Mazen Cherif
مقالات فكرية وعلمية

قصة الخلق الجزء الرابع: في معاني “الأرض”

إن لغز الحياة خارج كوكب الأرض يستمر في إثارة خيال الكتاب وصنّاع الأفلام، وفي تحفيز وكالات الفضاء على البحث ومحاولة التواصل مع الحضارات الأخرى المحتملة التي تسكن أعماق الكون. وبالرغم مما يسببه ملف “السفن الفضائية” من إرباك، فإن الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة ووكالة فضائها (ناسا) تستمر في الترويج إلى سيناريوهات مختلفة حول الحياة خارج الكوكب ولو بشكل بكتيري بدائي. وبما أن الحياة البشرية وفق فهمهم في مراحل أولى من وجودها ضمن المرحلة التطورية الحالية (مرحلة الانسان الحالي كما يزعمون) بعد سلسلة تطور من كائنات أقل وعيا وأشبه بالقرود إلى جد من القردة متصل بأجداد أكثر قدما من الثديات، فإنهم يتخيلون إمكانية وجود نشأة أولية لحياة خارج الكوكب الذي يسكنه البشر، وهنالك نظريات أخرى عن وجود كائنات أخرى ولكن معظم الصور التي ينشرونها عنها كونها كائنات بشعة أشبه بالحشرات الكبيرة أو خليط بين بشري مشوه وأخطبوط وحشرة أو قرد ضمن لوثات تصورية غايتها تمجيد كينونتهم البشرية ضمن نسختها الحاليات وتصوراتها المادية الالحادية وتتفيه ما عدى ذلك. ويمكن ذكر افلام كثيرة تم فيها الترويج لهذه الصور مثل الفيلم الأشهر ET وأيضا فيلم يوم الاستقلال بمختلف أجزائه وغيرها من الأفلام. ومع ذلك فإن سلسلة أفلام مارفل وديسي Marvel and DC تمثل النظرة الأفضل لتلك الكائنات ضمن تصورات عن حضارات ذات قوة كبيرة وجمالية عالية.

كل هذه المسائل تعتبر خلاصة النظرة البشرية الحالية لما يمكن أن يكون حضارات أخرى في كواكب أخرى.

والسؤال هنا: هل توجد اليوم حضارات في كواكب أخرى؟

ولكني سأستخدم صيغة أخرى للسؤال: هل كانت هنالك حضارات في كواكب أخرى؟

وسأستخدم كل ما سبق ذكره عن تاريخ الكون وعن الخط الوجودي البشري للإجابة عن هذا السؤال.

تتطلب الإجابة إعادة قراءة لبعض ما سبق ذكره من الآيات القرآنية التي تصف خلق الله عز وجل للكون وتشكل مقومات الحياة الأرضية، وبشكل خاص آية عودة الانتظام الكوني في سورة فصلت: ” ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)”.

الآن لنراجع بعض المعلومات التي تم ذكرها سابقا: ” مجرة درب التبانة التي فيها كوكب الأرض قطرها 100 ألف سنة ضوئية، فيها  200 مليار نجم ولكل نجم كوكب او اكثر يدور في مداره، لأن النجم هو شمس كشمسنا، وربما أكبر آلاف بل مليارات المرات .

مجرة المرأة المسلسلة أو أندروميدا (اسم من الأساطير اليونانية) هي المجرة الأقرب لمجرة درب التبانة،  ويبلغ قطرها  حوالي 220.000 سنة ضوئية، يبعد مركزها نحو 2.5. و يمكن رؤيتها بالعين المجردة. تحتوي اندروميدا على ألف مليار نجم.

وفي الكون المرئي مليون عنقود عظيم أو مجموعة كبرى، وفيها عدد هائل من المجرات. فالجزء المشاهد من الارض يحتوي 100 مليار مجرة، في كل مجرة 100 مليار نجم وأضعافه من الكواكب والأقمار، كل نجم مثل أو أعظم من الشمس مثل ما سمّي بـ UY Scuti الذي يبلغ قطره 2.4 مليار كيلومتر فهو أكبر خمسة  مليارات مرة من الشمس . وهو على مسافة 9500 سنة ضوئية من الأرض.

قطر هذا الجزء المرئي 90 مليار سنة ضوئية”.

سؤالي على غاية البساطة: ما قيمة كوكب الأرض الذي عليه البشر اليوم ضمن توازنات كون بهذا الحجم فيه تلك الأعداد من الكواكب والشموس والمجرات؟ وهو لا يمثل سوى ما هو أدنى من حبة رمل في صحراء بحجم المشتري. ولك أن تقارن بين كوكب قطره 12,742 كيلومتر، وبين القطر المرئي للكون (90 مليار سنة ضوئية).

