Mazen Cherif
مقالات إجتماعية

نظرة في العالم: بين التحليل والاستشراف

ملاحظة منهجية: ذكر بعض التفاصيل الذاتية في هذ المقال ليس من باب الاستعراض، بل هو من باب البرهنة على الاطلاع المباشر على الكثير مما ساذكره، وما عين الشهادة كالسماع كما قلت في أحدى قصائدي.

*محاضرة “حرب المعنى” قدمتها في الفلوجة بالعراق في ضيافة الرباط المحمدي، أرجو مشاهدتها لأنها مكملة لهذا المقال



يعتبر الاستشراف علما مهما وفنا استراتيجيا عالي القيمة والخطورة، بل لعله العلم الأبرز اليوم والذي تركز عليه مراكز الدراسات الكبرى ضمن محاولة لفهم المستقبل بل ولصناعته وتوجيهه.

وإن الدراسات الاستشرافية التي تقوم بها الدول العظمى تمتد من خمسين إلى مائة سنة، يتم فيها بناء سيناروهات مستقبلية، والعمل على تطبيقها. ويواكب ذلك تفصيلات استشرافية ضمن جميع المستويات: الاقتصادي والتنموي والديمغرافي والعلمي وحتى السياسي والعسكري. وهنالك دول حققت قفزات نوعية بناء على تطبيق السيناروهات المستقبلية وبناء دعامات آنية ومتوسطة المدى تمكن من تحقيق التطورات المرجوة ضمن المدى الطويل.

أما حال هذه الأمة  ككل، فليس لدى معظم من هم في الحكم وفي السياسة تصورات متوسطة المدى ولا حتى تصورات آنية، بل هي فوضى واسعة النطاق، وسياسات مرتجلة تقوم في الأغلب على نعرات ايديولوجية ضيقة وحسابات خاطئة وارتهان في القرار لدوائر أوسع وأكثر نفاذا تحقق مصالحها على حساب اوطاننا وشعوبنا. وهذا الحكم العام لا يمنع وجود استثناءات لها أثرها الواقعي في البناء وفي رسم المخططات أو في الصمود وتجاوز المحن. ولكن عموما الأمة العربية في حالة اضمحلال وجودي  وتردي حضاري وعمى استراتيجي لا يسمح برؤية الحاضر على حقيقته فكيف سيسمح برؤية المستقبل. وليس مشروع الشرق الأوسط الجديد سوى استثمار في الغباء العربي، مع ما أعقبه من ربيع عبري بكنية عربية دمّر دولا وخرّب مدنا وحطم اقتصادات وقلب الطاولة على الجميع وغيّر أنظمة حكم أو كاد، وحوّل المنطقة إلى طوفان من الارهاب والخراب والدم. بل أدى إلى تغييرات جيوستراتيجية وجيوسياسية عميقة طالت العالم كله. وكان الفاعلون الحقيقيون يستعينون ببيادق محلية أدت أدوارها بحقارة عالية ونذالة منعدمة النضير.

إن الأمر لا يحتاج إلى عصف ذهني ودراسات معمقة ونظريات كثيرة كي ندرك أن العالم العربي يعيش أحلك فتراته، مع ارتفاع حالات الفقر والجريمة في معظم البلدان العربية.

 و رغم أن مشروع الربيع العبري قد فشل في تحقيق غاياته الكبرى (اسقاط سوريا والعراق ولبنان ومصر وليبيا والجزائر وتحويل تونس الى قاعدة عسكرية وتحويل شبابها إلى وقود دائم للارهاب، ثم تقسيم دول الخليج وزرع حرب بينها وصولا إلى ضرب ايران ضربات تنهي كل حركة نمو عسكري واقتصادي بعد تدمير حلفائها في المنطقة). فإنه نجح في جزئيات منها، فما يحدث في ليبيا اليوم وتفكك الدولة بشكل شبه كلي، أو مأساة اليمن المستمرة، وتحول تونس إلى أول مصدّر للإرهاب، كل ذلك أوجه نجاح عميق، وقد كان ثمن هذا المشروع المدمر  باهضا، على المستوى البشري والاجتماعي والنفسي والاقتصادي والعسكري، يكفي أن نرى النتائج بمختلف تفاصيلها على كل من سوريا العراق اليمن ليبيا لنفهم.

أما الوضع الحالي فهو نتيجة لما سلف وباب لما سيأتي بعده، ولا يبشر بخير:

*المجازر في اليمن تستمر والحرب في أبشع وجوهها ولو كان هنالك رؤية استشرافية لتم إيقافها فورا وإيجاد صيغة اتفاق تحقن الدماء وتراعي الواقع بتعقيداته وتحالفاته المتناقضة ضمن موازنات استراتيجية دقيقة، فلا مضيق باب المندب ولا صراع المحاور يستحق دم طفل واحد.

*التوتر الكبير على الحدود اللبنانية الفلسطينية (المحتلة) الذي يعتبر فتيلا لحرب حتمية. حرب يراها الكيان الصهيوني حرب وجود وترميم كرامة بعد هزيمته سنة 2006 وهزيمة وكلائه (داعش والنصرة) في الحرب المستمرة الى اليوم. وتعتبرها المقاومة حرب دمار ورعب على الكيان بشكل غير مسبوق.

 ولست غريبا عن المقاومة روحا وإيمانا لأنها حق لكل الشعوب الحرة إذا ما تم اغتصاب أرضها واستباحة دمائها. وقد حاضرت مع الاتحاد العالمي لعلماء المقاومة الذي يرأسه الشيخ ماهر حمود. والتقيت نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، والأمين العام المساعد ومسؤول العلاقات العربية الشيخ حسن عز الدين، والأمين العام لحركة التوحيد الشيخ بلال سعيد شعبان، ورئيس جبهة العمل المقاوم ومنسق عام جبهة العمل الإسلامي في لبنان الشيخ زهير الجعيد، ورئيس تجمع العلماء المسلمين الشيخ حسان عبد الله. والشيخ عبد الناصر جبري عميد جامعة الدعوة الاسلامية بلبنان رحمه الله. وكانت لي محاضرات ولقاءات قمت بنشرها كلها، رغم ما حدث بعدها من ضجة واتهامات. وليس ذلك من باب التسرع وسوء التدبير، ولكنها شجاعة صاحب الفكر والموقف والقناعة .وبقيت لي صداقات مع رجال أعرف يقينا أنهم لا يخافون سوى خالقهم ولا ينكسرون.

