ضبع (قصة غير واقعية) ملاحظة غير مهمة: كل أبطال هذه القصة من صنع الخيال، وكل تشابه بينها وبين شخصيات من الواقع لا يعدو أن يكون مصادفة أليمة، ليس أكثر.

8 دقائق للقراءة

لا أحد يذكر اسمه الذي سماه والده به، أو سمّته أمه، فهم لا يعرفون من أبوه، ولا يذكرونه طفلا، فقد جاء إليهم شابا، ولكنهم يذكرون كل سرقة قام بها، رغم كثرتها، وأيام تحيّله وفسقه التي استمرت، بل والأشهر التي تحول فيها إلى داعية كبير كما ذكر المنبهرون به، وهو يحثو عليهم المال ويدعوهم للجهاد والقتال، ويتزوج أجمل صبايا المدينة قبل أن يمضين إلى حيث لا رجوع، ثم يرونه مسؤولا كبيرا ونافذا، ولكن الاسم الذي أطلقوه عليه منذ سنوات لم يتغير، ولا أحد يأبه للأسماء الكثيرة التي قدّم بها نفسه هنا وهناك، فهو عندهم هو، كما هو، لص ولو اختلفت أشكاله، وهو كما سموه: “ضبع”.
لم يكن “ضبع”، صاحب العينين الثاقبتين والوجه الشاحب، سوى شاب ملأت الأحقاد قلبه، ربما أنه مظلوم في الطفولة وشقي فيها، فلم يعرف له أبا ولا أرى من أمه سوى صراخ امرأة تعيش بين الخمر وأحضان الرجال، ولكنه حين غرز السكين في صدرها وتبادل اللكمات مع عشيقها قبل أن يقتله أيضا، نزع ثوب بشريته ولبس ذاتا أخرى، وتحول من بشري إلى… ضبع.
قيل أنه سجن لسنوات، ثم تم الافراج عنه بشكل مريب غريب، بعد خمس سنين، وكان قد بلغ حينها العشرين عاما أو أقل.
يوم جاء إلى تلك المدينة كان على وجهه آثار معاركه في السجن، وكان جسمه قويا يافعا، ونظراته تشع بالشر وتلمع بالمكر.
جلسة التعارف مع مجرمي المدينة لم تكن طويلة، بعض اللكمات والطعنات وانتهى الأمر، وصار زعيم المجرمين الجديد، رئيس عصابة شاب.
ضبع لا يعرف اضاعة الوقت، يعمل بسرعة ويركز اهتمامه على المهمات التي يكلفونه بانجازها، صار فردا من تنظيم كبير لا يعرف كل أبعاده، ولكنه جعل لنفسه طريقا خاصا فيه، ووضع قوانين لتنظيم تحركاته، والأمر عنده بسيط جدا:
*من كان أقل منك قوة: فعليك أن تدوسه.
*كل حسناء ولم تعطك قلبها طوعا: اغتصبها.
*من أصبح صديقك المقرب وأمين سرك فتخلص منه بسرعة.
*كل غاية مهما كانت صعبة: يمكن بلوغها بالخيانة.
*لا أحد قوي كفاية: أمام غواية النساء والمال والجاه، أو رهبة الدم.
*وإن وجدت أحدا بتلك القوة، فاعمل على قتله، أو على تشويهه.
تلك قوانين الضبع التي طبقها بدقة، مستعينا بزمرة من أفجر البشر، ولم تنجح الشرطة في إيقافه، ولعل له انصارا يدعمونه من الداخل لأجل المال أو الخوف..
المهم: صار ضبع ملك المدينة الذي يحكم من خلف الظلال.