علينا أن نفهم مسألة على غاية الأهمية: الذي نزّل القرآن هو الله سبحانه وتعالى الحكيم العليم، والقرآن وحيه وكلامه، ولا يقول الله كلمة عبثا. وعليه فإن لفهم كل الآيات التي تم فيها ذكر السموات والأرض وجهتان:

*وجهة تنتطلق من رؤية البشر أنفسهم للكوكب الذي هم عليه وهو كوكب واسع شاسع مقارنة بأحجامهم هم. وهنا نص قول ملائكة الموت لمن ظلموا أنفسهم ممكن كانوا مستضعفين في الأرض: ” إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)” (النساء).

*وجهة كونية فوقية ترى حقيقة هذا الكون كما بدأت البشرية منذ هنيهة في اكتشافه وفق مقومات علم حضارة آخر الزمان ضمن هذه المرحلة من تاريخ ذرية آدم. رغم أن هنالك حضارات سابقة ومن بينها السومرية لها فهم عميق للكون.

وضمن وجهة النظر هذه فالأرض بمعنى كوكب الأرض الذي يعيش عليه البشر لا تعدو أن تكون هباءة صغيرة.

وهنا يتكرر السؤال: أي معنى من وجهة النظر الكونية الشاملة لكل الآيات التي تم فيها ذكر السماوات والأرض؟

مثل أن يقول الله سبحانه وسع كرسيه السموات وهي ما هي من أحجام وحبة رمل صغيرة، لا وجود لأي منطق إذا غادرنا النظرة البشرية الأرضية التي ترى الكوكب عظيما ومركزا للكون إلى نظرة كونية تنظر للأرض البشرية من خلف مليارات المليارات من المجرات.

الحل بسيط جدا: المقصود هنا بكلمة “أرض” ضمن هذه السياقات هو: جميع الكواكب.

فكل كوكب يحيط بنجم سواء كان حارا جدا أو معتدلا أو باردا أو مليئا بالغازات أو غير ذلك من أنواع الكواكب هو “أرض”. كما أن كل نجم هو شمس.

فالكواكب تلف في مدارات النجوم التي هي شموسها الخاصة. وقد ذكر علماء الكونيات أن ما كان يعتبر استثناء (دوران كوكب حول نجم) بات يعتبر هو القاعدة، ولا يخرج منها سوى الكواكب المارقة ذات الكتلة الكبيرة مثل كوكب نيبيرو في المجموعة الشمسية الخاصة بالأرض البشرية. وعليه فتلك المليارات من النجوم هي جميعا شموس ولها مجموعاتها الكوكبية الخاصة. وهنالك أقمار تدور في مدارات تلك الكواكب.

هذا سيجعل فهم الآية أكثر وضوحا: ” ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)”.

أي تشكل الكواكب بعد المرحلة الدخانية والانفجارات الكبيرة وموت النجوم الأولى التي صهرت المواد وشكلتها في نمط انفجاري نووي وحرارة مرتفعة شكلت الحديد على سبيل المثال وهو أمر لا يمكن أن تقوم به النجوم التي ولدت بعد النجوم الأولى كالشمس.

هذا الأمر كان منذ خمسة إلى أربعة مليارات عام أرضي بشري. أي منذ خمسة إلى أربعة أيام خلقية. تم فيها تشكل المجرات والنجوم والكواكب ضمن نسق تطوري منتظم.

“فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ” تعني عودة تلك الكواكب الكثيرة مع الكون الذي هي فيه (المجرات وعناقيدها وما فوق ذلك) إلى نسق الانتظام المداري كان بقوى وقدرات أودعها الله في تلك الكواكب وفي الكون نفسه وليس بتدخل قوة من خارج الكون ضمن المستوى الفيزيائي المادي. فكرها يعني هنالك مؤثرات من خارج الكون، وطوعا تعني وجود المقومات داخل الكون وعند تلك الكواكب، وهي ليست سوى قوة الثقالة أو الجاذبية التي عزا إليه هوكينغ خلق الكون وخصص لها آينشتاين نسبيته العامة ووضع لها نيوتن قواعد وقوانين. وعودة الانتظام لها أيضا ارتباطات كمية دقيقة ضمن تأثير الأدنى على الأعلى والأصغر على الأكبر. مما يعني أن القوى النووية الشديدة والضعيفة والكهرومغناطيسية التي تضبط عوالم الجزئيات لها أثر كبير في التوازن الكوني العام، إضافة إلى دور المادة السوداء وقوى أخرى ما يزال العلم المادي يجهلها.

ضمن هذا الفهم علينا أن نعيد قراءة هذه الآيات:

” وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)”.

