رحمة

5 دقائق للقراءة

كنت أسير في الشارع المؤدي إلى دكّان الحاج محمّد، مررت بجانبه وكان كعادته ينظر في صفحات جريدة، حييّته وانعطفت نحو طريق المعهد الذي درست فيه ، الكثير من الذكريات والحنين، وبعد قليل سأصل إلى مركز الشرطة، وخلفه غير بعيد تقع الحديقة، حيث سألتقيها أخيرا، بعد غياب سنتين، إنه موعد للحب والشعر والجمال. لن أتردد أبدا، سأطلب يدها.

كنت أسير في الشارع الموصل إلى دكّان الحاج محمّد، مررت بجانبه وكان كعادته ينظر في صفحات جريدة، مجرّد منافق لا يستحق الحياة، نظر إلي بريبة فاحتقرته، وانعطفت نحو طريق المعهد الذي درست فيه، وكر للفساد، أكره نفسي حين أتذكّر أيام ضلالي فيها، وبعد قليل سأصل إلى مركز الشرطة، بؤرة الطواغيت الكفرة، وخلفه غير بعيد تقع الحديقة، حيث سألتقيها أخيرا، بعد تواصل طويل على الشبكة ، إنه موعد للجهاد والاستشهاد والجنة، لن أتردد أبدا، سأنفّذ العملية.

كانت الساعة تشير للعاشرة صباحا، حين أعلن الإعلام أن شابا انتحاريا فجّر جسده في حديقة عمومية، قيل أنه كان يريد بلوغ مركز الشرطة لكنّه أخطأ في استخدام الحزام الناسف. قال آخرون أن امرأة أعطته حقيبة ومضت، ثم ضغطت على زرّ لتحوّله إلى قطع ثم تختفي في سيارة يقودها مجهول.
الحاج محمّد صاحب الدكان القريب من المدرسة يذكر الأمر كأنّه البارحة: كان شابّا مهذّبا، عرفته حين كان يدرس في المعهد، وأحيانا يشتري مني بعض الشوكولاتة ليهديها عن حياء لتلك الشابة السمراء الرقيقة. ذات مرّة عبر مسرعا وكنت حينها أطالع كعادتي جريدتي المفضّلة، حيّاني، كان مبتسما كما عرفته، وقد بلغني أنه التقاها في الحديقة وعلمت أنه طلب يدها، كان يحلم بالزواج والاستقرار. قلت له ماتزال صغيرا على ذلك فابتسم. تحكي أمّه لزوجتي عن برّه بها وحنانه عليها. حتى التقى ذلك الشيخ، لم نكن نسمع عنه ولا نعرفه، لكن بعض أبناء حيّه أقسموا أنه كان يبيع الخمر حينا، والمخدرات أحيانا، ويقاتل بسبب أو دون سبب حتى سموّه “ساطور”. غاب سنوات في دولة عربية أو أوروبية، تختلف الروايات، ثم رجع شيخا بملابس مميزة وشكل محدد، فكفّرنا جميعا، وسفّه أحلامنا، وأحاط نفسه بكل المنحرفين الذين كانوا رفاق سكره القديم ولياليه الماجنة وخصوماته التي لا تنتهي. حتى الولي الذي نوقّره ونزوره حبّا له، لقراءة القرآن والذكر، أفقنا ليلة على صراخ امرأة كانت تعمل على صيانته وتسكن في بيت بجواره، كان حريقا هائلا، واعتقل الشيخ ساطور لأن أحد أتباعه اعترف للشرطة أنه حرضه على حرقه، لكن تم الإفراج عنه بعد يومين.
رويدا رويدا اختفى الشاب المبتسم، وحل مكانه شخص آخر، قاطع أمه لأنها كانت تحب سماع البردة، وضرب أخته يوم وجدها تشاهد فلما أو تسمع أغنية لأم كلثوم. وعادى أباه الذي كان يحب مجالس الذكر وصحبة أهل التصوف. وكان يحفظ بعض الآيات والأحاديث ويكررها، فإن لم يجد من يسمعه انقلب إلى تكفيرنا واتهامنا بالشرك والبدعة.
لا أنسى ذلك اليوم الذي عبر فيه وبريق غريب في عينيه، علمت أنه ترك الفتاة التي أحبها وخطبها، تركها لأن له من هي أجمل وأولى منها، قال لها، حورية تنتظرني، ولا شيء بيني وبينها سوى مغادرة هذه الحياة الآثمة، وحين سمع بكاء أمه مرة قال لها: أبشري، سأشفع فيك، وفي سبعين من أهلي.

مرّ بجانبي ولم ينظر إلي، غاب خلف المنعطف، بلغني أن الكثير من أصدقائه مضوا للقتال خارج البلاد، بعضهم مات وآخرون لا خبر عنهم، وحتى تلك الشابة الصغيرة التي خطبها، ثم تزوجها الشيخ ساطور عرفيا بعد ذلك، كانت في حالة انهيار لتركه لها، واختفت فجأة ولم يجد أهلها سبيلا إليها، حتى اتهاماتهم للشيخ وجدت جيشا من المدافعين عنه، وضاع نحيبهم في ضجيج الفوضى.