خلال سنوات، ومع هبوب رياح جديدة، تقمص الضبع أشكالا كثيرة، فرآه الناس صاحب حانة، وبائع خمر ومخدرات، بعد أن كان لصا حقيرا، يسطو على البيوت ويعترض المارة، ثم ارتبط بالمافيا، وسافر لدول كثيرة، ولبس ملابس أنيقة، وأتقن الكلام، وتلوّن، ولكنه بقي رغم كل ذلك: ضبعا.
ليس عليك أن تحبني، قال للراوي وهو ينفث دخان سيجارته الثمينة، وعلى أصابعه تراصت خواتم الذهب والماس، وفي عنقه ما يجعل الكلاب تغار.
أنا رجل أعمال، واحسن ركوب الأمواج، ولعلك تريد رسمي بشكل يجعل القارئ يكرهني، ولكن تيقن أن الكثيرين مثلي.
على فكرة، أكره كلمة “مثلي”، وإن كنت استخدمت ذلك ورقة من أوراق اللعب، وكسبت منها مالا كثيرا.
هنالك كثير من المجرمين الذين يخافون من إظهار ذلك، لكني اعرف فصيلتي جيدا، الضباع، أضاف ضاحكا.
وما العيب في الضبع، يأكل الجيفة، ويأكل حتى صغاره إن جاع، انظر لسبع هرم كيف تأكله الضباع، انتقاما للغزلان، لا، ولكن لأنها الضرورة، والمتعة أيضا.
نحن ننتشي بذلك، ونعيش من أجل ذلك، اشتم الضباع إن أردت، ولكن هل تظن أن الضباع ستبالي؟
لقبني رجل ضربته بالضبع، فتوقفت عن ضربه، وفرحت كثيرا، لأني وجدت اسما يناسبني، وكان بعضهم يقولها انتقاما مني وشتما لي، وكنت أراها مدعاة للفخر.
لقد انتظرت الضباع حتى جاء زمنها، وهذا زمننا الذي كنا ننتظر.
ولكن لسنا غرباء عن التاريخ: الضباع هم من صنعوا التاريخ، من تآمروا فيه على بعضهم وعلى الآخرين، او من كتبوه وشوهوه على الأقل. اقرأ وسوف تكتشف بنفسك حضرة الراوي المخضرم.

الشيخ ضبع، أو الشيخ أبو حدّين الشنقري، نسبة لمدينة “شنقر” التي اشتهر بها، وهو اسمه في العالم الافتراضي وشبكة الجماعات التي تصنع الموت، وقد كان ذا حدين فعلا: فأمام أتباعه هو الناسك الراهب، وحين يختلي مع شياطينه وأفراد عصابته الذين صاروا جميعا شيوخا، فهم يستذكرون الزمن الجميل مع الخمر والغواني، ولكن بما يرضي الله.
كيف تحولت إلى شيخ؟ وهل هذا سؤال؟ أتظن أن الضباع تعجز عن تقمص الدين؟
*إن أفضل طريقة لنيل الدنيا، هي لباس قناع التدين.
*ليست المعضلة في الجهل في الدين، بل لو عرف الناس الدين الصحيح، فهي مصيبة لنا جميعا.
هكذا كان يقول لأتباعه المقربين، ضمن قوانين أضافها لقوانينه الأولى:
*من كان أعلم منك بالدين فتعلم منه ما تستخدمه لمهمتك، ثم اقتله.
*من بالغ في الكلام عن رحمة الله فقد كفر ودعا الناس لارتكاب المعاصي، ومن أفرط في ترهيب الناس من عذابه وذكرهم كل دقيقة بعذاب القبر والثعبان الأقرع، وجعلهم يكرهونه وينقمون على دينه، فهو منا ونحن منه.
دين لا رحمة فيه، دين مزيف يحمل اسم الدين الحقيقي، ورب مزيف يحمل اسم الله، ونبي مزيف يحمل اسم النبي الذي بعثه الله، ذلك هو ما يناسب الضبع كي يملأ بطنه وجيبه ويرضي مرض قلبه.
أنت مريض القلب وليس أنا، قال للراوي وهو يقصد الكاتب نفسه، أعلم انك لا تحترمني، وأنا لا أحترمك، ولا تجمعنا سوى هذه القصة، ولكن اسمع جيدا، سوف ترى الضباع في كل مكان:
*ضبع يمسك كأس خمر، وضبع يمسك مسبحة.
*ضبع يعمل في تجارة السلاح والمخدرات، وضبع يعمل في بناء المساجد.
*ضبع يعمل بالعاهرات، وضبع يعمل بالسياسة.
وسوف ترى الضباع في كل مكان فيه فرصة، مجال للربح، يتخاصمون فوق الطاولة، وأيديهم تحتها تتاقسم الغنيمة.

لم يفقد ضبع أبدا لياقته، ولا نهمه للأكل والنساء، ولكنه حين تقمص دور الشيخ تعب كثيرا في التظاهر بالورع، والتباكي كلما مر بآية فيها كلام عن العذاب، كأنه يعلم أن جهنم مصير الضباع.

