يين يانغ، التكامل المتناقض من رواية المعلم

11 دقائق للقراءة

بالرغم من التطابق الكلي بينهما في الشكل، فإن يين ويانغ كانا مختلفين تماما من الداخل.
ولدا في أسرة ثرية في أرض التيبت، قريبا من العاصمة لاسا، في قرية الجبل الأحمر، والتي تقع عند جبل عظيم يسمونه سقف العالم، حيث يشمخ متجاوزا الغيوم التي تحيط به كسوار من الثلج، بجوار نهر الملوك، ذلك النهر الممتد إلى ما لا نهاية كما كان حكيم القرية يقول: نهرنا ذراع من أذرعة الآلهة، يأتي من السماء ويمضي إلى نهاية العالم، ولا أحد يعرف ما خلفه، إنه يتجاوز سلسلة الجبال العظيمة التي كانت فيما مضى آلهة وهبت حياتها لتولد الغابة وتكون قريتنا. أما الجبل فجد جدي أخبرني عن جده الأول أن تنينا كبيرا حط فوق قمته ونفخ لهبا مستعرا يريد حرق القرية، فأخرج الجبل ذراعين وسحب سيفا وترسا من النهر وحمى القرية، ثم تقاتل مع التنين أياما حتى غلبه، وقطعه إلى نصفين: النصف الأول خلف الجبل في الوادي السحيق الذي لم يقترب منه البشر من قبل، والنصف الثاني صنع منه تلك الغيوم التي ترونها.
كان يحلم يانغ بصعود الجبل، ويتمنى لو يتحول إلى عملاق يحمل سيفا كبيرا يزلزل به الأرض.
أما شقيقه التوأم يين فكان يحب تأمل النهر، وتمنى لو كان سمكة فضية تسبح داخله في سكينة وهدوء.
ذات ليلة وقد بلغا التاسعة من العمر، سمعا صوتا مدويا، فهرعا خارج الخيمة، ليجدا كل اهل القبيلة ينظرون بفزع: لقد استيقظ التنين مجددا.
نظرا إلى الدخان الأسود الكثيف المتصاعد، وإلى الحمم التي بدأ الجبل يقذف بها من جوفه، ثم دوى الانفجار.
قال قوم: ظهر تنين كبير أسود مرعب، نفث النار التي صهرت الجبل وأحرقت الغيوم، ثم انقض على القرية، لكن الجبل مد يده وأمسكه، وأخرج إله النهر رأسه من الماء وتصارع مع التنين، وكان زلزالا اهتزت له العاصمة كلها وانهارت مبانيها.
وقال آخرون: بل كان بركانا رهيبا أحرق كل شيء، ولكن أهل تلك القرية اختفوا، واختفت معهم الحقيقة.
في قمة الجبل الذي بنى المعلم فيها معبده، كان يين ويانغ يذكران تلك الليلة لبقية التلاميذ ويبادلان فنون الحكاية بين سكينة يانغ وشغف يين وسرعته.
قال يانغ: كان البركان مثل وحش غاضب، تحرك عميقا في الأرض ثم امتد إلى قمة الجبل منذ قرون كثيرة وبقي ينتظر الوقت المناسب.
أضاف يين: انفجر بسرعة كبيرة واهتزت الأرض، لكني واثق أني رأيت تنينا خلف النار والدخان يمد جناحين ويحرك العاصفة، وبسرعة هوت الحمم على القرية وقطع من الصخر والنار.
أردف يانغ: تمطط الزمن في عيني، كنت أرى الحجارة تهوي ببطئ شديد، وأنظر إلى اهل القرية يفرون بحركات ثقيلة، كأنهم لا يتحركون، وكان صراخهم البطيء يتسلل إلى أذني.
قفز يين من مكانه وقال: ركض الجميع بسرعة وتم كل شيء في لحظات، حين هوت الحمم، لمع ضوء أبيض، وظهرت قبة من البلور والطاقة البيضاء، وتحتها ظهر المعلم بملابس بيضاء، وبجانبه رجل أخضر مضيء، وفوق القبة كانت تنانين ملونة تطير بسرعة كبيرة وتنقض على الحمم والصخور المتناثرة لتصدها عن القرية. ثم اختفينا لنجد أنفسنا خلف الجبل، بعيدا في تلك الغابة التي تحيط بها الروابي من كل جانب، ويشقها نهر عظيم.
