تشي…ملِك الطاقة الحيوية من رواية المعلم

3 دقائق للقراءة

*تعني كلمة تشي chi باللغة الصينية الطاقة الحيوية، وفيها فنون كثيرة من بينها فن تايتشي.

لم يكن تشي يذكر طفولته لأحد، ويحتفظ بها في أعماق صدره، فلقد كان طفلا معدما، يعمل والده أجيرا لدى أحد المزارعين الكبار في قرية النهر الفضي أقصى شمال الصين، وتوفيت أمه أثناء ولادته، ولكن طاقة روحها وكل شبابها وحياتها أودعتها فيه، فكان يذكر لتلاميذه بعد سنين حين صار الطبيب الأمهر والحكيم الأعظم للامبراطورية، أن طاقته ما هي في الحقيقة سوى روح أمه.
عندما بلغ السابعة أخذه والده للعمل معه، كان العمل شاقا وكان الرجل الثري الذي يعملون عنده صاحب وجاهة لدى الحاكم، لم يكن يسيء إلى الذين يعملون عنده، لكن الحاكم كان يطلب ضرائب أكثر كل مرة، وكان ذلك يعني المزيد من العمل.
بعد عامين هاجم جيش الحاكم المزرعة ونهب كل ما فيها، ووجد تشي نفسه مع والده وبقية المزارعين وحتى صاحب المزرعة في قبو مظلم تنتشر فيه روائح الموت والمرض، وهنالك عاين وجها قبيحا للحياة لم يكن يتصوره، وسمع أنين المعذبين، ورأى الجياع، وشعر باقتراب الموت مع الحمى التي سكنت جسمه أياما، ورأى احتضار والده وكثير ممن افترسهم ذئب الجوع والمرض، وكان شاهدا على جمع من الأغنياء والفقراء في معاناة واحدة وبؤس مشترك، يومها عانق تشي الموت، وعاين الطغيان البشع، ونظر في عين الشيطان الذي كان يمتص طاقة حياته، ثم انفجر النهر فجأة.
من تحت صخور البؤس، وبشكل لم يتصوره أحد من المساجين، ولا حراس السجن، ولا الحاكم نفسه والطغمة الفاسدة التي تحيط به، ظهر شعاع أبيض سرعان من تحول إلى نطاق حول تشي، وخلفه ظهرت امرأة تشبه أمه ترسل جدائل شعرها بالضوء اللامع، وتظهر على جبينها هالة خضراء. وتحت أقدامه نبع ماء أبيض ناصع، شفاف كدموع الحوريات، واختلط بطاقته، ليتحول القبو إلى حديقة من الزهور والأعشاب، وخرجت شجرة كبيرة من تحت الأرض فتزلزل القصر وسمقت بسرعة حتى خرجت من نوافذ غرفة الحاكم، ثم ظهرت طيور كثيرة وانقضت على القلعة، وخرج رجل من بين المساجين كان يجلس طوال الوقت في ركن ولا يتكلم، وينظر إلى تشي وإلى جميع المساجين في صمت، حتى أن بعضهم حسب انه أعمى أو معتوه.
نهض ذلك الرجل وقام بحركات سريعة بيديه حطم بها أغلاله، ثم أضاء جسده بشعاع يعشي الأبصار، وظهر من خلفه تنين كبير حطم بجناحيه القبو، وأحاط الرجل الغامض الجميع بدائرة من الطاقة وقتهم من سقوط الحجارة، ثم لمع ضوء ووجدوا أنفسهم في المزرعة، ومن خلفهم شاهدوا الدخان، وبلغتهم الأخبار لاحقا عن إبادة جميع جنود الحاكم، وأن الأرض ابتلعت قصره وما فيه من الجواري والكنوز، ولم يعثر عليه أحد.
تلك عاقبة الفجور، وذلك مشهد متكرر في تاريخ الأرض، وفي مستقبلها، قال المعلم لتشي بعد سنوات من تلك الحادثة.
لقد دلني التنين عليك، فأتيت قريتك وعملت مع والدك، كنت مزارعا وراق لي الأمر، ورأيتك وعلمت أن طاقة الحياة التي تسري فيك تختلف عن كل ما رأيته من قبل، لقد اودعت أمك روحها وشبابها وهي تلدك وتفارق الدنيا، وكذلك تفعل أم كل رجل عظيم، تعطيه حياتها حتى لو عاشت معه، ولكن بعض الأمهات يرحلن مبكرا لحكمة لدى القدير، وهي حكمة مرة ولكن لا بد منها.
إن تجربتك مع الموت صقلت قوة الحياة فيك، فالحياة هي ما ينبت من رحم الموت، فالأحياء يعيشون على موت غيرهم: أجيال سابقة، وكل كائن يعطي حياته ليتغذى عليه كائن آخر، من الشجر إلى الحيوان، وأنت حين تأكل فأنت تتغذى على كائنات أعطتك حياتها لتبقى. وحين تتغذا على بعض اللحم فاعلم أن ذلك كان حيوانا حيا وهبك حياته.
الموت والحياة مخلوقان عجيبان، وبينهما مرض وبؤس، وصحة ورخاء. وأحوال من الغنى والفقر، والقدرة والعجز، والكثير من الوهم الذي يجعل يصور للمخلوق أحيانا أنه أصبح خالقا، فيتأله الطغاة، ويطغى الجبارون في الأرض، حتى تأتي اللحظة التي يُبادون فيها، ويطويهم الموت في كتابه الكبير الذي لن يغادر من الأحياء أحدا، وغدا سيكون هنالك تجدد للحياة، في عالم غير هذا العالم، حيث المحكمة الكبرى.
إن طاقتك الروحية والحيوية من نهر روحك، وأنهار الروح أنهار خالدة، تحتاج إلى جسم قوي وقلب نقي لتتمظهر، وبما أنك محدود الجسم وعلى عقلك أنظمة تحد من قواه، فأنت تحتاج إلى دعم روحاني من العوالم العليا، وإلى معلم يريد فنون الطاقة الحيوية في الحركة والتأمل، وإلى علاقة أقوى وأقرب بالقدير الذي هو مصدر كل طاقة، خالقها والمهيمن عليها، أما ما يفعله السحرة فهو الاستعانة بطاقات دخيلة من عوالم الظلام، ضررها كبير ونفعها وهمي لا يدوم.
كانت تدريبات تشي تتركز على الفنون الباطنية أساسا، وحين أغلق قبضته في التمرين قال له المعلم: هذه تشي كونغ، قبضة الطاقة المدمرة. ويوم فتح يديه في التمارين وتباطأت حركته قال له: وهذه تايتشي، فن إطالة الحياة، وفن التحكم في الطاقات الكامنة والتحكم في الزمن، فحين يتباطأ زمنك الطاقي والادراكي، يمكنك أن تبلغ مستوى تباطؤ الزمن الفعلي، كذلك الذي سيأتي يوما ما، ويموت مائة عام تحت شجرة، وقد ترك بعض الحساء الساخن والجزر المبلل، ثم يصحو من ميتته وقد تحول حماره إلى عظام، ثم يرى طاقة الحياة من يد معلم عظيم أخضر، فتجتمع العظام، ثم تتشكل هيكلا، ثم تنمو الألياف والأعضاب والعضلات، ويعود الجلد كما كان، على حالته التي عرف حماره عليها، حتى أثر الجرح القديم في عنقه حين شجه غصن شجرة يابس، ثم ينظر الحمار بوعي من نام ساعة، ويأكل الجزرة المبللة التي مضى عليها مائة عام، وبجانبها الحساء وقد جمد البخار الذي تصاعد منه، وبقي ساخنا، رغم أن التي طبخته تحولت إلى تراب.

