حكاية تنين من روايتي: المعلم

5 دقائق للقراءة

ليس الأمر معقدا كما تعتقدون، بل هو بسيط جدا، فقد وُجدت تنينا.
فتحت عيني في واد شاسع، وغادرت البيضة، لم أعرف لي مصدرا.
ومن حولي رأيت ملايين البيضات، لم تتشقق بيضة منها، وجاء ظلام، ثم ضوء.
وتعلمت من سلحفاة التقيتها في أحد أرجاء الوادي، هنالك حيث يطل الأزرق المنساب.
قالت لي السلحفاة: انا سلحفاة، أعيش مليون عام.
قلت لها: وما المليون؟
قالت رقم.
قلت وما الرقم؟
قالت: وحدة للعدد، نعرف بها المفرد وتعدده، وعدد ذلك، ونرقمه ترتيبا وتنسيقا وبيانا، ونحصي به الأعداد في الأشياء والأزمنة والمعاني.
قلت: وما العام.
قالت: جزء من الزمن، وحدة قياس.
قلت وما الزمن؟
قالت: هو عندكم أيام تمضي وساعات تمر واعمار تنقضي وسحابات تعبر وشمس تشرق وتغرب وليل يدلهم ويحترق ونهار يضيء ويموت.
قلت: وما أنا؟
قالت: لم أر مثلك واظنك مخلوقا جديدا.
قلت: وما المخلوق؟
قالت كائن لم يكن، ثم تكون بكن.
قلت: ومن كوّنه، وأين كان قبل كونه وكيف أصبح كيانا ومن أوجد له كونا وكينونة وتكوينا؟؟
قالت: كان حيث لن تفهم إلا حين ترجع حيث كنت، وتكوّن بامر الواحد المهيمن.
قلت: ومن الواحد المهيمن؟
قالت: صاحب أول رقم واول حرف واول كلمة، والقادر على جعل الرقم ارقاما وسماوات واراض وكواكب وذرات، والحرف اكوانا وأسماء وأشياء، والكلمة كائنات ولغات وعوالم.
قلت: واين هو؟
قالت: لا أين، فالأين موجد محدود، والموجِد لا حد له ولا موضع.
قلت: وما هذا الأزرق الممتد، وما تلك الزرقاء التي فوقه؟
قالت: الازرق الممتد هو البحر فهو الحياة والماء، وما فوقه السماء، والارض تحتك أصلك، وربما أنك مزيج الشمس والماء والتراب، مزيج من النار والنور.
قلت: وما النار والنور؟
لكنها مضت ببطء ولم تلتفت.
لحقتها بسرعة، لماذا انت بطيئة؟
-من كان لديه مليون عام ليعشيها فعليه ان يبطئ السير، اما الذبابة فتسرع لانها تعيش ساعة، اعتقد ان الفانين يسرعون كثيرا لنهايتهم، اما انا فقد أكلت من تلك الثمرة، واخترت ان اكون سلحفاة، لاستعد للخلود، حيث الحركة واللاحركة سواء، حيث تنتقل وانت في مكانك، ولا تحتاج لشيء وعندك كل شيء.
هنالك حيث تكون معه، وتكتفي به، لقد كنت من قبل سمكة سريعة، وحولتني ملكة الجنيات الى عروس بحر فاتنة، ثم حولني ملك أرواح الليل إلى طائر سريع جدا طار وطار حتى ألقت به عاصفة ضوء فوق جبل الخلود، .فاخترت ان اتحول الى سلحفاة ودفنت جنون السمكة وغواية عروس البحر ولهفة الطائر، وصرت أجر فوقي الواح الحكمة، يؤسفني ان احدا من احفادي لن يفهم السر ويظنه بيتا، لقد رايت الغد كله والامس كله، وقد التقيتك هنالك فوق، لكنك لن تذكر الان يا تنيني الصغير، ولن تذكر الا حين تؤوب إلى هناك، إلى حيث تنتمي.
ولم أعرف من أين جئت باللغة التي فهمتها بها، ولا بالقدرة على النطق، ولم أعلم من أين تأتي المعاني وتراكيبها اللغوية، ولم أجد لأسئلتي حدا، فكل شيء يبعث على السؤال، كل شيء يبعث على الحيرة.
تنين، تنين، تنين، كنت اردد كل يوم، طاردت السلحفات كثيرا لكنها لم تقل لي كلمة اخرى وذات يوم ارتمت في البحر واختفت.
كنت اجري بسرعة كبيرة، اقفز من مكان الى اخر، وكان البيض كثيرا جدا من حولي وكنت احرسه رغم عدم وجود سواي، مع مرور الاعوام وانا وحدي، تعلمت ان اتكلم بصوت مثل السلحفاة، لكن لم اجد حروفا فاخترعت حروفا، ثم ابتكرت اخرى، وشعرت كاني اتذكر الف لغة مخلتفة، لكنها في فكري لغة واحدة، تتغير بمجرد نطقها، وعلمت أني لم أكن أبتكر شيئا، كنت فقط أتذكر ما تم إيداعه في أعماق عقلي، وسألت: من اودعه، ولكني لم أجد السلحفاة لتجيبني.
كان البيض ملونا: ازرق واحمر واصفر واسود وغيرها من ملايين الالوان التي كنت اميز كل تنوعاتها من ألوان أولية كتنوع الارقام من ارقام اولية وتنوع الكلمات من حروف اولية، هو القانون نفسه كنت اتدبره، لم اعرف للحظة من اين تاتيني المعلومات، لكن حين كنت انام كنت احلم بجبل وشجرة، وبتنانين اكبر مني كلها نور تنزل من مكان بعيد فوق جبل من الماس. كانت الاشياء تتكلم في منامي، ثم صارت تتكلم في يقظتي.
كنت أمُر بالنبتة فتقول لي داخل عقلي انا زهرة، انا اقحوانة، انا عشبة. وذات يوم نظرت في الماء فرايت وجهي وخفت مني، كنت اتصورني بشكل اخر أكثر رقة وجمالا، لكني كنت تنينا مخيفا، وعلى كتفي جناحان.
ومنذ وعيت وجود جناحين على كتفي صرت انظر للسماء كثيرا، وذات مرة كنت في اعلى الوادي وضربتني الريح فهويت، لكن جناحاي رفرفا فطرت لاول مرة، وتذكرت ان التنين يطير.
غادرت الوادي الى الغابة، وجدت كائنات كثيرة، وكل شيء كلمني وعرفني نفسه وكأني ملك العالم، حتى الحجارة حدثتني، كل حجارة تضحك وتخبرني عن اسمها، ومنها حجارة كريمة افتخرت بعائلتها القادمة من البحر، وارسلت الي صورا دونتها في هالة من الطاقة داخلها، وهنا بدات احن الى البحر، وطرت ثم طرت، والقيت نفسي في الماء، فجذبني البحر الى جوفه، خفت ان اختنق لكني تنفست بسهولة، حينها تذكرت ان التنين برمائي، وغصت في عوالم البحار وتعلمت لغاتها والتقيت جنيات البحر وكائناته وصرت خبير ا في الجو والبر والبحر، لكني بقيت جاهلا بنفسي.