لم يشعر بالألم، تمّ كلّ شيء بسرعة، وحين فتح عينيه، كان في مكان مرتفع ينظر تحته، عدد من القتلى والجرحى، طفلة كانت تلعب في الحديقة فماتت لحينها، رآهم يرتفعون أيضا أرواحا بيضاء، كانت أشلاؤه تتناثر، رأى الفتاة التي ضغطت على الزر تصعد في السيارة والشيخ ساطور في داخلها، وكان شخص لا يعرفه وتبدو عليه ملامح غريبة يقود السيارة، شبيه بقائد صهيوني شاهده مرة في برنامج عن حرب تحرير أكتوبر، سيّارة عليها شارة دولة يعرفها، فكل مال الشيخ ساطور قادم منها. راعه أن الشيخ قبّلها بشغف، سمع صوته يضحك، وسمعه يتكلّم بلغة غير عربية، لغة عبريّة، لكنّه كان يفهم كل حرف: هذا سيخيفهم، إنها خطوة اخرى لإكمال المشروع، وبيدق آخر نتخلّص منه. انطفأ كل شيء أمامه، ثم وجد نفسه فوق بيتهم، قوّة حرّكته فرأى أمه تمزّق ثوبها وتبكي، رأى أباه يذرف الدموع، ولده إرهابي، إنه لا يصدّق أن ذلك الطفل الذي ربّاه تحوّل إلى وحش.

ارتفع أكثر، كان فوق أرض لم يزرها، كانت حربا بلا رحمة، رأى حبيبته في خيمة، يصطف أمامها بعضهم، رأى جثثا كثيرة، وحرائق، رأى مساجد تدمّر، ومقامات صالحين. فجأة نزلت غيمة من ضوء، فيها تلك الطفلة التي رآها ممزقة في الحديقة، نظر أسفل قدميه، فرأى أشلاء جسده ممزقة متناثرة، رغب في جمعها مجددا والخروج من الكابوس، اقتربت منه الطفلة، وسألته: لماذا قتلتني؟ لم يجد جوابا، أراد أن يقول لها: في سبيل الله. لكنّ يدا حديدية ضربته بقوّة. وتحت قدميه انهار كل شيء، ولم يكن غير نار وعويل وصراخ، أشباح في آبار من النار، من النفط المشتعل، من الدم المتأجج.
نظر إلى قلبه، رأى أفعى سوداء تلتفّ عليه، جاب أرجاء عقله فوجد ثقوبا كثيرة، كيف وقع في الفخ؟ كيف صدّق أن الله يرضى بالقتل والخراب؟
كيف أحرق بيديه مقام الرجل الصالح العابد لله الزاهد المنسوب لآل بيت النبي، وهو الذي كم زاره مع أبيه طفلا وعشق الأناشيد وأحب تلاوة القرآن والرحمة في أعين الناس، بل إن أباه ذكر له أنه جدّه القادم منذ قرون من بلاد المغرب، وسمّاه على اسمه: عبد الرحمن؟
كيف اقتنع أن الجهاد يكون بترك أمه تتلظّى؟ من قال أن الله يريده أن يفجّر جسده؟ يحب أن يراه أشلاء؟ وهو الذي خلقه ليكون عابدا له زارعا للأرض أو باثّا للعلم بارّا بوالديه كما أوصاه؟

كيف يطمع في حورية جنة بقتل طفلة صغيرة، بأي ذنب قُتلت، والله منحه حورية إنس كان سيتزوّجها وينجب أطفالا يحملون اسمه، يجاهد في الحياة من أجلهم، يحسن تربيتهم ويفرح بزواج كل واحد منهم، يموت وهم حوله فيوصيهم بذكر الله وطاعة رسوله وحب الناس والرحمة بالمؤمنين.؟
رأى في أسفل المتاهة شياطين تتراقص وتشرب الدم، تضحك في وادي الدنس وتسخر من غباء بني آدم.
نزلت من فوق غيمة أخرى حمراء، خرج منها كائنان، قال أحدهما بصوت كأنه الرعد: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب. رأى خلفه الولي الذي أحرق مقامه، رآه في كوكبة من النور ينظر إليه بغضب وأسى، ثم حُجب عنه.
ثم قال الثاني بصوت يشبه هدير الأمواج الجبّارة: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104).
غمرته الظلمة، احتوته، أصبح قطعة منها، وامتداد لها، سقط معها في هاوية سحيقة، تخبّط، أحسّ خيوطا تلتف حوله، كأنّ عنكبوتا كبيرا ينسج حوله كفنا، لكنّه كفن أسود، أو ربّما أخطبوط يلفّ جسده حتى تنسحق عظامه، حاول أن يتحرّك، لم يستطع، صرخ فلم يخرج من فمه صوت، هتف: يا ألله…الرحمة.

