قطار…شجرة…وأوراق… من مجموعتي القصصية “وجوه”

3 دقائق للقراءة

كنت في القطار، وكان قد مضى من الليل نصفه أو أكثر. في تلك الرحلة التي كان علي أن أقوم بها، وقد كنت قبل ركوب القطار مختلفا تماما، او هكذا أتصور، لكن ذاكرتي داخل القطار صارت محدودة به، محددة في أحداث حصلت لي داخله، رغم أني ركبت منذ برهة فقط، وملامح الركاب تبدو لي مألوفة مع أني أراهم في القطار لأول مرة، فهل التقينا من قبل في محطة أخرى أو مكان آخر، حقيقة لا أذكر.

كانت تتعالى الأصوات بلغات كثيرة ونبرات عديدة، وتعبق روائح يمكن التمييز بين بعضها: كرائحة الشاي والقهوة والطعام. وقفت بجانبي طفلة وأخذت تجذبني من قميصي وتضحك، جاءت أمها وأخذتها وهي تقول: اتركي والدك يتأمل، الغرفة متسعة، العبي في مكان واحد.

أجل أعرف هذه الأنثى، لعلها زوجة الرجل الذي أراه في القطار ينظر إلى المرآة، وهو يشبهني إلى حد كبير، وكأنه أنا.

هل كنت في القطار حقا أم في منزلي، وهل كان لي منزل، وماذا أفعل في القطار إذا؟

هل ركضت لألحق به، أم وصلت قبل الموعد وانتظرته مطولا، وجلست أقرأ في كتاب، رواية على ما أعتقد، فيها أحدث معقدة وشخوص كثيرة، أو كتاب علمي معقد، بل أقرأ بعضا من الشعر، وأكتب أيضا. وربما جلست بجواري فتاة تعتني بأظافرها وجدائل شعرها وتنتظر القطار أو شابا تواعدت معه هناك. هل ستفر  معه؟ أم يمضيان للدراسة في مدينة أخرى. وهنالك عجوز تتألم: لم يعد في الحياة شيء يستحق، مضى الشباب وذوى الجمال، لقد كنت أجمل منها، تشير إلى تلك الفتاة التي تداعب قطة أو جروا صغيرا وتنظر شابا وسيما أو لعلها لا تنتظر أحدا.

ذلك الرضيع لم يتوقف عن البكاء في القطار. ورجني قاطع التذاكر: ألا تهتم لابنك، إنه يبكي وزوجتك في المطبخ. كان يشبه أبي ولكني لا أذكر ملامح أبي وأنا في هذا القطار. هل أنا في القطار حقا أم في المحطة أم في بيتنا بجانب النهر. بيتنا بجانب النهر، أم في مكان صحراوي جاف. بل هو قرب جبل مرتفع جدا. هل انا مصاب بفقدان الذاكرة.

صوت امرأة تقول: إنه يغرق في أحواله هذه كل مرة، وقد يستر الحال أياما. حياتي معه لم تعد تطاق. وصوت كصوت حماتي يقول لها: الفلسفة لعنة يا ابنتي. والتفكير والكتابة يذهبان العقل. حذرتك قبل الزواج منه.

في القطار شاب يبتسم ويدخن بشراهة. لعله يتعاطى…قال للمرأة التي تشبه زوجتي. لكني أغمضت عيني لأتخلص من كل الأصوات، وأرجع إلى مكاني في ذلك القطار.

فجأة هجم علي النوم كأفعى تنظر إلى أرنب يعينين من مغناطيس، وبدأ الخدر يسري إلى جسدي، سمعت صوت تلك الأنثى التي تشبه زوجتي التي لا أذكر أني تزوجتها تقول للرجل الجالس قبالتي في القطار: لعل الحقنة تريحه قليلا، يحتاج إلى النوم.

صحوت وكنت شابا قويا لا يشبه الرجل الراكب في القطار، فقد كان رجلا أشعث غائر العينين. وقفت ومشيت قليلا فرأيت مرآتا، قفزت فيها فوقعت في نهر جار صارعت مياهه حتى بلغت غابة عظيمة لم أر مثلها، ثم اقتربت مني الغابة حتى وجدتني في وسطها، ورأيت شجرة فيها تسعون غصنا، لكل غصن اثنا عشرة فرعا،  في كل فرع ثلاثون ورقة، في كل ورقة أربعة وعشرون خطا غليظا، لكل خط ستون خط صغير على جوانبه، له ستون شُعيرة رقيقة،  في كل شعيرة ستون نقطة، في كل نقطة نقاط أدق تحتوي نقاطا أدق منها في مسار حلزوني لا يكاد ينتهي. فسألت لمن هذه الشجرة، فقيل: هي شجرتك. فبدت صور حياتي على الأوراق ما مضى منها وما سيكون.

ثم نظرت فإذا كل شيء في الشجرة متحرك، تزول النقاط الأدنى فالأعلى تباعا ثم تزول الخطوط الأدق فالأغلظ حتى إذا صارت الورقة بلا خطوط جفت ووقعت.  ثم رأيت أربعين غصنا أجردا لا ورقة عليه.

فقالت لي الشجرة: قد ضيّعت أوراقا كثيرا عبثا جزافا، فلا تضيّع ما بقي..