 وأعتقد أن هذه الحرب ستتم ولكن بعد سنوات قليلة ضمن ظروف مختلفة.

*غموض الوضع في العراق مع بوادر أزمات جديدة تخترق الجسد الشيعي نفسه ضمن فتن داخلية كما اخترقت الجسد السني عبر الوهابية، وهو أمر يجب منعه بشكل حاسم، كما يجب منع كل من يوفر غطاء لفلول الوهابية المتطرفة وخلاياها رغم كل الضحايا والدماء، وأعرف من أعني تحديدا.

 فبالرغم من أن العراق انتصر على الارهاب الداعشي فإن المخاطر مستمرة والخلايا النائمة مزروعة كالألغام وقد تنفجر في أي وقت.

دون إغفال محاولات زرع فتنة بين الأكراد والعرب في العراق ضمن مشاريع مستمرة تهدأ ثم تشتعل. إضافة إلى الضربات الاسرائيلية والوجود العسكري الأمريكي وبقايا سنوات الحرب الطويلة ثم ما زرعه الاستعمار الامريكي من فساد وإلحاد وتطرف، حيث أن أصوات الملاحدة والمستهزئين بالدين كثيرة من خلفيات سنية وشيعية. ثم إن الثراء الديني في العراق مكون مهم يجب دعمه من خلال دعم الصوفية ذات المنهج المحمدي النقي، والعراق مهد التصوف وحاضرته مثل بلاد المغرب الكبير. حيث نشأت الطرق الكبرى كالقادرية والرفاعية، وحيث كان الجنيد السالك والرعيل الأول. وكذلك دعم الحوار السني الشيعي، والإسلامي المسيحي (الآشوري والأيزيدي والقبطي…) وكذلك مع الصابئة المندائية وشيخها ستار جبار حلو الذي أعرفه شخصيا وكنت لي معه حوارات كثيرة في بغداد وفي كربلاء. ولابد من الاشارة إلى جهود مجلس شوري العلماء في هذا الصدد والذي تشرفت بزيارات كثيرة له ولقاءات مع ممثلي جميع الاديان في العراق. والعراق رغم كل جراحه عظيم وأب للحضارة البشرية، وكان لي شرف زيارته مرارا ولقاء رجال أشاوس ساهموا مباشرة في انتصاره وعلى رأسهم السيد أبو صالح الألوسي قائد الرباط المحمدي، ونائبه الشيخ محمد النوري. والشيخ يوسف الناصري رئيس مجلس شورى العلماء. وكذلك ممثلي المرجعية الشيعية في كربلاء (السيد أحمد الصافي والشيخ عبد المهدي الكربلائي)، ورئيس دار القرآن الكريم الشيخ حسن المنصوري، وعمداء الجامعات خاصة جامعة بغداد، والاتحاد الدولي للمؤرخين وأمينه العام البروفيسور إبراهيم البيضاني ومن معه من الدكاترة وأتشرف أني الأمين العام المساعد. وكذلك رئيس الاتحاد العربي للقبائل العربية الأمير حسين آل علي، وقيادات من الأمن والجيش، وسواهم من أهل الفضل والعلم والقيادة الذين كان لهم دور مهم، وهم مستمرون، ونتعاون معه بشكل دائم.

العراق سينتصر، ودون الانتصار بقية وجع، بعد أن مضى من الوجع معظمه.

  *استمرار المآسي في سوريا رغم كل الانتصارات، وسوريا الجريحة محاربة في اقتصادها أيضا والليرة السورية محاربة بشكل كبير حتى قد يبلغ الدولار ألف ليرة، ولكن المارد السوري سينهض لا محالة. ولقد عشت في الشام وزرت مدنها لعامين متفرقين سكنتهما فيها، كما التقيت الرئيس السوري الصامد بشار الأسد ضمن وفد علمائي في آخر زيارة، ولي علاقات صداقة مع الكثير من العلماء والمسؤولين والقادة، ومن بسطاء الشعب، ومعرفة دقيقة نتجت عن ترحال ونظر دقيق في أرض الشام ولقاءات كثيرة جدا مع أهل العلم والنظر والمسؤولية.

 وهذا هو السبب الأساسي لما صرحت به في منابر الاعلام منذ سنوات عن يقين تام: أن سوريا لن تُهزم مهما كان ثمن الحرب، وهو ما كان فعلا .

وليت المسؤولين في تونس بعد (الثورة) سمعوا نصائحي التي وجهتها للكثير منهم بشكل مباشر ولم يتورطوا في تلك المؤامرة، لكن التيار كان أقوى منهم، وكانوا أصغر من أن يرفضوا تعليمات أسيادهم، والتاريخ بيننا شاهد، ومنابر الاعلام الكثيرة، والمقالات المنشورة في العديد من الصحف المحلية والعالمية.

*ما شهده السودان من حراك وما نتج عن ذلك من عزل لرئيس الدولة دون أفق واضح للصدام بين المجلس العسكري والمعارضة حتى بعد توقيع الاتفاق السياسي. وشبح الفتنة في السودان ماثل لأن هنالك ملفات كثيرة بحاجة لمعالجة واولها ملف دارفور. ثم كيف سيكون تعامل السودان الجنوبي مع الوضع، وهو الذي لم تتركه الحروب الاهلية والعرقية،  أمر يحتاج إلى نظر وتحليل واستشراف. وأرى خلال كل ذلك إمكانات كبيرة للحل، وإمكانات أخرى لحرب ضروس.

 * الوضع المصري الدقيق أمام انشقاقات مجتمعية عميقة بسبب الايديولوجيا ومخاطر التنظيمات الارهابية في سيناء والتي ضربت مرارا في العمق، وهو وضع يستحق تسخير امكانيات استراتيجية عالية وخاصة في مجال الاستشراف والجيوستراتيجيا للنظر في كيفيات المعالجة وآليات القضاء على خلايا الارهاب وسبل توطيد السلم المجتمعي وتجاوز الخلافات، ثم المسائل الاقتصادية وصولا إلى مسألة المياه وملف سد النهضة ومخاطره على النيل وعلى مصر عموما.