مرّ يوما بمنزل فيه فقراء، فقفز من السيارة الفارهة التي يركبها، وحمل بعض المال ومنحه لهم وهو يتمعنهم بدقة: المرأة عجوز فقيرة، ابنتها مطلقة، حفيدتها حسناء جدا فارعة القوام، وحفيدها يبدو على ملامحه العناد والقسوة.
بعد فترة قصيرة تزوج من الفتاة، وصارت تلك الأسرة في حال ميسور، وانتقلت إلى بيت في المنطقة الراقية من المدينة، بعيدا عن أحياء الفقراء، ثم صار ذلك الشاب مقربا منه، وبعد أشهر أتى إلى أمه وجدته وأخته وقد علت سحنته مساحيق الورع والحزن: أبشرن، إنه لكن شفيع يوم القيامة، لقد نفر في سبيل الله مجاهدا، واستشهد.
لم يخبرهم أنه فجر نفسه في حافلة مليئة بالأطفال.

ضبع فنان في كل شيء، خاصة في الخيانة، يخون حتى نفسه، ولا يرى للوفاء منفعة سوى أنه نوع من الضعف البشري، وفي اعماق نفسه يلحد بالله:
لو كان هنالك إله لكان عادلا معي، فقد ولدت ولم أجد لي أبا، ثم قتلت أمي، ثم قتلت آخرين.
ومرات أخرى يقول: لو كان هنالك إله لحاسبني، إني لا أزداد إلا قوة ومالا. لا وجود لإله.
ولكنه لا يقول هذا إلا لشيطان نفسه.
هل كان يقرأ، نعم، تعلم القراءة في السجن، ولكن الأهم أن له ذاكرة ناسخة، ويحفظ من السماع، ويتكلم بضع لغات لا يمكنه قراءتها أو كتابتها، بلكنته وطريقته.

عندما أسس حزبه السياسي أراد أن يسميه: حزب الضباع، نكالا في أعدائه، لكنه سماه: ريش الحمام، ووضع عليه شارات السلام، وصار فجأة داعية للسلام والوئام والحب، حتى قيل أنه اعتنق المسيحية أو دخل في البوذية، ولكنه في الحقيقة دخل في اللعبة، بشكل اعمق.

“ادفع بلا حساب، تكسب بلا حساب”.
كان ذلك قانون ضبع السياسي.
ثم أضاف إليه بندا آخر: “اسرق بلا حساب، لتدفع بلا حساب”.
وفعلا أصبح لديه ما يفوق الوصف من المساعدين والأتباع، وصار صاحب باع في السياسة، ومنابر في الاعلام..
قالت له مذيعة مرة: “سيد احترام ما رأيك في نزاهة الانتخابات القادمة وفرصتك في النجاح”.
فأجابها مبتسما: “أنا أحترم الديمقراطية، وشعبنا شعب مثقف ومحترم”.
واحترام هو الاسم الذي سجله له مسؤول السجلات المدنية وهو ينظر إلى أمه بعد أن وُلد. لعله أراد أن يوصيها بالاحترام لعلمه بسيرتها، ولعله كان يسخر منها.
أو ربما القصة كلها من صنع ضبع الذي تمكن من تغيير السجلات وتغيير اسمه:احترام بن محترم الأشقر.
يوم أصبح احترام مسؤولا كبيرا بالدولة، فرح جميع اللصوص، فلهم اليوم ضبع في الباب العالي، ولكنه رجع إلى أتباعه بائسا حزينا: لقد وجدت ضباعا أشد مني قوة، تختفي في أثواب النمور والنسور. واتضح لي بعد كل هذه السنوات أني لم أكن ضبعا حقيقيا، كنت مجرد بيدق في أيدي الضباع السمينة.