منشورات ذات صلة

مقدمة مجموعتي القصصية “وجوه”
  “وجوه”، هكذا أراد الحرف لتشكل ملامح شخوص هذه المجموعة، وجوه متعددة متناقضة تمثل الحياة بجوانبها، بين الرمزي والمباشر، وبين العجائبي والواقعي، ضمن نسيج...
< 1 دقيقة للقراءة
قطار…شجرة…وأوراق… من مجموعتي القصصية “وجوه”
كنت في القطار، وكان قد مضى من الليل نصفه أو أكثر. في تلك الرحلة التي كان علي أن أقوم بها، وقد كنت قبل ركوب...
3 دقائق للقراءة
حكاية “خائن”
حكاية “خائن” من مجموعتي القصصية: وجوه مازن الشريف خائن خائن خائن!! وماذا في الخيانة؟ عيب أم عار؟ يا للمتخلفين الحمقى، أصحاب الشعارات والمثل والأخلاق...
5 دقائق للقراءة
يين يانغ، التكامل المتناقض من رواية المعلم
بالرغم من التطابق الكلي بينهما في الشكل، فإن يين ويانغ كانا مختلفين تماما من الداخل. ولدا في أسرة ثرية في أرض التيبت، قريبا من...
11 دقائق للقراءة
حرب المعنى…من تايبنغ إلى برهان. من رواية المعلم
منذ أزمنة سحيقة غابرة ، في عالم بعيد عن عالم الفانين، حيث الخلود ممكن والاندثار ممكن ايضا، هنالك قبل ان توجد ارضكم وشمسكم ،...
8 دقائق للقراءة
حكاية تنين من روايتي: المعلم
ليس الأمر معقدا كما تعتقدون، بل هو بسيط جدا، فقد وُجدت تنينا. فتحت عيني في واد شاسع، وغادرت البيضة، لم أعرف لي مصدرا. ومن...
5 دقائق للقراءة
أخضر من مجموعتي القصصية: وجوه
لم يكن “أخضـر” رجلا عاديا، بل كان رجلا خارقا، صحيح أنه لم يكن يطير أو يحرك الأشياء دون لمسها، لكنه رغم ذلك رجل خارق،...
8 دقائق للقراءة
شجرة الحكمة وجبل الخلود كما وصفهما مخطوط ينسب للمعلم الكبير من روايتي: المعلم الكبير
حين ارتفعت بي الغيمة كانت روحي تشف حتى رأيتني كالبلور ورأيت أحاسيسي وأفكاري خيوطا ملونة. وكان التنين الأبيض يحملني في الغيمة، ومن حولي كرة...
10 دقائق للقراءة
شيطان
لم اتصور اني سألتقي في حياتي شيطانا، ليس مجازا، ولا رجلا سيئا كالشيطان، بل شيطانا حقيقيا، كائنا من عالم الظلام، لكن ذلك حدث، ووجدتني...
11 دقائق للقراءة
“وهم” (محاولة فاشلة لقصة غير حقيقية)
كنت صغيرا حين التقيت “وهم” لأول مرة. كان أنيقا كأحد نبلاء القرون الوسطى، مراوغا كثعالب القصص، مرحا ككل الأوهام المخاتلة. ورغم عمره الطويل، فهو...
11 دقائق للقراءة