نظر يانغ إلى شقيقه وقال: أنت دائما تحرق المراحل، أجل، ظهر المعلم ونظر إلي وابتسم، وبجانه الرجل التنين الذي لم أره بعدها، كان يشبه المعلم نوعا ما، لكنه كان أضخم كثيرا، عملاق حقيقي، وصدقوني لقد نظرت إلى جناحين على كتفيه، وتاج فوق رأسه، وسمعته يقول للمعلم: تول أنت أمر التوأم، ودع أمر أهل القرية لي.
ثم رأيت بوابة من ضوء فتحها الرجلان، قام المعلم بامساكي من يدي وأمسك أخي ودخل بنا الدائرة الضوئية التي بدت من خلفها الغابة كأنها ثقب في المكان. ولما كنت أدخلها التفت لأرى الرجل الأخضر العملاق يضع يده على الأرض ويقول: فن الاستحضار والنقل البعدي، ثم رأيت دوامة تخرج من اللاشيء، وتسحب كل أهل القرية وتخفيهم في جوفها.
وضع يين يده على فم شقيقه وقال: لم نمكث في القرية كثيرا، انحنى الجميع للمعلم، الذي طلب منهم أم يبنو قرية جديدة هنا، وحلقت التنانين بعيدا، بعد أن وضعت الكثير من الأخشاب من حولنا، ما يكفي لبناء مدينة، تكلمنا مع والدينا قليلا وقفزنا إلى المعبد في ثانية واحدة، وها نحن معكم.

تنهد يانغ ونظر إلى شقيقه: أجل، لقد نقلونا بعديا وأنقذونا من موت وشيك، اختفى الرجل الأخضر بعد أن رمقني بنظرة عميقة سمعت فيها كلاما كثيرا عن فنون الطاقة والانتقال عبر المكان وعوالم الأبعاد، ثم دنا المعلم منا وقال لنا: لديكما مهمة يجب إنجازها، ومستقبل عظيم يجب بناؤه، ثم تكلم مع أبي وأمي لدقائق، نظرت إلى دموعهما ثم إلى تحيتهما للمعلم باحترام شديد، وكان الحكيم يهذي: لا أصدق أن ما قاله جد جدي صحيح، هذا هو المعلم، إنه الإله، نظر إليه المعلم وقال: لو كنت إلها فكيف يحويني مكان أنا خلقته، إنما نحن أرباب فنون الدفاع والأبعاد العليا، سادة ومعلمون لا آلهة، وما من إله سوى الذي أوجد المكان ولا يحويه مكان، وأوجد الزمان ولا يحتويه زمان.
ضمتني والدتي وربت أبي على رأسي بعين دامعة، وكذلك فعلا مع أخي، ثم انفتحت بوابة دائرية من الماء ، وخلفها رأيت يونغ واقفا وبجانبه لاو هو، ودخلنا البوابة لنجد أنفسنا في المعبد، كانت تلك حكايتنا مع الجبل والقرية والقفز البعدي قبل فهمنا لانبعاج المكان وطي المسافات.
في المعبد تعلما فنون اليين يانغ، وفسّر لهما المعلم سر اسميهما: زرت والدتكما في المنام بالتخاطر، وأريتها رمز اليين يانغ وقلت لها: ستلدين توأما يحملان هذا الرمز وهاذين الاسمين، وكذلك كان، أقنعت والدكما رغم أن الاسماء لم تكون معروفة عند أهل القرية، وكان تقول دائما: سيكون لهما شأن عظيم.
إن اليين يانغ فلسفة عظيمة وسر من أسرار هذا الكون، بين السرعة والبطؤ، وبين الريح العاصفة، والماء المنساب بهدوء، يكون التكامل، كتكامل الليل والنهار، والضوء والظلمة، كل تناقض هو في الحقيقة تفاعل لحكمة وغاية: تكامل كما هو بين الروح والجسد، أو إظهار قيمة المختلف ومنحه المحفز والدافع وصقله كما هو في الخير والشر، فالشر يظهر قيمة الخير ويصقله، والخير يعطي للشر دافعا كي يستمر في القتال إلى آخر أزمنة الأرض.