وللتذكير فالحرب العالمية القادمة بشتى أنواع اخراجها (مباشرة أو بالوكالة) ستكون في جزء كبير منها على المياه التي ستشح كثيرا ووفق احدى الدراسات فإن ثلث العالم سيصاب بالعطش بداية من سنة 2023 من جراء الانحباس الحراري المدمر. والتغيرات المناخية ستكون أعنف كل عام. وقد شهد العالم تحولات أدت إلى ارتفاع الحرارة في دول باردة مثل موجات الحر الشديد والغير مسبوق في أوروبا، وإلى صقيع قاتل في مناطق حارة مثلما حدث في صحاري الحجاز مما أدى إلى موت الأنعام من البرد وتجمدها في مؤشر إلى تغيرات مناخية كبيرة وفتاكة. ولهذا ارتباطات كونية ذكرنا بعضها في مقالات سابقة، ونكتب عنها في مقالات قادمة.

*الخلافات الخليجية التي تتعمق كل يوم أكثر، وهو ما يمثل خطورة كبيرة لما تمتلكه بلدان الخليج من امكانيات كبيرة يمكنها مساعدة الامة العربية بشكل جذري، وأعتقد أن النموذج الكويتي يمثل مدرسة سياسية ممتازة يجب النظر إليها بتمعن لتجاوز تلك الخلافات، كما للتجربة المجتمعية العمانية دروس مهمة أيضا في التعايش السلمي بين الاباضية والمالكية، وفي التعامل مع الخلافات. وفي اعتقادي فإن الخلاف القطري / السعودي الاماراتي يجب أن يتم انهاؤه ولا ينبغي النفخ في ناره لنسف ما كان بين الاجداد  من أواصر وبين تلك الشعوب الشقيقة من روابط، كما أن الخلاف السعودي الاماراتي حول ملف اليمن ينبغي أن يمثل دافعا للاتفاق حول حل لمأساة اليمن. وفي النهاية العداء مع ايران لن يفيد بشيء، بل الاتفاق وابرام معاهدات حسن جوار أولى، فالامريكي يحرض على الحرب ويزينها ولكنه سيهرب عند أول مواجهة إن كان واثقا أن جنديا واحدا من جنوده سيصاب بخدش، وعدم الرد العسكري على تدمير طائرة التجسس  أو على احتجاز الباخرة البريطانية برهانان على أن سيناريو الحرب لدى الامريكان والاوربيين بعيد جدا ومستبعد رغم كل التصريحات، والمستفيد الاكبر من تلك الحرب ستكون اسرائيل الخائفة على وجودها. أما العلاقات السعودية / الاماراتية مع ايران فهي حيوية ويكفي ملايين الحجيج الايرانيين وأثرهم الاقتصادي وكذلك أكثر من 400 ألف رجل أعمال ايراني يعملون في الامارات وفق بعض المعطيات التي لم أتثبت من صحتها، وأعتقد أن اتفاقا مثل هذا (مع التغييرات العميقة في الاستراتيجيات وفي المجتمع التي يقودها ولي العهد محمد بن سلمان في السعودية، وجهود كل من محمد بن زايد ولي عهد أبي ظبي  ومحمد بن راشد حاكم دبي ونائب رئيس الدولة في الامارات) سيكون عميق الأثر. وإن تصريحات وزير الخارجية الايراني جواد ظريف الأخيرة تحمل رسائل واضحة للتقارب ونبذ الخلافات. وتحققها ممكن. ولكن للشياطين أوراق أخرى سيلعبونها لمنع ذلك.

وإن زيارتي لهذين البلدين المهمين (السعودية والامارات) ولقاءاتي مع بعض اهل العلم والريادة والقيادة فيهما، والحوارات العميقة والهادفة، بعد زيارتي أكثر من مرة لايران ولقائي مرتين مع القائد الاعلى للبلاد علي خامئني (ضمن وفود علمائية) تبادلت معه في احداها الحديث بشكل مباشر لدقائق وانتشرت صورة ذلك وتبعتها دعوات لقتلي وسحلي من مرضى الغباء الوهابي واذيالهم، متناسين ان القوة الحقيقية في اللقاء والاستماع ولا يعني ذلك تمحورا او عمالة أو تغيير مذهب، ومع عدد من المسؤولين والعلماء الايرانيين وتربطني ببعضهم صداقة دون ذكر أسمائهم، ضمن مؤتمرات علمية كانت لي في احداها كلمة اشتهرت أيضا على المواقع وكان بعدي مباشرة وزير الخارجية ثم رئيس الدولة (أحمدي نجاد) ، وضمن نظرة حيادية تريد الخير للجميع، كل ذلك مثل صياغة لنظرة شمولية ترى المناعة والانتصار للجميع في الاتفاق رغم كل الاختلافات والخلافات. وهذا امر مصيري ولا محيص عنه، رغم صعوبته الكبيرة.

*ملف آخر يخص كلا من السعودية والامارات: ضرورة ايقاف حركات الالحاد والشذوذ لأنها خطر على الأمن القومي، ونسب ارتفاعها خاصة في السعودية كبيرة، ويجب معالجتها وفق مناهج علمية دقيقة، لأن الأمر لا يتعلق بحريات شخصية، بل يتعلق بتدمير مقومات الامن الروحي والامن الثقافي والامن العقائدي. وهي مخاطر على الامة ككل أيضا مواجهتها بحكمة ونجاعة، فما بعد الدعوشة سيكون الالحاد والشذوذ، ومن بعد ذلك تطرف ديني أشد: تطرف يغذي التطرف المضاد.

كل هذا سيكون له ثمن باهض في الأشهر والأعوام القادمة، مع التغييرات التكتيكية التي تقوم بها الولايات المتحدة تحت ادارة ترامب الذي يتخذ منهج الكوبوي بكل عجرفة وأسلوب مباشر، دون حاجة لمساحيق التجميل السياسية .