ثم رفعت رأسي فإذا غابة لا حد لها فيها ما لا يدركه خيالي من الأشجار، بعضها أجرد لا ورقة عليه، وبعضها وارف لم تسقط منه ورقة. وفيها أشجار سقطت منها ورقات يصدر منها صوت رضيع، وأخرى يافعة سقط لعشرين من أغصانها أوراقها وبقي ما بقي، وشجر سقط كل أوراق أغصانه وبقيت وريقات ذابلات تئن أنين عجوز يحتضر.

وفي الغابة أشجار فيها غصنان وسبعة أغصان وأخرى فيها مائة غصن.

وحملتني الروح إلى غابة أشجارها أكبر، على كل شجرة ألف وألفان إلى عشرة آلاف غصن، وقيل لي تلك أشجار الأولين. ورأيت شجرا يصدر عنه نور يغشى الابصار وشذى فواح عليها ثمار طيبة وأزهار جميلة. وأخرى فيها شوك وثمر سيء فاسد يصدر عنها دخان أسود ورائحة كرائحة العفن. وشاهدت أغصان من حولها طيور ألوانها زاهية وزقزقتها شجية وشدوها مطرب، وأخرى فوقها غربان سوداء تلمع أعينها. وحين صعدت إلى أعلى رأيت غابات أخرى لأشجار بعضها صغير بحجم حبة قمح، وبعضها عملاق. فقيل لي: أمم أمثالكم، تعيش، تموت، وتُبعث.

وفوقها كواكب في كل كوكب غابات كثيرة فيها شجر بعدد النجوم وحبات رمل الصحراء وقطر مياه البحار والأمطار.

ثم بدت لي أشجار لا يسقط ورقها ولا يتغير حالها، رأيت في أحدها صورة تشبه صورتي، وانتبهت من غفوتي، ولمّا تشرق الشمس بعد، في ذلك القطار الذي يستمر نحو غايته، وهو يعوي كالذئب المجروح……

 

سوسة 3 سبتمبر 2019 \ 14:30

منشورات ذات صلة

مقدمة مجموعتي القصصية “وجوه”
  “وجوه”، هكذا أراد الحرف لتشكل ملامح شخوص هذه المجموعة، وجوه متعددة متناقضة تمثل الحياة بجوانبها، بين الرمزي والمباشر، وبين العجائبي والواقعي، ضمن نسيج...
< 1 دقيقة للقراءة
حكاية “خائن”
حكاية “خائن” من مجموعتي القصصية: وجوه مازن الشريف خائن خائن خائن!! وماذا في الخيانة؟ عيب أم عار؟ يا للمتخلفين الحمقى، أصحاب الشعارات والمثل والأخلاق...
5 دقائق للقراءة
يين يانغ، التكامل المتناقض من رواية المعلم
بالرغم من التطابق الكلي بينهما في الشكل، فإن يين ويانغ كانا مختلفين تماما من الداخل. ولدا في أسرة ثرية في أرض التيبت، قريبا من...
11 دقائق للقراءة
تشي…ملِك الطاقة الحيوية من رواية المعلم
*تعني كلمة تشي chi باللغة الصينية الطاقة الحيوية، وفيها فنون كثيرة من بينها فن تايتشي. لم يكن تشي يذكر طفولته لأحد، ويحتفظ بها في...
3 دقائق للقراءة
حرب المعنى…من تايبنغ إلى برهان. من رواية المعلم
منذ أزمنة سحيقة غابرة ، في عالم بعيد عن عالم الفانين، حيث الخلود ممكن والاندثار ممكن ايضا، هنالك قبل ان توجد ارضكم وشمسكم ،...
8 دقائق للقراءة
حكاية تنين من روايتي: المعلم
ليس الأمر معقدا كما تعتقدون، بل هو بسيط جدا، فقد وُجدت تنينا. فتحت عيني في واد شاسع، وغادرت البيضة، لم أعرف لي مصدرا. ومن...
5 دقائق للقراءة
أخضر من مجموعتي القصصية: وجوه
لم يكن “أخضـر” رجلا عاديا، بل كان رجلا خارقا، صحيح أنه لم يكن يطير أو يحرك الأشياء دون لمسها، لكنه رغم ذلك رجل خارق،...
8 دقائق للقراءة
شجرة الحكمة وجبل الخلود كما وصفهما مخطوط ينسب للمعلم الكبير من روايتي: المعلم الكبير
حين ارتفعت بي الغيمة كانت روحي تشف حتى رأيتني كالبلور ورأيت أحاسيسي وأفكاري خيوطا ملونة. وكان التنين الأبيض يحملني في الغيمة، ومن حولي كرة...
10 دقائق للقراءة
شيطان
لم اتصور اني سألتقي في حياتي شيطانا، ليس مجازا، ولا رجلا سيئا كالشيطان، بل شيطانا حقيقيا، كائنا من عالم الظلام، لكن ذلك حدث، ووجدتني...
11 دقائق للقراءة
“وهم” (محاولة فاشلة لقصة غير حقيقية)
كنت صغيرا حين التقيت “وهم” لأول مرة. كان أنيقا كأحد نبلاء القرون الوسطى، مراوغا كثعالب القصص، مرحا ككل الأوهام المخاتلة. ورغم عمره الطويل، فهو...
11 دقائق للقراءة