بعد ثلاثين عاما، وبعد أن رجعا إلى المدينة واجتمعا بوالديهما، وأتقن كل واحد منهما فنه الخاص، وابتكرا معا فنا لا يقوم إلا بتوحد قوتهما، قوة تسارع رهيبة، وقوة تحول السريع إلى بطيء جدا. وبعد أن أصبح لهما معبد خاص بهما وتلاميذ كثر، زارهما المعلم وجلس معهما في قاعة التأمل التي تقع على أعلى نقطة في الجبل، ونظروا معا إلى العالم من حولهما، أغمض كل واحد منهم عينيه، وأمسك المعلم بيد كل واحد منهما وهما عن يمينه وشماله في وضعية اللوتس، ثم ارتفعوا فوق الغابة أمام أعين التلاميذ الذين ينظرون من المعبد بانبهار.
كان يين يلبس لباسا أسود، وقد ربط شعره بشكل ذيل الحصان، في حين كان يانغ يلبس لباسا أبيض وشعره ينساب على كتفيه.
فتحوا أعينهم، كانوا ينظرون إلى أجسادهم تطفو في الفضاء، كأنها هياكل فارغة من البلور، ونظر كل واحد منهم إلى طاقته، وإلى تكوينه الذري والخلوي والعصبي وانسياب أفكاره، ثم جاء صوت المعلم في أعماق أذهانهما: هذا هو التدريب الأخير: تدريب الانفصال الروحي.
فإن للجسد أن يفصل البدن عنه، ذلك الهيكل الطاقي الموازي، ولكنه يحتاج إلى قوة الروح ليتمكن من ذلك، وليسمح بالوعي خارج الجسم.
إنه أمر يحدث دائما بالنوم والوفاة، ولكنه نادر بالحياة الجسمية والوعي الكامل.
عندما نظر يين رأى كل شيء يمضي ببطئ، كأنه جامد في مكانه، وتابع ولادة زهرة من غصن، وخروج فراشة من شرنقة، وتحليق نحلة حول وردة، كأن ذلك ألف عام، لقد بدت أجنحة النحلة تتحرك كرأس عجوز يلتفت بثقل لينظر خلفه.
ثم انفتحت بوابة أمامه دخلها فوجد فراغا معتما، فوقها منطقة سوداء متكاتفة فيها ثقوب كبيرة تسع المجرات، وإذا بتسارع رهيب يمر كحبال من الطاقة الملونة المهتزة المتخللة التي تتحرك في نقاط من الضغط الخارجي والجانبي الذي تفاعلت معه بضغط تسارعي في جنبات السواد العظيم، بدت له تلك السرعة كبيرة إلى درجة يبدو معها الضوء مثل سلحفاة تنقل جسمها الثقيل على رمل مبلل بالماء تغوص فيها قدماها، وبجانبها يمر كائن من عوالم الأرواح في لمح أسرع من عبور الفكرة في أفق الذهن.
