف أمامي شاهرا سيفه، وصرخ صرخة الحرب، فأخرجت سيجارة ونفثت الدخان في وجهه. قفز وركب فرسه، فركبت عنادي. امسك رمحه، فأمسكت بطني من الضحك. قال وقد أدرك اني هزمته:

حصاني كان جلاب المنايا

فخاض غمارها وشرى وباعا

وسيفي كان في الهيجا طبيبا

يداوي رأس من يشكو الصداعا

ولو أرسلت رمحي معْ جبان

لكان بهيبتي يلقى السباعا

أنا العبد الذي خُبّرت عنه

وقد عاينتني فدع السماعا

ثم نظر إلي نظرة المنتصر، فصعدت فوق المخدة وهتفت:

حصاني (١) كان جلاّب الصبايا

فخاض غمارها وشرى وباعا

وكأسي كان في الملهى طبيبا

يداوي رأس من يشكو الصداعا

وكم أرسلت لحمي معْ جبان

ليطعمه الثعالب والضباعا

أنا العبد الذي خُبّرت عنه

وقد صوّرتني فدع السماعا

ثم أعطيته الأيفون ليلتقط لي صورا مع بعض الجميلات… الجميلات جدااااا.

 

(١) يرمز للهزي الذي يعمل مع البغايا، ولمن دونه.

في الطائرة المتجهة الى المغرب 18 افريل 2019 13:26