ويمثل ترامب في اعتقادي أكبر خطر على السلم المجتمعي الامريكي، بل هو يهدد كل ما قام به المصلحون من اجل تجاوز العنصرية: من ابراهام لينكولن إلى مارتن لوثر كينغ وكينيدي، علما وأن الحرب الأهلية الأمريكية في القرن التاسع عشر (أفريل 1861 إلى أفريل 1865) وحركات الانفصال كانت أساسا بسبب مسألة الرق والعبيد الذي هو قمة العنصرية التي يريد ترامب بتصريحاته وتصرفاته تفعيل لوثاتها من جديد في أذهان كثيرة، رغم أنها بقيت لدى المتطرفين البيض إلى اليوم، وقد نجح بالفعل، وانجر عن ذلك تصاعد موجات التعصب وصولا للقتل والمجازر.

 *تطورات القدرات العسكرية الايرانية والروسية لافتة، وتصريحات بوتين تكشف عن استعدادات للحرب، وأن الولايات المتحدة تريد حربا فاصلة وتستعد لها وتطور الأسلحة وتضرب عرض الحائط بكل الاتفاقيات، ولذلك فروسيا أعلنت عن تطويرات كبيرة لأسلحة بعضها لا يوجد في دول أخرى. أما الصعيد الايراني فبالرغم من الخنق الاقتصادي القوي فإن هنالك تطويرات تكنولوجية وعسكرية كبيرة لعل إسقاط أكبر طائرة تجسس في العالم دليل عليها.

حسب ما أراه: الحرب بين الولايات المتحدة وروسيا ستستمر حرب محاور ووكالة: تفعيل ملف أوكرانيا فشل، وضع صورايخ بالستية ومنظومات دفاع متطورة على تخوم روسيا يجابهه تطويرات روسية. الحرب على سوريا فشلت ومثلت ميدان تجريب للأسلحة والحرب التكتيكية ضمن التحالفات والتحالفات المضادة. ولكن الحرب الفعلية بين العملاقين ستكون بعد سنوات، إلا أن تمنعها قوة أكبر وأعظم وأعلى، وهو أمر ممكن رغم أنه يبدو لمن ينظر للأمر بسطحية من قبيل أفلام الخيال العلمي. وللعلم فإن هذا الملف هو أخطر ملف لدى قيادات الدول العظمى، من خلال نتائج متابعة دقيقة لعقود من الزمن. وسينجلي الامر كله قريبا. ولعل لنا علما في هذا نتركه لوقته.

الحرب بين ايران واسرائيل حتمية أيضا يوم ينتهي الوكلاء ويعي الجميع أن العدو الحقيقي هو العدو الصهيوني. وللقدر أوراق أخرى يخفيها.

*دخول الصين في حرب اقتصادية غير مسبوقة مع الولايات المتحدة، فيه ضرر بالاقتصاد العالمي، لكن الولايات المتحدة ستكون الخاسر الاكبر في حال استمرار حمق ترامب.

 *أزمة كشمير ومخاطر المواجهة بين جارتين نووتين (الهند وباكستان) ضمن حرب مؤجلة منذ عقود وحتمية الاشتعال بشكل مباشر أو غير مباشر عبر ضربات ارهابية تستهدف الدولتين ويتم فيها تبادل التهم في حين أن الفاعل الحقيقي والمفعل والمخطط لا ينتمي لأي منهما لكنه سيستفيد حتما. وهو ملف خطير، وينبغي أن يكون للأمة الاسلامية دور في حل الأزمة. وفي الهند وباكستان عقلاء لا يريدون الحرب، ويكفي ما سال من دماء بين من كانوا ابناء وطن واحد (هندوستان)، ودماء البنغال التي سالت في  السبعينات (ثلاثة ملايين قتلتهم القوات الباكستانية وصولا لقتل القائد الشيخ  مجيب الرحمن (أو “البانجو باندو” أبو الأمة)  مع أسرته كلها إلا ابنته الشيخة حسينة التي تترأس حكومة البلاد اليوم  وشقيقتها ريحانة فقد كانتا تدرسان في ألمانيا. وقد زرت ذلك المنزل وآلمني ما شعرت به هنالك. وهي مشاهد يجب أن تحرص قيادات تلك الدول على عدم عودتها. كما ان تفعيل أزمة بين المسلمين والهندوس امر خطير للغاية ستكون نتائجة ارهابا عنيفا وتمزقا أعنف. ونرجو أن لا يكون ذلك. وكنت قد زرت الهند والتقيت قيادات من جيشها ضمن ندوة مغلقة في دلهي، ولديهم من الحنكة والوعي الكثير، كما عشت مع المجتمع الهندي شهرا تقريبا ورأيت حالات التعايش بين المسلمين والهندوس خاصة في مدينة أجمير حيث ولي الهند الأكبر معين الدين الجشتي. ولم أزر باكستان بعد وأرجو زيارتها قريبا وهي دولة مهمة.

 وأما ملف أفغانستان وطالبان فهو الملف الأخطر، وسيستمر النزيف في تلك الدولة المنكوبة والمظلومة إلى حين.

*أما أوروبا فسوف تستمر دولها في الافلاس تباعا والاختناق اقتصاديا واجتماعيا مع تصاعد الشغب بين الفينة والأخرى وضربات ارهابية كل فترة. وما خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي إلا دليل آخر على وجود أزمة اقتصادية فعلية تتجاوز اليونان المفلس وايطاليا التي تواجه اشكاليات عميقة او اسبانيا التي تتعالى فيها كل فترة اصوات الانفصال. ثم أمواج الهجرة الغير شرعية والفوضى الديمغرافية ذات البعدين: ضمور نمو العرق الاوروبي بشكل يهدد بالانقراض بعد مائة عام لشعوب كاملة وفق دراسات، وتطور رهيب للشعوب الوافدة.

ولكن يمكن لأوروبا تجاوز ذلك من خلال تفعيل نموذج اقتصادي لا يعتمد على نهب الدول الافريقية بل على الشراكة معها،  وعبر الخروج من حروب الوكالة التي تخوضها نيابة عن الولايات المتحدة في محاولات محاصرة روسيا أو فيما يخص الشرق الاوسط، وهو ما تسعى ألمانيا لفعله اليوم تحت ادارة ميركل، وما فعلته فرنسا زمن الرئيس المناضل جاك شيراك.