ثم تشكلت الحبال فصارت ثلاثة بعد أن كان حبلا واحدا، ثم اهتزت فأصبحت ستة، ثم اهتزت فصارت تسعة، وفي لحظة حدث تماس بين تلك الحبال المتوازية التي تسري فيها طاقات نورانية ملونة تمضي إلى أطراف السواد وترجع عنه، ومن ذلك التماس انعقدت عقدة فيها جميع الألوان والقوى، وصارت الحبال كلها تمر عبر تلك العقدة التي تشكلت فيها نقطة لا حجم لها، وبدات تلف داخل العقدة النورانية ويصدر عنها ضوء ملون، وبسرعة التفافها الرهيبة مع عدم قدرتها على الحركة لأن العقدة تكبلها، انفجرت النقطة ونظر مليا إلى انفجارها وظهور ألوان متناثرة شكلت نقاطا أكبر، وانطلق كل ذلك في الفراغ، وكانت النقاط البيضاء والسوداء تصدم وتختفي في حبل من الحبال الذي أصبح متعدد الأبعاد، وتولدت نقاط بألوان أخرى متوازية ينفذ بعضها في بعض، ثم صارت انفجارات أخرى، تولدت منها قوى جمعت النقاط وحولتها إلى كرات، وظهرت قوى جذبت أشعة ضوئية وطاقات أخرى، ثم امتدت كل شيء، وبقوة الضغط ظهرت نظم عديدة شاهد حساباتها الدقيقة، وقواها العظيمة، وقوانينها الكبرى: قوة النواة وهي على نمطين شديد وضعيف، وقوة الكهربة، والمغناطيس، وقوة الذكاء البرمجي التي تعطي لكل قوة عقلها الخاص وذاكرتها، وقوة الفعل التي تفعل تلك القوى، وقوة الحياة التي تهب الاستمرارية، وقوة التوقيت التي تحصي تزمين كل شيء من بدايته إلى ميقات نهايته، وقوة الجاذبية الثقيلة، وقوة الأبعاد والفصل البعدي التي تفصل الأبعاد وتنسق بينها، وقوة الانبعاج التي تخترق نظم المادة وتطوي الزمكان، وقوة الطاقة السوداء الأولى، وقوة الحبال التي منها كانت البداية، وحولها قوة النور الذي كانت منه الحبال، وقوة الضغط المتخلل العظيم، وفوق ذلك شاهد سماوات وعوالم كثيرة، ورأى داخل الكون الواحد أكوانا متوازية لكل كون نظم وقوانين، وحولها قوة القدير الذي خلق.
وحين اقترب من الثقب الأسود الكبير فوق الكون، والذي له أعين أخرى وثقوب فرعية كثيرة، نظر فرأى عدما مطبقا، وخلفه شاهد رجالا بملابس ملونة يحملون سيوفا، ورأى مخلوقا له قرنان، عظيما مخيفا شبيها بالتنين، يراقب حركة الطاقة داخل الحبال ويخرج من قرنين دفق طاقي يسري عبر الثقب الأسود، وحين نظر إليه أفزعه، ففتح عينيه.
في عيني يانغ كان الكون مختلفا، شاهد فوقه انفجار بذرة صغيرة إلى بذور أكبر منها في سرعة كبيرة، ثم رأى تشكل الأجرام والنجوم التي انفجرت سريعا ليظهر من بعدها كون آخر من مجرات وشموس وكواكب وأقمار ظهر بينها كوكب مضيء سرعان ما غطته النيازك التراب والمعدن واصطدم به القمر ثم انفصل عنه ثم كانت نار ثم دخان فمطر لالاف آلاف السنين ثم بدأ يستوي كوكبا على كائنات عظيمة ثم اختفت في انفجار وظهرت بعدها اخرى ستة مرات تندثر الكائنات عليها وتظهر أخرى حتى رأى رجلا مع امرأة فنظر إليه ليرى في عينيه المعلم وبجانبه طفلان أحدها يشبهه والثاني يشبه أخاه واقتربا منه ليظهر من خلفهما ملايين ملايين البشر والمدن والحضارات بألوان وألسنة وأشكال ومبان وجيوش وأغان وحقول تتسارع فيها الفصول ويخضر الزرع ثم يصفر، وشمس تشرق وتغرب بسرعة شديدة وكوكب يلف بتسارع جنوني ورأى طفلا يولد ثم يمشي ثم يشب ويحتضن امرأة ثم طفلا آخر ثم يصبح عجوزا ثم تخرج روح شاب منه ويمضي إلى الأرض ليكون ترابا تنبت فيه زهرة ثم رأى ملايين يحمل بعضهم بعضا إلى القبور وتنبت فوق المقابر الزهور والأشواك ثم نظر خلفه فرأى ضوءا ساطعا شق الكون فانفجر مجددا إلى ذرات صغيرة ثم رجع كونا أكثر شساعة وضوءا وظهرت أرض جديدة عليها بشر يسرعون من تحت الأرض على أشكال كثيرة ومن حولهم وحوش لا تحصى وكائنات الأرض الأولى وسكان الكواكب والعوالم الموازية والسفلية والفوقية وكل المخلوقات ثم ظهر مخلوق عظيم له قرنان ونظر إليه نظرة أفزعته ففتح عينيه.
