قصة الخلق: الجزء الأول: كيف كانت البداية

4 دقائق للقراءة

عندما تشاهد بحوث العلماء الغربيين حول نشأة الحياة، وأسرار الكون، ونظرياتهم وتفسيراتهم، والكتب التي كتبوها والمؤتمرات العلمية والبرامج التلفزية ثم الأفلام السينمائية التي تحمل الكثير من تلك المعلومات والنظريات، وتنظر في بحوث وكالة الفضاء الأمريكية ونظيراتها في الدول العظمى كالاوروبية والروسية والصينية، عندما تشاهد كل ذلك فلك أن تتساءل عن الدافع إلى ذلك؟ فهل هو مجرد الاكتشاف، أم إثبات نظرة محددة للكون ؟

إن تركيز منظري الالحاد على العلوم الكونية والبيولوجية، ضمن نسق التطور الدارويني من جانب، والذي يركز عليه ريتشارد دوكنز زعيم الملاحدة الجدد وهو بيولوجي تطوري، ونظريات ستيفن هاوكينغ الكونية من جانب ثان، وهو أقوى عقل فيزيائي كوني في الفترة المعاصرة، يكشف نزعة قوية إلى صبغ الوجود بصبغة إلحادية غير مسبوقة تخرج من الأطر الفسلفية إلى اطر علمية دقيقة تحاول من خلال النظريات الكونية والبحث في التشفير الجيني وفي فيزياء الكم أن تثبت نشوء كل شيء من لا شيء بمجرد مصادفة.

على صعيد آخر ستجد لدى الكثير من علماء الدين المسلمين بعدا كليا عن هذه المسائل، بل تستمر الجدالات المذهبية والنزاعات العقائدية وما تفرزه من خراب بنيوي فكري يصل إلى خراب مادي فعلي ضمن تفعيلات العقائد المتطرفة في مجال الارهاب والتكفير والتفجير.

ولعل جهود علماء الاعجاز العلمي للقرآن الكريم جهود طيبة، في محاولة للربط بين اكتشافات العلم وبين الآيات القرآنية، وتعد جهود الدكتور مصطفى محمود عملا قيّما كبيرا فتح المجال لمن جاء بعده في هذا الصدد.

والسؤال المهم هنا: هل من مشمولات الباحث في القرآن الكريم والناظر في آياته، بل والمعتقد في أنه كتاب الله، أي المسلم المؤمن المسلّم بأن القرآن كتاب منزّل فيه أوامر ربانية ومعطيات إلهية هي عين الحق وليست من باب الاحتمال أو النقص، هل من مشمولات نظره وبحثه أن يتساءل حول الكون ونشأته والخلق وقصته والحياة وبدايتها؟

أم عليه أن ينكب فقط على آيات العبادات والمعاملات والاحكام وقصص الأنبياء دون التفات إلى العالم من حوله وإلى الكون الذي هو فيه ولا نظر للحكمة والسر والغوص في الأسئلة الوجودية التي تتصل بالفلسفة والمنطق وعلوم الكون والحياة وما في ذلك من جيولوجيا وبيولوجيا وفيزياء كونية وعلم فلك وتاريخ وحفريات وشغف نراه عند الملاحدة وعند الذين يعتنقون التصور المادي للعالم ولا نراه عند علماء المسلمين.

إن مثل هذا الطرح سيمثل تأطيرا لما نروم الخوض فيه، فهل نحن نمتثل لأمر رباني، أم نأتي لهوا وعبثا وشيئا نُكرا.

يقول الحق جل وعلا في محكم تنزيله: “قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) (العنكبوت)

إذا النظر في نشأة الخلق أمر إلهي، فهل نعتقد أنه يخص المنكرين الكافرين (مما يفسر انكباب الغرب الكافر ضمن الفهم العقدي الضيق على تلك المسائل والعلوم) أم أن أهل الإيمان به أولى؟

إن الأمر جلي واضح، في النظر والبحث حول النشأة الأولى، وبدايات الخلق، وتفاصيله، من جانب البحث العلمي، ومن الجانب النظري المنطقي والفلسفي والوجودي، حيث أن هنالك أمورا في الكون والحياة من المحال إخضاعها للبحث التجريبي، بل هي مجال نظر وتفكير وتنظير.