 أما القفزة الحقيقية فستتم ان تم التخلص من التبعية للصهيونية العالمية ودفع ثمن حروبها ونشاطاتها الاجرامية في العالم، ولكنه أمر شبه مستحيل، أو هو المحال عينه.

وفي كل الأحوال نرجو النمو والازدهار للدول الاوربية وتفاعلا أرقى مع شعوبنا والنظر إليها كشعوب ساهمت في بناء الدول الاوربية والدفاع عنها في الحرب العالمية، لأن العلاقات التفاعلية أجدى من علاقات التبعية بين استعمار الغرب واستحمار العرب. (في استعانة بمصطلحين لكل من المفكرين الكبيرين الايراني علي شريعتي (القابلية للاستعمار) والجزائري مالك بن نبي (القابلية للاستحمار).

*أمريكا الجنوبية التي يراد تركيعها للولايات المتحدة تخوض حروبها الداخلية هي الاخرى بين الطموحات ومحاولات التطوير والتغيير والخروج من هيمنة العم سام الذي يفعل كل شيء مهما كان دمويا أو خطيرا من أجل تحقيق غاياته، من بث الفتن إلى قلب الانظمة واختطاف الرؤساء، وبين الترديات الاقتصادية والفقر المدقع لمناطق كثيرة،  وتوغل المافيا التي تمتد أذرعها التهريبية من افغانستان (منتج أساسي للكوكايين) إلى أفريقيا كطريق للترويج نحو اوروبا أو داخل القارة السمراء. ويتقاطع هذا مع الارهاب في أحزمة ودوائر كثيرة حيث تستخدم المجموعات الارهابية تجارة المخدرات والسجائر الملوثة كمصدر اساسي للتمويل، وهو ما فعلته القاعدة في أفغانستان،  وقد كان المختار بن مختار أحد قادة القاعدة في المغرب الكبير وزعيم تنظيم الموقعون بالدماء وتنظيم “المرابطون” يسمى بملك المارلبورو.

 وتبقى فنزويلا في صراع بين ارث تشافيز (الذي أطلق الثورة البوليفارية سنة 1998) وبين اختراق مجتمعي للفكر الامريكي ومحاولات انقلاب على الرئيس الحالي مادورو وتفاعلات دولية متعددة أبرزها الرد الروسي الحاسم والمهدد بالتدخل العسكري.

 وإن تفعيل عمل ارهابي في تلك المناطق أمر وارد وسيكون مدمرا جدا، ونرجو أن لا يتم.

*الضربات الارهابية في نيوزيلاندا بداية مرحلة جديدة من ارهاب قديم متجدد، من مظاهره مجموعات القتل للسود في الولايات المتحدة لقرون، ومحاكم التفتيش وعصابات الاجرام الصليبية وتنظيماتها مثل فرسان مالطا، ومجازر الفاشية والنازية والدول الاستعمارية ككل في مستعمراتها جميعا، وجرائم الهاغانا في فلسطين: إنه “الارهاب الأبيض”.

وبعودته من خلال عملية نيوزيلاندا تم تطويره عبر منظومات رقمية تجعله مجرد ألعاب فيديو مسلية لمن يقوم بها وهو يصوّر جريمته، وللكثير من المهووسين الذين يتابعونها وينتظرون دورهم، ولا شك أنهم سيفعلون في أحزمة جديدة آمنة مثل أستراليا.

وهؤلاء المرضى سيقتلون البشر على أساسين:

* الأول ديني وهو خاص بالمسلمين ضمن تنفيذ لعقليات الملاحدة من أمثال سام هاريس والذي دعا إلى ضرب المسلمين بالسلاح النووي، وكذلك دعا دانييل دينيت وتشارلز دوكنز، وهم من فرسان الالحاد الاربعة كما يسمونهم.

 أو تصريحات مايكل فلين مستشار ترامب للأمن القومي الذي قال أن الاسلام سرطان خبيث يجب اجتثاثه.

* أما الأساس الثاني فهو عرقي وتندرج ضمنه عمليات القتل التي تمت مؤخرا في الولايات المتحدة بعد تصريحات ترامب العنصرية ضد نائبات من أصول غير أمريكية مثل “إلهان عمر” التي وصفته بالعنصري والفاشي بعد دعوتها مع من سماهن بالفرقة (زميلات الهان في الكونغرس) بالعودة الى أوطانهن الاصلية المليئة بالحروب والأوبئة.

 وقد علق ترامب على تلك الجرائم البشعة التي نفذها الارهاب الابيض بأنهم مختلون نفسيا ومهووسون بألعاب الفيديو.

والحقيقة أن الخلل النفسي كبير وألعاب الفيديو لها دور أساسي. لكن من سبّب الخلل النفسي، ومن برمج وصنع تلك الالعاب ووضع لها غايات مدمرة بعضها يوصل للانتحار (كلعبة الحوت الازرق)، والبعض الاخر يدفع مرضى وضعاف الانفس للارهاب والتلذذ بالقتل تماما كما تفعل أفلام الرعب الدموية الفاسدة والمفسدة للذوق والتي يجتمع حولها آلاف الموهووسين بها في مؤشرات نفسية خطيرة وكان الأولى منعها أصلا كما هو الامر بمنع تلك الالعاب. ثم من الذي حفز بشكل مباشر وبخطابات عنصرية ادت الى ارتفاع الجرائم ضد السود والاعراق الاخرى في الولايات المتحدة بشكل لافت وعبر متطرفين من العرق الابيض. بل بلغ الأمر إلى تصريحات علنية بضرورة تنقية الولايات المتحدة من كل الوافدين من غير الاصول الاوروبية.

وتعتبر صناعة الكراهية وتقوية لوثات العنصرية أبرز ملامح فترة حكم ترامب مما ادى إلى ارتفاع جرائم الكراهية بشكل كبير.

*افريقيا السمراء بين خطين متوازيين:

*خط قام بالتطبيع مع اسرائيل بشكل علني ويشهد نسب تطور لافتة. والدولة الصهيونية هي الوحيدة القادرة على منع تدخل دول الاستعمار القديمة عبر لوبيات الضغط.