ابتسم المعلم لهما وهما ينزلان بهدوء إلى قاعة التأمل بعد أن انتبها من التأمل والسفر البرزخي، وقال لهما: يظن بعض البشر أن العوالم العليا هم آلهة، والحقيقة أنهم لو كانوا آلهة لخلق كل واحد منهم كونه الخاص، ولكن الحقيقة أبسط من ذلك: بما أنهم جميعا موجودون فإن لهم جميعا موجدا أقوى منهم ولا يشبههم ولا يشبهونه، فالخالق غير المخلوق، والمخلوقون أنواع منهم العظيم ومنهم الصغير الذي لا قوة له، ولكن في ذلك الصغير براهين قوة الخالق، فتحوله من العدم للوجود قوة أكبر من قوى تلك المخلوقات العظيمة مجتمعة.
اما صاحب القرنين فكائن عظيم قديم، له علاقة بهذا العالم وبالعوالم كلها، يسمونه صاحب القرنين، أو ذو القرنين، وقرناه نسيج من الطاقة النقية الأولية، وله ثلاثة أعين، عين ترى الأدق عظيما، وعين ترى العظيم دقيقا صغيرا، وعين ثالثة فيها طاقة تحول العالم كله إلى غبار، ومن تنظر إليه إلى حجر، لأنها عين يمكنه فتحها خلف الستارة العظمى حيث نور العظيم الأعظم.
لاشك أنه له قصصا، فهو صاحب الصيحة المدوية التي ستحول مدينة إلى ركام واهلها إلى حجارة، وهو الذي سيغرق تلك المدينة العظيمة في زمن سيسمونها فيه أطلنتس، وله جنود كثيرون، وهو حاكم بأمر القدير، إنه التنين الأعظم الكبير صاحب قوة الموت والفناء، وبجانبه الحكيم الأكبر صاحب النور الأخضر الذي يحمل سر ماء الحياة ويملك طاقته ويشرب من معينه، من ذلك الماء الذي نبت منه كل شيء، وسينبت منه كل شيء بعد أن يموت كل شيء، ماء الفردوس العالي المنكسب من فوق، من ماء الأفق الأعلى، الماء الذي كان يوم لم يكن في الوجود شيء، والذي تكون من النور الأزلي الأول.
انظر إلى صاحب القرنين يحمل الجبل فوق أولئك القوم الذين سيسألون عنه فياتيهم جواب فيه مكر وحكمة، وهو الذي يحكم بين تلك الكائنات ويسجن بعضها.
أما الحكيم الأخضر فهو معلمي ومعلم كل معلم قبلي وبعدي: وله أدوار يؤديها: سينقذ ذلك الشاب من ملإ يريدون قتله، ثم يظهر له مرارا: مرة يدله على بئر في الطريق، ومرة يرافقه كراع يرعى معه، ومرة يجده فوق الماء حيث ملتقى البرازخ الذي يسري فيه ماء الحياة، وهنالك يرجع الحوت حيا، ويمضيان في دروس ثلاثة. ولكل دور يؤديه تشكل يتشكله.
ويكون مع الفتية الذين يحملهم إلى كهف ينعدم فيه الزمان، ويوقظهم ويأمرهم بأن يشتروا بورق كان يخفيه مئات السنين دون أن يتلف، وكان قبل ذلك يقلبهم يمينا وشمالا، ومن خلفهم صاحب القرنين يعطي طاقته المرعبة، ويحول بقوته العظيمة الشمس عن الكهف. فهو ثامن السبعة المختفي بينهم وليس منهم. وهو صاحب ذلك الرجل الذي يموت مائة عام ويصحو، وصاحب المبتلى الذي يأمره بأن يركض برجله لينهمر ماء الحياة، هو رجل المهمات الخاصة.