أجل بإمكان العلماء اليوم رصد جوانب عبر التليسكوبات مثل تلسكوب هابل، وبإمكانهم القيام بتحليل بعض الجوانب من الكون المنظور الذي يمثل جزءا بسيطا من الكون، رغم أنه مجال شاسع إلى درجة لا يمكن تصورها. كما بإمكانهم دراسة نشأة الكون عبر الترددات الاشعاعية والحرارية، وكذلك دراسة النيازك التي تحمل الكثير من ذاكرة الكون، ثم دراسة الأرض وما بقي في جيولوجيتها من آثار النشأة الأولى رغم أن معظم الآثار اندثرت جراء التغيرات الكثيرة التي شهدها الكوكب. وكذلك دراسة البكتيريا وتراكمات الحياة الأولى في المستحثات وفي بقايا الأشجار وعظام الديناصورات وغيرها من أمور تفيد في الرجوع إلى أزمنة سحيقة تصل إلى ملايين السنين، وبعضها يتصل بمليارات السنوات، إن كنا نؤمن بمصداقية ما يقولونه وصحة تحليلاتهم الكربونية.

نظرنا في النشأة سيستخدم خلاصات تلك البحوث، ولكنه سيخرج بها من فخ الالحادية الذي وضعوه لاصطياد كل مغرم بتلك العلوم، مرددين شعارهم الكبير: نحن نؤمن بالعلم لا بالدين، فماذا تختار؟

إن كل شغوف بتلك المعارف وغير متمكن من فهم الدين على حقيقته، ومن تنقية الغث من السمين في الكتب القديمة، وحين يقارن بين ما يشاهده في تلك الافلام الوثاقية الخلابة وأدلتها الدقيقة وكلام العلماء الكبار ونظرياتهم، وبين ما سيجد من إسرائيليات وترهات وخرافات تعج بها كتب السنة (للأسف) في مجالات كثيرة، ثم كلام مشائخ القرف والجهل خاصة أصحاب الفكر الضيق المنغلق والتصادمي مع العلم والمردد عمدا لكل ما ينفر من الدين ولكل ما يثبت عقلا ومنطقا أنه موضوع مدسوس ومكذوب على رسول الرحمة والعلم والعقل وحرية الفكر وصاحب أكبر ثورة فكرية وعقائدية واجتماعية وانسانية في التاريخ البشري. وبعد مقارنة سريعة سيختار العلم ويرتمي في أحضان الملاحدة، وعملية احصائية بسيطة سوف تبين الأعداد المهولة للشباب المسلم الذي ألحد منذ العشرية الماضية خاصة بعد تحول الفكر التيمي الوهابي الفاسد وما لديه من زاد من الاسرائيليات وتراكمات التعصب الفقهي إلى تنظيم يقتل ويسبي ويخرب ويفجر مطبقا لما في تلك الكتب لا أكثر.

ولذلك فإن الدافع إلى هذه الرحلة ليس مجرد ترف الفكر والتسلية، بل هو واجب على علماء الامة للرد الفعلي والفعّال، وتبيان الحقائق وتأطير العقول.

وإن الآيات القرآنية التي تحث على مثل هذا البحث والنظر كثيرة، ليت الأمة عكفت على تطبيقها وتحقيقها. لكأنهم لم يقرؤوا قولهم سبحانه: ﴿أَوَلَمۡ یَنظُرُوا۟ فِی مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَیۡءࣲ وَأَنۡ عَسَىٰۤ أَن یَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖ فَبِأَیِّ حَدِیثِۭ بَعۡدَهُۥ یُؤۡمِنُونَ﴾ [الأعراف ١٨٥]

وللعلم فنحن لسنا هنا في حرب مع العلماء الغربيين ومن كان في نهجهم المعرفي الذي يحتوي على الكثير من الرقي ومن الدقة والصحة ثم تطوير لمباحث انسانية أسهمت فيها حضارات كثيرة ومن بينها السومرية والفرعونية والاغريقية الفلسفية والاسلامية بلا شك والتي كانت قمة في تلك المعارف عبر علماء غيروا مسار الحضارة وطوروا معارف البشر في جميع المجالات خاصة المنطق والفكر والطب والفلك والرياضيات والكيمياء والجغرافيا وعلوم الأرض من أمثال ابن رشد والكندي وابن سينا والرازي والخوارزمي وجابر بن حيان وابن الهيثم وابن النديم وابن الجزار والشريف الادريسي وسواهم.