*وخط لم يقم بالتطبيع وهو في حالات صعبة خاصة مع تفعيل المجموعات الارهابية والنعرات العرقية وسريان رياح الربيع العبري بالتدريج.

وأعتقد أن استمرار الحرب الأهلية في ليبيا وهشاشة الوضع في السودان وتمركز التنظيمات الارهابية في مالي ونيجيريا والصومال وافريقيا الوسطى، وحركات التهجير والتغيير الديمغرافي المستمرة (كان الرئيس السوداني السابق عمر البشير حدثني حين التقيته في منزله أشهر قليلة قبل عزله عن حركات الهجرة إلى السودان والغايات منها وعن الضغط الصهيوني عبر رئيس دولة افريقية وعن تفاصيل كثيرة قد أذكرها في مقال آخر لأنها شهادة مهمة بغض النظر عن المواقف من البشير نفسه بين من يعتبره مجرم حرب ومن يعتبر قائدا تمت خيانته وتقديمه كبش فداء كما هو تم مع معمر القذافي، وهو خلاف لن ينتهي وليس موقفنا منه بذي فائدة استراتيجية تذكر فيما نحن فيه الان.

أضف إلى ما سبق مشاكل الانحباس الحراري ونتائجها المدمرة التي تزداد وتيرتها لتسبب مزيدا من المجاعات والحرائق والتصحر في العالم ككل وفي افريقيا بشكل خاص، كل ذلك سيمهد للمزيد من العنف وللكثير من الغليان الشعبي في نقاط محددة، مع استمرار نمو بعض الدول ضمن أنساق متفاوتة مثل:

* السنغال مع اكتشاف ثروات بترولية جديدة واستقرار اجتماعي رغم جميع الاشكاليات. وقد زرته ورأيت بنية تحتية ممتازة خاصة العاصمة داكار، وشعبا قادرا على الكثير.

*جنوب افريقيا التي تمثل رصيدا كبيرا من السيولة النقدية وفاعلا رئيسيا للتجارة والاسثمار في أفريقيا، وهي من دول مجموعة البريكس التي تأسست سنة 2006 وضمت كلا من البرازيل وروسيا والهند والصين وانضمت إليها جنوب افريقيا سنة 2011 ضمن مخطط لتجاوز الازمة المالية  العالمية التي دمرت اقتصاديات كثيرة سنة 2008 ، كما تمثل أكبر اقتصاد في دول افريقيا جنوب الصحراء، وأكبر اقتصاد صناعي في القارة. وهذا لا يمنع وجود مشاكل اقتصادية يجب حلها.

*رواندا التي تعتبر معجزة الاقتصاد الافريقي بنسبة نمو 7.2 سنة 2018 وأصبحت وجهة للاسثمار العالمي وخاصة الصين التي وقعت معها 15 اتفاقية، كما حلت ضيف شرف القمة العالمية للحكومات لسنة 2019.

*الكونغو الديمقراطية (الزائيير) التي حققت نموا في الناتج المحلي بنسبة 2.4 سنة 2016.

*إثيوبيا التي تمثل النمو الاقتصادي الاسرع وفق  صندوق النقد الدولي الذي توقع نموا بمعدل 8.5 سنة 2018 وهو معدل يفوق الهند (7.5%) والصين  (6.2%)، ووقعت اتفاق مع الاتحاد الاوروبي ب 130 مليون يورو خلال قمة دافوس.

*المملكة المغربية  رغم كل التحديات تستمر في النمو والتطور، ولعل توجهها نحو العمق الاقتصادي في القارة الافريقية بعد زيارات الملك المتعددة لدول كثيرة من القارة يمثل دعامة اقتصادية كبيرة. وكذلك دعم السياحة بتطويرات في البنية التحتية، وتيسير الاجراءات على المستثمرين الاجانب مما أدى إلى انتقال أكثر من 500 مؤسسة وشركة من تونس الى المغرب. مع دعم  المخابرات الاقتصادية التي لها دور بارز في تنمية الاقتصاد، كل ذلك يمثل محفزا كبيرا للنمو.

 وتحتاج ملفات كثيرة وخاصة ملف الريف المغربي إلى عمق استراتيجي وعمل دقيق للحفاظ على الوحدة الوطنية ومنح كل المناطق حقوقها ومطالبها لغلق الباب أمام أي توتر يمكن استغلاله لتفعيل عواصف من الربيع العبري في شكل حراك ظاهره حق ولكن يستغله الباطل.

*وعلى الخط الاستشرافي ستشهد الجزائر تطورا اقتصاديا رغم كل ما يجري اليوم، لأن رياح الربيع العبري لن تتمكن من نشر وباء الارهاب كما كان في العشرية السوداء، مع أن المخاطر الآن كبيرة. وسيشكل فتح الحدود مع المغرب، وتسوية الخلافات حول الصحراء بشكل يخدم مصالح البلدين، مفعلا لتطور اقتصادي جزائري مغربي يساهم في تطوير المغرب العربي والقارة ككل. ولكن هذ لن يؤتي أكله كاملا إلا متى ما تم انهاء الحرب الاهلية الليبية، واستقرار ليبيا وبداية اعمارها من جديد بأيد ومؤسسات ليبية مغاربية لا غربية كما يخططون. وعودتها إلى الساحة الدولية كدولة منيعة ذات سيادة، موحدة وغير مقسّمة (كما هي غاية المشروع الصهيوأمريكي الذي تشترك فيه إيطاليا وفرنسا). رغم أن ذلك أمر دونه عراقيل موضوعية كثيرة وأخرى مفتعلة.

*حزام نوسنتارا سيظل مجالا للنمو والتطور، فدول الملايو فيها شعب رائع وطيب رغم كل الكوارث الطبيعية، وقدرة التفاعل مع بقية النسيج (الصيني الهندي) الذي تم جلبه خلال الاستعمار شكلت قوة اساسية لنمو ماليزيا بعد حرب اهلية طاحنة، وكان لحكمة مهاتير محمد دور أساسي، وكان لي شرف لقائه.