ذات يوم نهضت على اصوات تشقق، وكنت قد صرت تنينا كبيرا عالما، ورايت اروع ما رايت، كل البيض الملون كان يتشقق وتخرج منه تنانين ملونة حمراء وخضراء وصفراء وكل الألوان الزاهية، إلا البيض الاسود والمنقط.
كان العدد كبيرا لكني كنت اتواصل مع عقل كل تنين واسمعهم معا، حيرة الطفولة نفسها والأسئلة التي لا تنتهي.
كنت انقل اليهم المعلومات الاولية بسرعة، كانوا يتكلمون لغة واحدة في عقولهم، وينطقون بلغات مختلفة بألسنتهم.
بعد زمن، وفي جوف الليل المظلم المدلهم، تشقق بقية البيض، وخرجت تنانين سوداء ومنقطة ورمادية وصفراء قاتمة وحمراء قانية، لكنها كانت صامتة وخائفة ومنزوية، وحين طلع النهار تكلمت وركضت الى اخواتها، لكنها كانت اضعف، فكنت احن عليها من البقية، وصرت ابا ومعلما للتنانين، صرت بعقل سلحفاة.

عطست مرة فانطلقت كرة من النار من انفي، تذكرت حينها ان التنانين تنفث النار، وسيطرت علي الرغبة السوداء، فالرغبة السوداء مدمرة حين تسيطر.
عروس البحر حين مستها تلك الرغبة حولتها الى قاتلة، تقتل كل من يسمع صوتها .
صحيح أن الرغبة ضرورية جدا للحياة والحب والتواصل، لكن الرغبة السوداء هي المشكلة، والحمراء القاتمة.
لكل شيء ومعنى طاقة، ولكل طاقة لون ورقم وحروف وكلمات، ولكل ذلك معنى.
بعد زمن من تربيتي للتنانين ومحاولتي منعهم من إحراق كل شيء، ظهرت لي السلحفاة مجددا، وقالت: أصبحت تعرف قدراتك النارية إذا؟
نظرت إليها من فوق، كان حجمي قد تضاعف وكنت مزهوا بقوتي وإن لم أكن أظهر ذلك، لكنه صوت عميق في أركان نفسي يحدثني عن عظمتي وقوتي الخارقة، وعن قدرتي على حرق ما أريد ومن أريد بمجرد التنفس.
قالت لي السلحفاة: تظن أنك بلغت قمة القوة، أتحداك ان تقدر على حرقي.
أول مرة أعلم أن هنالك تنينا آخر يسكنني، وعلى قدر نصاعة بياضي كانت قتامة سواده، نفخ من خلالي على السلحفاة بكل قوة، خرجت نار متأججة كأنها من فوهة الجحيم. أصبحت السلحفاة كرة من نار، وفجاة تحولت الى غيمة من الضوء ثم تحولت الى امراة فاتنة، بعدها اصبحت تنينة بيضاء وزرقاء باجنحة خضراء وعيون سماوية، وقالت لي، انج، انا امك.
وبحركة من يدها سرى في نور لا لون له، شفاف أشف من الماء، رقيق أرق من الهواء، بارد فيه حركة سريعة، مزيج من البخار والضوء وعناصر لا أعرفها، ثم ظهر من صدري دخان أسود كثيف، وامتدت يد سحبت مني ذلك الدخان، فزمجر صوت ساخط بألفاظ نابية، وشتم وأقذع في الفحش وقال هُجرا، ثم غادرني وتشكل من الدخان الأسود أمامي حتى أصبح تنينا دان اللون يشبهني كأنه انعكاس صورتي في الماء، ولكنه انعكاس الضد.
امتدت من الأرض حبال وسلاسل أحاطت به وسحبته إلى أسفل، فغاب في دوامة من التراب والريح وهو يردد:سأرجع حتما، لا تظن أنك تخلصت مني.
يومها عرفت أن لي ضدا يسكنني، وأني تحررت منه حينها، وسميته الشيطان.