لا أحد يعرف هل اغتالوه أم انتحر، ولكن الثابت أن زوجته حزنت كثيرا وحارسه الشخصي يضمها بحزن ويمسح دموعهن وهي تحكي كيف وجدته مطعونا في ظهره وصدره، وكيف سمعت صوت رصاصة تخترق النافذة قبل ذلك أو بعده، تخونها الذاكرة لهول مصابها بالشيخ والسياسي ورجل الأعمال وفاعل الخير الذي أنفق الكثير من المال على العمل الخيري، احترام المحترم جدا والذي لم يكن ضبعا.
حارسه الشخصي لم يستطع الكلام من هول المصاب، واكتفى باحتضان زوجته قائده وملهمه كما كان يسميه، ليواسيها. لقد تركه ورجع للبيت وفي الطريق سمع صوت الرصاص ورجع مسرعا ليجد الصدمة في انتظاره: قُتل الزعيم الذي كان ملهما لكل من عرفه، قال وهو يمسح دموعه في حوار تلفزي بعد مقتله بأيام.

رجع من الملهى مرهقا وقد أفرط في الشرب، كان قد حلق لحيته الطويلة قبل عامين، ولبس لباسا الفرنجة الذين كان قبل فترة ينعتهم بالكفار وهو يمثل دور الشيخ ذي الحدين الذي اختاره اسما مستعارا لنشاطه مع تلك الجماعات والشبكات ومافيا المال والتجارة بالبشر وصناعة الحروب.
والملهى فيلا راقية تبدو معبدا لمن يراها من الخارج، تغمرها السكينة ويحفها الهدوء المطلق. ويجتمع فيها فاعلو الخير من أجل نشاط جمعياتهم الخيرية واللقاءات الفكرية ولثقافية والحوارات العميقة الهادفة، وبمجرد أن يصلوا إلى البهو الواسع بجدون مصعدا ينزل بهم بهدوء إلى مبنى تحت الأرض، بعازل صوت وتقنيات موسيقى وضوء، وفخامة كبيرة، حيث الجواري والخمور وما يطيب لكل الضباع من أمور، ويمكن للراوي أن يستسرل في خيالات كثيرة، لولا أن الكاتب أوقفه عند حد التلميح.
كان قد تعرف على جارية جديدة (كما يسمي بنات الليل)، ولعبت برأسه النشوة فشرب من الخمر ولف له حارسه الشخصي سيجارة فيها بنت إبليس كما يسميها، القنب الذي أدمن عليه منذ كان صغيرا. ولعله وضع له شيئا لم تنتبه له عين الراوي في شرابه، فتمايل وعربد قليلا، وقف فوق الطاولة بجسده الضخم وقرأ شعرا ركيكا وغنى بصوته الجميل ذي البحة العالية، والذي كان يترنم به في السجن أيام الصبا، لينسى عناء الليل والنهار، ويستعد للمعارك التي ستاتي.
كان شعره منفوشا ووجهه شاحبا كأن طائر الموت حط فوق رأسه،لفت به الأرض قليلا وهو ينظر إلى جميع الموجودين معه في الحانة، وابتسم وهو يتخيلهم ضباعا حقيقية:
في الركن فخامة ز الذي يمتلك مؤسسات خيرية تعمل سرا في غسيل الأموال وتسفير الشباب إلى محارق الحروب، ومعه جواريه، ورغم أنه لم يعد له شيء من قدرة على النساء، فهو يتسلى بمجرد النظر والخيال المريض.
بجانبه يقف المخنث الذي لا اسم له: يحسد كل فتاة جميلة، لأنها خطر على مستقبله، ويشتهي أن يحقق انتصارا بالقانون ليتزوج من صاحبه، وصاحبه منشغل بالنظر إلى فتاة تلبس لباسا قصيرا جدا وترقص مع عجوز مترهل.
العجوز هو معالي س، السفير المهم الذي يساعد كل من يريد أن يهدم. كلا بل هو رجل الأعمال الكبير ص الذي زار العدو مرارا ويعمل على نشر الشذوذ ويتقن الكلام عن الحرية والفلسفة، وله شركات كثيرة، وقد بنى مسجدا لجماعة الشيخ ذي حدين، واكتشفوا أنه مخزن سلاح في الحقيقة، لكن تم التشكيك في الأمر وتكذيبه والافراج عن جميع المعتقلين، وبعض المغتصبين والمنحرفين، في عفو لم تشهد تلك البلاد مثيلا له، كان بعده اجرام غير مسبوق.
معالي السفير لم يحظر ليلتها، لكنه يتابع من كاميرا أخفاها جماعته في المكان، ومعه جنرال ف الخبير في تلك الأمور التي لا يجرؤ راو على ذكرها.
في ركح الحانة ق يغني، وهو قواد شهير يعمل بأجمل الغانيات، حتى زوجته التي لم يتزوجها إنما أصول العمل تقتضي ذلك، لمزيد تحفيز الرغبة لدى مرضى الشهوات. وهو مستعد للمشاركة بنفسه في أي دور يمنحونه له، يحلم أن يصبح نجما.