فهي تعني السماوات والكواكب جميعا. وطبيعي أن كوكب الأرض التي عليها البشر منضو ضمن ذلك. وأن الفهم وفق النظرة البشرية للأرض لا النظرة الكونية ليس فهما خاطئا لكنه فهم محدود.

وهنا تكون الآيات لتي تصف النشأة الأولى والخلق الكوني ثم الأرضي تحمل معنى الخلق الكوكبي العام، الذي يشمل كوكب الأرض المأهول بشريا منذ استخلاف آدم ونزوله، وهذا يجعل المعنى أدق وأكمل وأشمل، مع الأخذ بالاعتبار عبقرية انتقال المعنى للفظ الأرض من العام إلى الخاص ضمن هذا الفهم كما في هذه الآيات من سورة الأنبياء:” أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)” هنا الأرض ترد بمعنى جميع الكواكب التي نشأت بعد انفجارات كبرى آخرها الانفجار الكبير الخاص بتشكل السماء الدنيا. ويعني أيضا أن السموات السبع تحتوي على كواكب أرضية مادية كما تحتوي على شموس وأقمار مع الاختلافات بينها من سماء إلى أخرى: “أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16)”.

 فلا يصح تصور كون الشمس التي تضيء الأرض البشرية هي ذاتها التي تضيء الكون وفيه مليارات المليارات مما هو أعظم منها، إنما القصد اسم جمع لكل الشموس والأقمار في الكون المادي وفيما فوق ذلك من السماوات، وذات الأمر ينطبق على معنى الأرض أي اسم جامع لكل الكواكب.

 “وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا ۖ وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33)” (الأنبياء).

هنا ينزل المعنى نحو الخصوصية ضمن ذات اللفظ (الأرض) ليجري الكلام عن الكوكب الذي يعمره البشر حاليا، ولكن ذلك لا يمنع توفر الأمر في كواكب الأرض الأخرى.

ووفق نفس المنهجية يتم النظر في هذه الآيات: “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)” (الطلاق).

فليس القصد سبعة كواكب أرضية أو نسخ من كوكب الأرض البشري إن جازت العبارة، فالكون يحتوي مليارات المليارات من الكواكب، بل عدد الجمع أي سبع سموات وسبع مجموعات أرضية كبرى توجد كل مجموعة في سماء من تلك السماوات. كما توجد في السماوات السبع شموس وأقمار بنص آية سورة نوح وبيانه لقومه (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16)”). فلا يصح أنها شمس واحدة وقمر واحد. رغم ما ذهب إليه المفسرون الذين جعلوا بين كل أرض وأخرى مسافة خمسائة عام وبين السماء والأرض مسافة خمسمائة عام وهو قطعا بعيد جدا عن الحقائق الكونية والمسافات التي ما كان عقل مفسر منهم ليتصورها. كما ذهب آخرون إلى كون الشمس والقمر يضيئان جزءا يسيرا وإن تم تعميم اللفظ. وهذا فهم محدود أيضا لأن الكون يحتوي فعلا على مليارات الشموس والأقمار.

فهل كل تلك الكواكب تم إيجادها عبثا؟

” تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44)” (الإسراء).

” وَمَن فِيهِنَّ” مفتاح أولي للفهم إذا تم الوعي بمسألة وجهتي النظر لمصطلح “أرض” بين الجانب الكوني الذي يشمل كل الكواكب وبين النظرة البشرية التي انحصرت في أطر المحيط الجغرافي فقط. وعليه ففي السموات والكواكب كائنات خاصة. فهل من باب أقرب للفهم.

“وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (29) ” (الشورى)

إن بث الدواب ضمن الفهم الكوني يعني أن الخالق سبحانه خلق الأكوان والسموات وما فيها من كواكب ومن عوالم أيضا وأبعاد وجعل الحياة فيها مبثوثة أي منتشرة انتشارا واسعا.

فكل الكواكب أراض على اختلافاتها، أودع الله فيما اختاره منها لنشوء نوعيات الحياة مقومات خاصة، وفق كل نوع أكان حارا جدا أو باراد للغاية أو صلبا أو مليئا بالغازات أو مغمورا بالمياه، ولكل طبيعة حياة مقوماتها وما يتوافق معها، لأن عناصر الخلق للكائنات أيضا مختلفة، فالبشر من طين والأنعام من ماء والجن من نار وهذا فقط قسم صغير من خلق أعظم.

ومن هذا الباب سنلج إلى قصة للكون تحتاج ذوقا وروحانية عالية. والأمر متروك للقارئ أن يتمثل ذلك ويرى من خلاله أو أن يدحضه أو يناقشه.