بل نحن نريد الاستفادة والافادة مع ضرب الالحادية ونسف براهينها وكشف حقيقتها، وتبيان معان مهمة للمسألة الوجودية، مستأنسين ببحوث العلماء ونظرياتهم بعد مطالعات معمقة لسنوات طويلة، ومعتمدين أساسا على مصدر مهم وعظيم وهو القرآن الكريم، ضمن ذوقية في النظر وروحية في الفهم والتدبر.

إنه سفر مضن، ولكنه سفر ممتع، لأنه سيجعل قلبك أكثر يقينا، وعقلك أشد وعيا، فالله سبحانه وتعالى قهر في كل شيء، ولن تجد في الكون ولا في الحياة ولا في ما تراه من حولك إلا البراهين القاطعة على أنه هو الخالق سبحانه، وهو أمر يقر به الملاحدة وإن كانوا لا يصرّحون به، ويسعون بكل ما لديهم من قدرات الايهام لنفيه هلعا وجزعا ومرض قلب.

# ، ،

مقالات ذات صلة

المصادفة : بين عين الخضر وعين دوكنز
“كنت اليوم في المدينة والتقيت صدفة بأحد أصدقائي في الجامعة الذي لم ألتقيه منذ عشر سنين، وكنت بالمصادفة يومها فكرت فيه، أو رأيته مصادفة...
6 دقائق للقراءة
صفحة من كتاب الجفر
حين كتبت عن “نيبيرو”، لعل الكثيرين تهكموا مما ذكرته.ولعل كثيرا منهم الان يشاركون نشر خبر الكويكب القادم الذي اعلنت عنه وكالة الفضاء الامريكية ناسا.وحين...
3 دقائق للقراءة
الحرب الثالثة – Third War
كنت تكلمت منذ سنوات في بعض وسائل الاعلام ودونت في بعض المقالات عن “الحرب العالمية الثالثة” ضمن نمطية إخراج جديدة.ويبدو أني كنت مخطئا: فالمؤشرات...
3 دقائق للقراءة
لأني أحبك
لأني أحبكقالت لي الريح كُنّيحتى تراهاوليس يراك الوشاةُ لأني أحبكقالت لي الشمس خذنيلتنسى هواهاإذا جاء ليلُ النوىوالشتاتُ لأني أحبكقال لي النهر ذب في مياهيلتنساب...
< 1 دقيقة للقراءة
المكرّم من كرّموه، والمقدّم من قدّموه.
نفعنا الله وإياكم بأسرار الصالحين وأنوار الأولياء الأكرمين. وأدخلنا تحت لواء أهل الحضرة اصحاب النظرة.لي عشق خاص لارض الهند وباكستان وبنغلاديش. ففيها الآلاف من...
2 دقائق للقراءة
قصة الخلق الجزء الرابع: في معاني “الأرض”
إن لغز الحياة خارج كوكب الأرض يستمر في إثارة خيال الكتاب وصنّاع الأفلام، وفي تحفيز وكالات الفضاء على البحث ومحاولة التواصل مع الحضارات الأخرى...
6 دقائق للقراءة
قصة الخلق الجزء الثالث خلق الكون بين القرآن الكريم ونظرية النسبية
 يقول الحق جل وعلا في محكم تنزيله: “إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ...
6 دقائق للقراءة
قصة الخلق الجزء الثاني: الكون أولا
ظلّ الكون لغزا لقرون طويلة، أو هكذا يبدو في كتاب التاريخ الوضعي (رغم وجود أدلة على أن بعض الحضارات السابقة كانت تعرف عن الكون...
3 دقائق للقراءة
قصة الخلق سلسلة مقالات جديدة
“قصة الخلق” عنوان سلسلة المقالات القادمة التي سأقوم بنشرها للإجابة عن أسئلة مهمة: هل البشر جنس متطور من أجناس سابقة، وهو في بدايات الخط...
< 1 دقيقة للقراءة
الأمة المعدودة والعذاب الواقع
تعتبر مسألة العذاب مسألة مفصلية، كما أن ذكر العذاب في القرآن الكريم ذكر مكثف وكثير. وهو على بابين كبيرين: باب دنيوي، حيث تسليط العذاب...
5 دقائق للقراءة