ابتسم المعلم لتشو، أحسنت، قصة جميلة، وخيال واسع.
لكن للتنين في الحقيقة قصة أخرى.
ستكون ملحمة فيها معان نريد أن نوصلها للناس، أليس ذلك مفيدا يا معلمي.
بكل تأكيد، وخيّم الصمت وهما ينظران من فوق قمة الجبل إلى الغابة وما خلفها.
ابتسم التنين، ومن خلفه وقفت تنانين كثيرة ، وبجانبه كانت تمد جناحيها الملونة.
وفي لحظة انبثاق تشكل الجميع بأشكال شبيهة بالبشر، ونزلوا ببطئ على العشب الأخضر في ذلك البرزخ البعيد، ابتسمت وهي تسير بجانبه: أعجبتني قصة السلحفاة، أنا سلحفاة، وضحكت فانسابت الموسيقى، ورقص قلبه طربا.

منشورات ذات صلة

مقدمة مجموعتي القصصية “وجوه”
  “وجوه”، هكذا أراد الحرف لتشكل ملامح شخوص هذه المجموعة، وجوه متعددة متناقضة تمثل الحياة بجوانبها، بين الرمزي والمباشر، وبين العجائبي والواقعي، ضمن نسيج...
< 1 دقيقة للقراءة
قطار…شجرة…وأوراق… من مجموعتي القصصية “وجوه”
كنت في القطار، وكان قد مضى من الليل نصفه أو أكثر. في تلك الرحلة التي كان علي أن أقوم بها، وقد كنت قبل ركوب...
3 دقائق للقراءة
حكاية “خائن”
حكاية “خائن” من مجموعتي القصصية: وجوه مازن الشريف خائن خائن خائن!! وماذا في الخيانة؟ عيب أم عار؟ يا للمتخلفين الحمقى، أصحاب الشعارات والمثل والأخلاق...
5 دقائق للقراءة
يين يانغ، التكامل المتناقض من رواية المعلم
بالرغم من التطابق الكلي بينهما في الشكل، فإن يين ويانغ كانا مختلفين تماما من الداخل. ولدا في أسرة ثرية في أرض التيبت، قريبا من...
11 دقائق للقراءة
تشي…ملِك الطاقة الحيوية من رواية المعلم
*تعني كلمة تشي chi باللغة الصينية الطاقة الحيوية، وفيها فنون كثيرة من بينها فن تايتشي. لم يكن تشي يذكر طفولته لأحد، ويحتفظ بها في...
3 دقائق للقراءة
حرب المعنى…من تايبنغ إلى برهان. من رواية المعلم
منذ أزمنة سحيقة غابرة ، في عالم بعيد عن عالم الفانين، حيث الخلود ممكن والاندثار ممكن ايضا، هنالك قبل ان توجد ارضكم وشمسكم ،...
8 دقائق للقراءة
أخضر من مجموعتي القصصية: وجوه
لم يكن “أخضـر” رجلا عاديا، بل كان رجلا خارقا، صحيح أنه لم يكن يطير أو يحرك الأشياء دون لمسها، لكنه رغم ذلك رجل خارق،...
8 دقائق للقراءة
شجرة الحكمة وجبل الخلود كما وصفهما مخطوط ينسب للمعلم الكبير من روايتي: المعلم الكبير
حين ارتفعت بي الغيمة كانت روحي تشف حتى رأيتني كالبلور ورأيت أحاسيسي وأفكاري خيوطا ملونة. وكان التنين الأبيض يحملني في الغيمة، ومن حولي كرة...
10 دقائق للقراءة
شيطان
لم اتصور اني سألتقي في حياتي شيطانا، ليس مجازا، ولا رجلا سيئا كالشيطان، بل شيطانا حقيقيا، كائنا من عالم الظلام، لكن ذلك حدث، ووجدتني...
11 دقائق للقراءة
“وهم” (محاولة فاشلة لقصة غير حقيقية)
كنت صغيرا حين التقيت “وهم” لأول مرة. كان أنيقا كأحد نبلاء القرون الوسطى، مراوغا كثعالب القصص، مرحا ككل الأوهام المخاتلة. ورغم عمره الطويل، فهو...
11 دقائق للقراءة