إنهما معا منذ البداية ويبقيان معا إلى النهاية وبعدها، يتفاعلان كالبياض والسواد، كالنهار والليل، كالحركة والسكون: فالمعلم الأخضر العظيم، توأم صاحب القرنين، مثلما أنتما توامان، والحقيقة أن رمز اليين يانغ يتحدث عنهما: صاحب القوة المظلمة وفي أعماقه خير وإيمان، وصاحب النور الرحيم وفي أعماقه قوة التنانين، كأن الأخضر ضمير صاحب القرنين، وصاحب القرنين تنين الأخضر الذي يستحضره إذا احتاجه، وكأنهما يسكنان في بعض رغم انفصالهما، ففي أعماق التنين يسكن الحكيم، وفي أعماق الحكيم يربض التنين منتظرا.

بدت الحيرة على محيى يين، في حين أطرق يانغ برأسه، وهما يتساءلان: هل قرأ المعلم كتاب الأزمنة؟
أجاب المعلم: بل قرأت صفحة من كتاب، فيها مشاهد كثيرة مما كان ومما سيكون، قرأت ذلك عند الشجرة، وعلمت أن كل شيء تم تدوينه سلفا، صوتا وصورة لا مجرد كتابة، أطيافا كانت وأخرى ستكون، لكن ذلك لا يمنع المخلوق من أن يحاول أن يفعل الأفضل، رغم أنه لن يغادر حدود صفحته المكتوبة في ذلك الكتاب العظيم بحروف القدير الأبدية.

في ختام الدرس الأخير، قال المعلم لهما وهو يرى داخل عقله قدرات كل واحد منها في رؤية الأشياء تسارعا وتباطؤا: في عين السرعة يبدو الزمن كله لحظة، وفي عين البطئ تبدو اللحظة دهرا كاملا. وهكذا تختلف النظرة باختلاف العين الناظرة: فمن ينظر إلى الخلق بسر عين الخالق سيرى كل معقد بسيطا، مهما كانت درجة التعقيد.
ومن ينظر للخلق بعين الخلق نفسه، فسيرى كل بسيط معقدا، مهما كانت درجة البساطة.
كل هذا الكون الشاسع وما يحتوي، بسيط جدا بالنظر إلى قدرة خالقة وحكمته وعلمه. مجرد كلمة لا أكثر.
كل ما تراه بسيطا، هو كون من الكوامن المعقدة، كون من العوالم المتفاعلة، من الذرات وما دونها، من النظم والقوانين والحسابات والطاقات.
سيكون للبشرية ذات يوم علم رياضي وكوني كبير، لكن طالما لم تبصر أعين عقولهم سر الخالق في المخلوق، فسيكون علمهم ناقصا وفهمهم قاصرا.
أما المكان فيُطوى بسر يمنحه الخالق لمن أراد، ولكن السر منطو في العالم لا قادم من خارجه.
إن العالم يحتوي نظما غير مرئية، نظما لا يفسرها منطقنا العادي، المنطق الذي تم زرعه في عقولنا، ودعمته النظم التي نعيش فيها، فليس من المنطقي عند البشر أن تكون المسافة الطويلة بين النقطة الأولى والنقطة الثانية والتي تحتاج إلى قوة وسرعة وزمن لتجاوزها، ليس من المنطقي أبدا القفز بين النقطتين دون قوة ولا سرعة ولا زمن، فقط بطيّ المكان نفسه، والتسلل عبر فراغات الزمن حيث لا زمان.
وهل هنالك فراغ للزمن يا معلم؟
أجل، هنالك نطاق حيث الزمن لا زمن له، لا توقيت، لا تتابع، زمن متوقف، أو لا زمن. وفي تلك النقطة تحديدا تعيش الأرواح، فأمسها وغدها وحاضرها واحد، أما نحن فلنا سيرورة زمن بتسارع معين، وللكائنات الأدنى والأعلى سيرورات أخرى، تسارعات مختلفة، أزمنة في زمن كبير واحد. فزمن نتج عنه المكان، وزمن نتج فيه المكان، وزمن نتج عن حركة المكان، وزمن ينتج عن تفاعل الذرات الأدنى للمكان، وزمن لا ينتج عن شيء من ذلك بل هو مواز له. وأزمنة أخرى تتخلل بتسارعات تختلف بين وعي الكائن وبين التسارع الفعلي، فعين الذبابة لها تسارع ادراكي للزمن يجعل الخنجر السريع الذي يلقى عليك يبدو بطيئا جدا، وتلك قوة عين يانغ، وزمن يبدو فيه عمر الكون كله لحظة قصيرة مضت وانقضت، وتلك قوة عين يين. إنهما العينان في رمز اليين يانغ. وما في الرمز تعبير عن علاقات الأمكنة والأزمنة أيضا.