وأندونيسيا أيضا اقتصاد قوي وينمو بشكل كبير، ولها امكانيات كبيرة ستمكنها من تحقيق نقلات نوعية على جميع الاصعدة. وقد التقيت رجال أعمال كبار في جاكرتا ولديهم قدرات استثمارية وتصورات اقتصادية كبيرة.

 أما سنغافورة فهي درة تلك الدول اقتصاديا، خاصة مع ما قامت به رئيسة البلاد حليمة يعقوب ذات الأصول الهندية الملاوية من إجراءات وإنجازات مكنت من نمو الدخل الفردي وتطوير الاقتصاد بشكل لافت.

وبروناي نهر من المال والرخاء لا ينضب، لديها مخزون كبير من الثروات وخاصة الذهب.

 في حين تمثل الفلبين حلقة ضعف مع اختراق الارهاب وتنظيم أبو سياف لها.

ولعل تنظيم نوسنتارا الارهابي هو الرمح المسدد لايقاف نمو تلك الدول وضربها متى ما رأى شياطين البشر حاجة لذلك، وهو ما يجب الحذر منه ومنعه بمنع الفكر الظلامي من الانتشار، والثابت لدي وفق معطيات أخذتها في تلك الدول فإن الوهابية قامت وتقوم بنشاط كبير في اندونيسيا، وفي ماليزيا (بدعم مباشر من رئيس الحكومة السابق) و هو ما يقوم مهاتير بتعديله. ولنهضة العلماء والطريقة النهضية المعتبرة (وقد التقيت مرارا مع رؤسائها وقادتها خاصة كلّ من الدكتور سعيد عقيل سراج رئيس نهضة العلماء والحبيب لطفي بن يحيى شيخ الطريقة النهضية ) دور مهم في مناعة دول نوسانتارا ككل، عبر تقوية الامن الروحي والوعي الديني. كما لا أنسى لقائي بالقائد الأعلى للقوات المسلحة في أندونيسيا وما لمسته لديه ولدى من كانوا معه من قادة وجنود من انضباط ومحبة وثقة وامتلاء روحي وعقيدة دينية نقية وقوية، وهذ يمثل بحد ذاته درعا قويا واقيا يجب أن يحتذى به.

*السياسات التركية سوف تتطور وتتغير تباعا لتمضي من محور إلى محور مضاد، إذ أن التعاون العسكري والاقتصادي بين تركيا وروسيا سيشهد تصاعدا تطوريا كبيرا.

 ولكن تحديد الحركات القادمة في  الوضع السوري ومدى الذكاء الاستراتيجي والاستشرافي سيكون له أثر عميق على السنوات القادمة، فليس أفضل لتركيا من مساعدة سوريا على الانتصار على الارهاب، ومن ايجاد حلول تساهم في عودة الدولة السورية لسابق قوتها، فذلك وحده الكفيل بمنع تغذية الانفصال داخل تركيا وسوريا ضمن مخطط يهدف إلى بناء دولة كردية تضم كردستان العراق وكردستان ايران (زرتها أكثر من مرة) مع مناطق الأكراد في سوريا وتركيا.

وبالرغم من أن الاكراد شعب كبير وكان له أثره المهم في تاريخ الأمة الإسلامية (آل زنكي وآل أيوب نموذجا) فإن التاريخ وأحداثه الظالمة في أحيان كثيرة أفضت إلى عدم وجود دولة مستقلة لهذا الشعب العظيم الذي التقيت الكثير من علمائه الممتازين، والحل حتما لا يكون بتمزيق دول ذات كيان في هذا الوضع الحرج.

وأرى أن حرب ترامب على الاقتصاد التركي ستكون اعنف. كما أرى أن هنالك تغييرات سياسية كبيرة في ذلك البلد الذي ضم الخلافة الاسلامية لستمائة عام. وقد كنت التقيت بعض المسؤولين الاتراك واهل العلم والتصوف في اسطنبول، ولا أرى تلك البلاد إلا حاضرة للعلم والحضارة والجمال.

*عملاق الصين مستمر وسيكون الاقتصاد الاقوى عالميا بعد عشر سنوات. ولكن المخاطر كبيرة، وتفعيل ورقة الارهاب ممكن جدا عبر اختراق مسلمي الايغور كما تم اختراق مسلمي اراكان في بورما. ويكفي اختراق مائة شاب فقط والقيام بعمليات ارهابية لتحريك فوبيا من لاسلام وربطه بالتطرف وسيكون لذلك نتائج وخيمة. وللعلم فإن الإختراق تم فعلا وتم تنفيذ بعض العلميات الارهابية في الصين مثل عملية كويمينغ. وهذ سبب مضايقات أشد للمسلمين الهوي والإيغور. ولي معرفة مباشرة ببعضهم وهم من أهل التصوف وشيخهم العارف الصيني اليمني الأصل الحبيب محمد حبيب العليم. ويحتاج هذا الملف إلى دور علمائي من أجل توضيح الفوارق بين الإسلام وبين أدعياء الإسلام وبشكل أخص بين المنهج الصوفي المتسامح الذي يجب دعمه، والمنهج الوهابي المتطرف الذي ينبغي منعه.

وقد تم الاختراق منذ التسعينات في بورما وهو من الأسباب المباشرة لما يجري منذ سنوات من إبادة بحق المسلمين لأن التطرف يغذي التطرف المضاد، والوهابية تغذي حركات التطرف البوذية والهندوسية. مع أن البوذية ديانة تأمل وسلام، والهندوسية ديانة فن وروحانية وسلام أيضا، وهذا أقوله لتخصصي العلمي في فلسفة وتاريخ هذه الديانات ولممارستي الطويلة لفنون الدفاع الصينية واليابانية وكذلك لقاءاتي الكثيرة من رهبان بوذيين وهندوس من مدارس مختلفة وخاصة الراهب الشهير بوجيا سوامي صاحب المنهج السلمي المنفتح والمحب للمسلمين وصاحب المجهودات الكبيرة في مكافحة الفقر وحماية البيئة، وكان لقائي به ضمن مؤتمر للسلام والأديان في معبد التأمل واليوغا في شيكريديش على ضفاف نهر الغانغا وقرب جبال الهيمالايا. وفي المقابل فإن الدعاة المسلمين الأوائل كانوا أهل محبة ووئام مع شعوب المنطقة وللعارف الكبير معين الدين الجشتي ولي الهند وسلطانها الذي أوصل الإسلام إليها دور في إرساء ذلك وإلى اليوم مازال الهندوس يأكلون الطعام ويحضرون ويزورون مقامه في مدينة أجمير من إقليم راجستان، وأنا شاهد على ذلك حيث مكثث فيه أياما لا تنسى في ضيافة شيخ الطريقة الجشتية السيد سلمان جشتي.