غنى احترام حتى تعب، وطافت برأسه صور ذاكرته، رأى كيف طعن أمه، وكيف أصبح بلا أم، وكان قبل ذلك بلا أب، وهو لا يؤمن بإله، ولا يرى سوى مصيره المحتوم، يشعر أنه سينتهي، كاد أن يبكي، ثم بكى، ثم ضحك، ثم شتم وحاول ضرب أحدهم فوقع، ووقعت عليه قارورة خمر، تلوث لباسه الجميل، رأى انعكاس صورته في النافذة، رأى وجه الشيطان وكل وجوهه التي تقمصها، حمله حارسه الشخصي غ، ذلك الطفل الذي أنقذه مرة من مجموعة من المستذئبين وحرص على تدريبه وتعليمه حتى أصبح شابا قويا، وهو أمين سرّه وصاحبه، ولأجله كسر قانونه القديم: من أصبح صديقك المقرب وأمين سرك فتخلص منه بسرعة.
فأبقى عليه معه، فهو صبيّه المفضل، ورئيس حرسه، وأحيانا يتركه يقود السيارة بزوجته لقضاء شؤونها، وزوجته عاقر، أو ربما هو، المهم أنها لم تنجب له منذ سنوات، ربما صدمة قتل شقيقها بقيت مؤثرة عليها. وكانت تفرح كلما رأت حارسه الشخصي وتقول له: أحب كل من يحميك من المخاطر.

حين وقف في البيت، وجلس على الأريكة، فتح التلفزيون وسحب ابتسامة نحو فمه بصعوبة وهو يرى الحوار المهم الذي انتظره، وكان جسده يتصبب عرقا، ومنه تفوخ رائحة الخمر، والأرض تستمر بالدوران من حوله.
شعر بحرارة في ظهره، لم تكن حرارة، بل وجعا، شعر بوجع حار، ثم رأى زوجته ج تتقدم نحوه، جميلة التي خطف قلبها وأنقذها من الفقر، تحمل سكينا، كان شبيها بالسكين الذي كان يمتلكه شقيقها، وفي عينيها بريق مخيف، لأول مرة يشعر بالخوف، كان كضبع بين فكي لبؤة غاضبة، طعنته في صدره، وقع على بطنه من قوة الطعنة، لم يستطع التحرك، فالألم الساري في ظهره خنق أنفاسه، نظرت من النافذة، كان غريب حارسه الشخصي ينظر إليها بحزم ولهفة، وفي يده المسدس، طعنته في ظهره، ثم أقامته ليستوي جالسا، وقبّلت جبينه وهمست له: أبشر، ستشفع في جميع الضباع، وأنا سأرسلك إلى الجحيم، لعلي أفتدي بك شقيقي الذي قتلته.

بعد عام تزوجت جميلة من غريب، وأسست جمعية باسم احترام، وفاء لروحه. وأنجبت منه طفلا لا يشبهه.
لقد عشقته حين كان يقود السيارة للتسوق، ولامست مرة كتفه وهو يقود بها، لتجد نفسها في أحضانه بعد فترة قصيرة.
خططا لكل شيء بسرعة: يجب أن يموت ضبع، لنعيش حياتنا.
كان قلبها قد امتلأ حقدا على زوجها، وكان غريب يكره الضباع كلها، وإن كان واحدا منها، لعله كان ذئبا بريا يتنكر في هيأة ضبع.
ليلتها وضع له المخدر في كأس الخمر، وأرسل بقية حراسه إلى منازلهم: أنا أتكفل بإيصال المعلم، قال لهم.
ومضى به في طريق ملتف لتطول المسافة حتى تيقن أنه صار عاجزا عن الحركة، واحتار كيف لم يفقد الوعي بعد، يا له من ضبع عنيد.
وضعه على الأريكة، وعجب كيف تمكن من الجلوس، كان يريد أن يطلق النار على رأسه مباشرة بالمسدس الذي اشتراه له، لكنه خشي منه، أو ربما استحى.
من النافذة رآه ينظر للتلفاز، كانت القناة تبث حوارا معه، فأطلق رصاصة على ظهره اخترقت قلبه، ثم رآها في ملابسها الشفافة الساحرة، كان مزيجا من الخوف والغضب والنشوة يسري في عروقه، مشت إليه كالأفعى بقوامها الرشيق، وطعنته، ومنذ تلك اللحظة ركبه خوف عميق منها، لقد كانت أفعى كوبرا تقتل ضبعا، وكان ذئبا بلا ضمير.