عن حكايات الزمن وأنماطه وما هو قادم منها وعن لملاحم الكبرى ما وقع منها وما سيقع كتب يانغ، وكان كتابا كبيرا استغرق بقية حياته بعد أن وهبه المعلم زيتونة المعرفة، ثم حمله تلاميذه إلى مدن كثيرة يتدارسونه بينهم، ومنهم قرأ فلاسفة كبار، ومعلمون عظماء، ومنه أيضا أخذ بعض الكهنة وحرفوا ما أرادوا في قصص الأولين. ثم استقر الكتاب أخيرا عند حكيم من حكماء المايا، بعد رحلة بحرية طويلة لمعلم فر من بطش الحكام، ودون ذلك الحكيم منه أمورا، في معبد قديم، ثم آن لمايا أن تلاقي مصير أطلنتس في نفس اللحظة، لأنها كانت فرعا منها، وظهرت بعدها شعوب اخرى نسيت كل ذلك، وبقي العلم سجين النقش والرموز والحجارة.
عن انبعاج المكان ألف يين، وكتب كتابا أخفته الأجيال حتى بلغ أهل أطلنتس، ففعلوا به الأعاجيب، وبنوا أهراما كبرى، وبنوا لها فروعا في مصر وأنكا ومايا وازدك ومينوس ومدن أخرى، وبنوا نظاما كبيرا في قطب الجليد جنوب الأرض، وحفوا عميقا، واستطونوا أعماق البحر، وطلوا أهرامهم بالذهب وبنوا بعضها بالماس النقي المليء بالطاقة الكونية، ووضعوا فوقها لؤلئات حمراء تساهم في النقل البعدي، ثم مستهم يد التنين الأسود المظلم، فصار ذلك العلم سبيلا للعبث، وتلاعبوا بالجينات، وغرقوا في الملذات، وابتكروا الآلات فطاروا في الجو وغاصوا في البحار وأعماق الأرض، وظنوا أنهم الأقوى، إلى حين دمارهم، حين ظهر بينهم معلم يردهم للنهج فكادوا أن يردوه قتيلا، ولم يتبعه منهم إلا قلة من تلاميذه، سبعة لا أكثر، وظهر المعلم الأخضر فأنقذه، ثم لمعت نقطة في البحر وظهر صاحب القرنين وأطلق صيحته المرعبة، وصار كل شيء ركاما، وهجم البحر وانطوت المادة وانكمشت الأرض في ضغط رهيب من قوة القرنين، وظهر في الجو جيش غطى الشمس، وحول جيش أطلنتس الذي لم يكن في تاريخ البشر مثله إلى زبد متلاش على صخرة عظيمة، وكان ذلك هلاك إرم الأولى، أعظم الممالك بعد الطوفان العظيم.
ثم عاود قوم آخرون اكتشاف بعض من تلك الكتب النائمة داخل أعمدة وصناديق وأهرام صغيرة في أعماق البحر، والبعض بقي تحت قدم ذلك التمثال الكبير، هنالك قرب الهرم، حيث كان أحد الناجين السبعة، من الإبادة الكلية لقارة بأكملها.

يقول بعض الرواة أن المعلم يين توفي قبل شقيقه، ويجزم آخرون أنهما توفيا معا، وهما ينظران للسماء كما كانا يفعلان حين كانا صبيين.