أما ما تم مؤخرا في سريلانكا من عمليات ارهابية دموية ضد المسيحيين فهو مرحلة متقدمة من تنفيذ المخطط الارهابي الذي نبهت له منذ سنوات ويراد منه إشعال حريق كبير بشكل لا يوصف حيث سيتم زرع حرب إثنية وعرقية بين المسلمين والبوذيين والهندوس عبر تفعيل هجومات ضد البوذيين والهندوس والمسيحيين، ثم يتم تفعيل الارهاب المضاد عبر متطرفين من البوذيين والهندوس كما تم في بورما.

وهو مشروع يتم العمل عليه فعليا ليتم ربط الارهاب الاسود (الذي يلبس عباءة الاسلام زورا ويستخدم الوهابية) بالارهاب الاصفر (التطرف البوذي المؤدي للارهاب والقتل مثل الراهب العنصري “ويراتو” الذي يعتبر رمز الترهيب البوذي لمسلمي الروهينغا كما وصفته مجلة تايم الامريكية، ويعيش في ديره في ماندالاي وسط بورما. واشتهر بخطبه الداعية لطرد وقتل المسلمين ووصفهم بالوباء. ووضعه الفيسبوك في الائحة السوداء واغلق حسابه سنة 2018. ولكن له ملايين المتابعين ينشرون خطبه رغم الحظر. وهنالك معطيات أن أنصاره من المتطرفين القوميين البوذيين شاركوا مع الجيش في ما وصفته الامم المتحدة بحرب الابادة الجماعية للمسلمين. وكنت زرت مخيماتهم في مدينة كوكسبازار في بنغلاديش الحدودية مع بورما، وسمعت عن مآسيهم بشكل مباشر، وهي مشاهد من المعانات البشرية الفظيعة التي لا يمكن نسيانها، ودليل على موت الضمير العالمي.

*ويمثل نسيج الارهاب (الاسود والاصفر) خطرا على دول شرق آسيا جميعا، وسيكون له أذرع في بلاد الملايو (اندونيسيا ماليزيا بروناي الفلبين) وفي روسيا (تنظيم القوقاز أو تنظيم خراسان) وفي الهند والصين.كما يمثل الارهاب الابيض طاعونا فتاكا على دول مثل نيوزيلانا واستراليا، ووباء قاتلا في الولايات المتحدة وأوروبا حيث تتصاعد الأحزاب اليمينية المتطرفة ويكثر أنصارها بشكل مطرد وقد تفوز في انتخابات في ألمانيا وفي فرنسا. وحين تضع في مقابل ذلك نسبة المنستبين للمنهج الوهابي الذين استغلوا مناخ الحريات من جهة لنشر سمومهم وكذلك الفراغ الروحي لدى الكثير من الشباب الأوروبيين وأزماتهم النفسية، ثم تواطؤ أنظمة أوروبية كثيرة والمسجد الكبير ببروكسل وكذلك الكثير من مساجد فرنسا دليل على ذلك لمن أراد أن يدقق ويحقق. وأذكر حواري في باريس مع صديق فرنسي حول أحد جيرانه وكان ملحدا بعد أن كان مسيحيا، ثم كيف أسلم فجأة ومضى إلى سوريا وقام بعملية انتحارية. ولم يكن صديقي يدرك العلاقة بين من ينشرون الالحاد ومن ينشرون المنهج الوهابي الدموي الذي لا يمثل حقيقة الإسلام المحمدي السمح، والروابط الخفية بينهما. ويحتاج الأمر إلى مراجعة كتابي “رحلة في عقل إرهابي” لفهم الآليات والمنطلقات وطرق البرمجة والربط.

*هي جولة استشرافية وتحليلية مختزلة، وفق ما أراه، بعد متابعة دقيقة ودراسات كثيرة وأسفار إلى عدد كبير من الدول التي ذكرتها، ولقاءات مع مسؤولين وعلماء وقادة عسكريين فيها. وسأستمر في النظر والسفر ومحاولة خدمة الإنسانية كجامع بين البشر، ضمن وعي بأن من يشعلون الحروب والفتن لا يمثلون دينا محددا أو نظرة معينة للوجود، بل يمثلون أعداء بني البشر وشياطينا في أشكال آدمية ولهم مخطط للقضاء على ثلثي البشرية ضمن هلوسات تتصل بالهرمجدون ويوم الدينونة. في حين أن الحق غالب وأن للكون مدبرا قادرا سيمنعهم في الأجل المحدد كما كان البيان في جميع الكتب الأولى من كتب سومر إلى القرآن الكريم.

*من المهم اضافة مخاطر اخرى على العالم من قبيل الانحباس الحراري في مستويات أعلى (حرائق الامزون والاعاصير المدمرة كدليل آني)، ومخاطر الكويكبات (وفق ما نشرته وكالة الفضاء الامريكية ناسا)، وصولا لضغط “نيبرو” المستمر على كوكب الارض في انتظار مروره الحتمي بجواره عاجلا أو آجلا.

كل هذا يثبت أن العالم في خطر، وليس أخطر فيه من شذاذ الآفاق وناشري البغي والشذوذ حتى تمت شرعنة الزواج بين الانسان والحيوان في بعض الدول الاوروبية بعد شرعنة زواج المثليين.

 وكل هذا سيكون له أثره على المصير البشري، فقد ترك لنا التاريخ درسا لا يمكن محوه وشواهده موجودة الى الان: متى تم تدمير الاخلاق، فإن دمار المعمار حتمي، مهما بلغت الحضارة من القوة.

سوسة

03/09/2019  12:22