أحسّ يدا رقيقة تلمسه وتناديه: بابا…بابا. استيقظ. فتح عينيه، تسلل الضوء إليهما بسرعة، ظهر وجه صغير، وجه الطفلة التي قتلها حين فجّر جسده، لكنّه الآن فوق سريره، بدأ الضباب ينقشع من مرآة عقله، إنها ابنته الصغرى: مريم. يا للكابوس المريع: استغفر الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم…اللهم رحمتك. قبّلها من جبينها. نهض، كانت زوجته سبقته للوضوء، ابتسم، هي من أرسلت ابنتها أو الصغيرة استيقظت وحدها لتوقظ أباها. لبس معطفه بعد أن توضّأ وخرج مسرعا: سوف أصلي الصبح في جماعة، في الجامع خلف الشيخ نور الدين. قرأ في سرّه بعض الآيات، دعا وسبّح. لا يزال الكابوس عالقا بين ناظريه، عاصفا في خياله. اللهم ارحم أمة نبيّك. ردد في رجاء. أنعشته نسائم الفجر الباردة، انعطف يمينا، إنه الحاج محمّد صاحب دكّان الذكريات، تذكّر كيف كان يمرّ أمامه حين يمضي نحو المعهد، تذكّر تلك الأيام بحلوها ومرّها، عبر كل ذلك خواطره بسرعة، مشى معه نحو الجامع، وقال مبتسما: اليوم بعد الظهر نمضي بمشيئة الله للمقام، ننزع عن قلوبنا صدأ الدنيا بالذكر، ونجدد ميثاق الرحمة.
الله أكبر…احترقت آخر خيوط الكابوس، خشع قلبه لتلاوة الإمام: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ”.

منشورات ذات صلة

مقدمة مجموعتي القصصية “وجوه”
  “وجوه”، هكذا أراد الحرف لتشكل ملامح شخوص هذه المجموعة، وجوه متعددة متناقضة تمثل الحياة بجوانبها، بين الرمزي والمباشر، وبين العجائبي والواقعي، ضمن نسيج...
< 1 دقيقة للقراءة
قطار…شجرة…وأوراق… من مجموعتي القصصية “وجوه”
كنت في القطار، وكان قد مضى من الليل نصفه أو أكثر. في تلك الرحلة التي كان علي أن أقوم بها، وقد كنت قبل ركوب...
3 دقائق للقراءة
حكاية “خائن”
حكاية “خائن” من مجموعتي القصصية: وجوه مازن الشريف خائن خائن خائن!! وماذا في الخيانة؟ عيب أم عار؟ يا للمتخلفين الحمقى، أصحاب الشعارات والمثل والأخلاق...
5 دقائق للقراءة
يين يانغ، التكامل المتناقض من رواية المعلم
بالرغم من التطابق الكلي بينهما في الشكل، فإن يين ويانغ كانا مختلفين تماما من الداخل. ولدا في أسرة ثرية في أرض التيبت، قريبا من...
11 دقائق للقراءة
تشي…ملِك الطاقة الحيوية من رواية المعلم
*تعني كلمة تشي chi باللغة الصينية الطاقة الحيوية، وفيها فنون كثيرة من بينها فن تايتشي. لم يكن تشي يذكر طفولته لأحد، ويحتفظ بها في...
3 دقائق للقراءة
حرب المعنى…من تايبنغ إلى برهان. من رواية المعلم
منذ أزمنة سحيقة غابرة ، في عالم بعيد عن عالم الفانين، حيث الخلود ممكن والاندثار ممكن ايضا، هنالك قبل ان توجد ارضكم وشمسكم ،...
8 دقائق للقراءة
حكاية تنين من روايتي: المعلم
ليس الأمر معقدا كما تعتقدون، بل هو بسيط جدا، فقد وُجدت تنينا. فتحت عيني في واد شاسع، وغادرت البيضة، لم أعرف لي مصدرا. ومن...
5 دقائق للقراءة
أخضر من مجموعتي القصصية: وجوه
لم يكن “أخضـر” رجلا عاديا، بل كان رجلا خارقا، صحيح أنه لم يكن يطير أو يحرك الأشياء دون لمسها، لكنه رغم ذلك رجل خارق،...
8 دقائق للقراءة
شجرة الحكمة وجبل الخلود كما وصفهما مخطوط ينسب للمعلم الكبير من روايتي: المعلم الكبير
حين ارتفعت بي الغيمة كانت روحي تشف حتى رأيتني كالبلور ورأيت أحاسيسي وأفكاري خيوطا ملونة. وكان التنين الأبيض يحملني في الغيمة، ومن حولي كرة...
10 دقائق للقراءة
شيطان
لم اتصور اني سألتقي في حياتي شيطانا، ليس مجازا، ولا رجلا سيئا كالشيطان، بل شيطانا حقيقيا، كائنا من عالم الظلام، لكن ذلك حدث، ووجدتني...
11 دقائق للقراءة