كانت السماء صافية جدا، أمسك بيد شقيقه الذي تجاوز التسعين، وشعر بيد طفل صغير، هنالك في القرية قرب الجبل حيث النهر الأبيض المنساب، فجأة انفتحت السماء، وظهر قوم بملابس بيضاء يبتسمون، ورأى يين أمه وأباه والمعلم، نظر يانغ إليهم وإلى العوالم الجميلة فوقهم، ثم حلق مع أخيه كما كانا يفعلان في تمارين الانفصال البدني عن الجسد، كانا يشعان بأنوار رائعة، وكانا للمرة الأولى يلبسان نفس اللباس الأبيض، وحين نظرا أسفل كانت الأرض كوكبا أزرق صغيرا يلف بسرعة، وكان في أحد قطعه نهر وجبل، وأرض خضراء، يتسلقي فوقها شيخان مسنان يمسك أحدها يد الآخر وعلى وجهه ابتسامة عذبة، وكان قوم من المزارعين يأتون ببطئ، ثم يركضون باتجاه المعلمين، وشاب يمسك بهما ويصرخ: جدي، جدي.
كان أمرا جيدا أن ابن يانغ تزوج ابنة يين، ورغم اختلافهما الكامل في الطباع، فقد أنجبا شابا جميلا، اسمه كي تونغ.

منشورات ذات صلة

مقدمة مجموعتي القصصية “وجوه”
  “وجوه”، هكذا أراد الحرف لتشكل ملامح شخوص هذه المجموعة، وجوه متعددة متناقضة تمثل الحياة بجوانبها، بين الرمزي والمباشر، وبين العجائبي والواقعي، ضمن نسيج...
< 1 دقيقة للقراءة
قطار…شجرة…وأوراق… من مجموعتي القصصية “وجوه”
كنت في القطار، وكان قد مضى من الليل نصفه أو أكثر. في تلك الرحلة التي كان علي أن أقوم بها، وقد كنت قبل ركوب...
3 دقائق للقراءة
حكاية “خائن”
حكاية “خائن” من مجموعتي القصصية: وجوه مازن الشريف خائن خائن خائن!! وماذا في الخيانة؟ عيب أم عار؟ يا للمتخلفين الحمقى، أصحاب الشعارات والمثل والأخلاق...
5 دقائق للقراءة
تشي…ملِك الطاقة الحيوية من رواية المعلم
*تعني كلمة تشي chi باللغة الصينية الطاقة الحيوية، وفيها فنون كثيرة من بينها فن تايتشي. لم يكن تشي يذكر طفولته لأحد، ويحتفظ بها في...
3 دقائق للقراءة
حرب المعنى…من تايبنغ إلى برهان. من رواية المعلم
منذ أزمنة سحيقة غابرة ، في عالم بعيد عن عالم الفانين، حيث الخلود ممكن والاندثار ممكن ايضا، هنالك قبل ان توجد ارضكم وشمسكم ،...
8 دقائق للقراءة
حكاية تنين من روايتي: المعلم
ليس الأمر معقدا كما تعتقدون، بل هو بسيط جدا، فقد وُجدت تنينا. فتحت عيني في واد شاسع، وغادرت البيضة، لم أعرف لي مصدرا. ومن...
5 دقائق للقراءة
أخضر من مجموعتي القصصية: وجوه
لم يكن “أخضـر” رجلا عاديا، بل كان رجلا خارقا، صحيح أنه لم يكن يطير أو يحرك الأشياء دون لمسها، لكنه رغم ذلك رجل خارق،...
8 دقائق للقراءة
شجرة الحكمة وجبل الخلود كما وصفهما مخطوط ينسب للمعلم الكبير من روايتي: المعلم الكبير
حين ارتفعت بي الغيمة كانت روحي تشف حتى رأيتني كالبلور ورأيت أحاسيسي وأفكاري خيوطا ملونة. وكان التنين الأبيض يحملني في الغيمة، ومن حولي كرة...
10 دقائق للقراءة
شيطان
لم اتصور اني سألتقي في حياتي شيطانا، ليس مجازا، ولا رجلا سيئا كالشيطان، بل شيطانا حقيقيا، كائنا من عالم الظلام، لكن ذلك حدث، ووجدتني...
11 دقائق للقراءة
“وهم” (محاولة فاشلة لقصة غير حقيقية)
كنت صغيرا حين التقيت “وهم” لأول مرة. كان أنيقا كأحد نبلاء القرون الوسطى، مراوغا كثعالب القصص، مرحا ككل الأوهام المخاتلة. ورغم عمره الطويل، فهو...
11 دقائق للقراءة