لعل الراوي يريد أن يذكر أن غريبا دس السم لجميلة فقتلها، أو أنها تفطنت أنه يخونها فقتلته، ولكن الثابت في جميع الأحوال أن تلك الضباع استمرت في قتل بعضها والتآمر والخيانة، وبقي مصير القصة مجهولا، في وطن مجهول، وزمن مجهول، ومدينة بلا ملامح.

سوسة
23/01/2019 16:59

منشورات ذات صلة

مقدمة مجموعتي القصصية “وجوه”
  “وجوه”، هكذا أراد الحرف لتشكل ملامح شخوص هذه المجموعة، وجوه متعددة متناقضة تمثل الحياة بجوانبها، بين الرمزي والمباشر، وبين العجائبي والواقعي، ضمن نسيج...
< 1 دقيقة للقراءة
قطار…شجرة…وأوراق… من مجموعتي القصصية “وجوه”
كنت في القطار، وكان قد مضى من الليل نصفه أو أكثر. في تلك الرحلة التي كان علي أن أقوم بها، وقد كنت قبل ركوب...
3 دقائق للقراءة
حكاية “خائن”
حكاية “خائن” من مجموعتي القصصية: وجوه مازن الشريف خائن خائن خائن!! وماذا في الخيانة؟ عيب أم عار؟ يا للمتخلفين الحمقى، أصحاب الشعارات والمثل والأخلاق...
5 دقائق للقراءة
يين يانغ، التكامل المتناقض من رواية المعلم
بالرغم من التطابق الكلي بينهما في الشكل، فإن يين ويانغ كانا مختلفين تماما من الداخل. ولدا في أسرة ثرية في أرض التيبت، قريبا من...
11 دقائق للقراءة
تشي…ملِك الطاقة الحيوية من رواية المعلم
*تعني كلمة تشي chi باللغة الصينية الطاقة الحيوية، وفيها فنون كثيرة من بينها فن تايتشي. لم يكن تشي يذكر طفولته لأحد، ويحتفظ بها في...
3 دقائق للقراءة
حرب المعنى…من تايبنغ إلى برهان. من رواية المعلم
منذ أزمنة سحيقة غابرة ، في عالم بعيد عن عالم الفانين، حيث الخلود ممكن والاندثار ممكن ايضا، هنالك قبل ان توجد ارضكم وشمسكم ،...
8 دقائق للقراءة
حكاية تنين من روايتي: المعلم
ليس الأمر معقدا كما تعتقدون، بل هو بسيط جدا، فقد وُجدت تنينا. فتحت عيني في واد شاسع، وغادرت البيضة، لم أعرف لي مصدرا. ومن...
5 دقائق للقراءة
أخضر من مجموعتي القصصية: وجوه
لم يكن “أخضـر” رجلا عاديا، بل كان رجلا خارقا، صحيح أنه لم يكن يطير أو يحرك الأشياء دون لمسها، لكنه رغم ذلك رجل خارق،...
8 دقائق للقراءة
شجرة الحكمة وجبل الخلود كما وصفهما مخطوط ينسب للمعلم الكبير من روايتي: المعلم الكبير
حين ارتفعت بي الغيمة كانت روحي تشف حتى رأيتني كالبلور ورأيت أحاسيسي وأفكاري خيوطا ملونة. وكان التنين الأبيض يحملني في الغيمة، ومن حولي كرة...
10 دقائق للقراءة
شيطان
لم اتصور اني سألتقي في حياتي شيطانا، ليس مجازا، ولا رجلا سيئا كالشيطان، بل شيطانا حقيقيا، كائنا من عالم الظلام، لكن ذلك حدث، ووجدتني...
11 دقائق للقراءة