القدس وحرية الإنسان

3 دقائق للقراءة

نحن لم نغادر يوما خندق المقاومة، ولم نركن للمساومة عن قضية يُجمع كل أحرار العالم على أحقيتها وقدسيّتها.

فليست فلسطين فقط تلك الأرض العربية تاريخا وجذورا ومنبتا وأصلا، والتي اغتصبها كيان شيطاني قتّل أبناءها وشرّد أهلها وارتكب بحقهم مجازر فظيعة شنيعة، ولا هي فحسب الأرض التي يسقي ثراها الشهداء جيلا بعد جيل، ويتضامن معها كل ذي نفس حرة أبية تأنف الضيم وتأبى الذلة. بل هي عنوان حرية الإنسانية في هذا العصر. إنها رمز لكل الذين قاوموا محتلا في تاريخ الكوكب، ولكل الأبطال في تاريخ الأمة الاسلامية الذين واجهوا الحروب الصليبية منذ القرن الحادي عشر إلى تحولها إلى استعمار جاء ليسلب الخيرات ويهتك العرض ويغتصب الأرض ويمنع الفرض ويحارب الدين تصريحا لا تلميحا، مثل ذاك النشيد الذي كان ينشده الجنود الطليان أثناء غزو ليبيا سنتي 1911- 1912م: “ﺃﻧﺎ ﺫﺍﻫﺐ ﺇﻟﻰ ﻟﻴﺒﻴﺎ ﻓﺮﺣﺎ ﻣﺴﺮﻭﺭﺍ ..لأﺑﺬﻝ ﺩﻣﻲ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻞ ﺳﺤﻖ ﺍﻷﻣﺔ ﺍﻟﻤﻠﻌﻮﻧﺔ ﻭ ﻣﺤﻮ ﺍﻟﻘﺮآﻥ …ﻭ ﺇﺫﺍ ﻣﺖ ﻳﺎ ﺃﻣﻲ ﻓﻼ ﺗﺒﻜﻴﻨﻲ ….ﻭ ﺇﺫﺍ ﺳﺄﻟﻚ ﺃﺣﺪ ﻋﻦ ﻋﺪﻡ ﺣﺪﺍﺩﻙ ﻓﻘﻮﻟﻲ :ﻟﻘﺪ ﻣﺎﺕ ﻭ ﻫﻮ ﻳﺤﺎﺭﺏ ﺍﻹﺳﻼم”[1].

وهي مقدّسة لأجيال من الانبياء والصالحين والشهداء الذين سكنوها أو مروا بها. ولأن فيها أول القبلتين وثالث الحرمين، التي كان لنبي الإنسانية محمد صلى الله عليه وعلى آله فيها موعد عظيم، والتي تحتوي جدرانها على صدى صوت السيد المسيح عليه السلام داعيا مذكرا بني إسرائيل بالحق الذي غادروه وبالباطل الذي اختاروه، وفيها أنفاس أمه العظيمة الصديقة العذراء.

وهي برهان لله على عباده: من يتبع الحق رغم قسوة المسار ووعورة الطريق وكثرة المخاطر، ومن يركن للباطل ويميل للظلم طامعا في مكسب أو خائفا على منصب أو أعمى هوى أو متآمرا مع عدو الإنسان وعدو آدم وكل تقي خيّر من بنيه، بل عدو الله الذي لا يحب المفسدين.

صفقة القرن اجتماع لكل ذلك اللفيف الذي قدّر الله من قبل اجتماعه نفيرا لمن كتب عليهم في الكتاب الإفساد في الأرض مرتين. وكل ما يجري من حروب في العالم وفساد في أرضنا وأمتنا مرتبط بتلك الشرذمة، لأنه لا يوجد مفسد إلا وله بهم وشائخ، ولا فاسد إلا وهو بيدق في أيديهم. فانتصار فلسطين ونصر القدس هو انتصار للبشرية كلها، وانكسار بني صهيون هو انكسار للظلم في العالم كله.

التكفير وجه من وجوههم والتعهير والشذوذ والالحاد وجه آخر. وكل شراذم المفسدين في المناصب وفي مواقع الحكم والادارة والمال هم خدم لهم سواء عرفوا ذلك أم كانوا في طغيانهم يعمهون.

ولكن على ضفة الأمل واليقين ثلة من الصادقين وقلة من الصابرين يحمل المشعل فيهم القادة والصالحون جيلا بعد جيل، ويقفون صامدين بوجه رياح العقم واليأس والخذلان. لا ترتعش أيديهم ولا ترهب قلوبهم ولا تتخدر عقولهم ولا تعمى أبصارهم ولا يرقى إلى أرواحهم شك ولا إلى ضمائرهم صدأ.

فالحمد لله الذي شرّفنا بالوقوف معهم، ننظر فيهم سر الله في آدم ونفخة الروح الأولى، وننظر إلى كل حر من بني الانسان على اختلاف العرق واللون والدين والطائفة. وننظر باعتزاز إلى إخوتنا المسيحيين الصامدين في فلسطين ومن حولها ومن كان معهم في أرجاء الأرض، وننظر بفخر إلى أبناء أمة الإسلام الذين تغلي في عروقهم دماء القسام والشيخ عمر المختار وكل الأبطال والشهداء والأخيار.

يوم القدس العالمي بادرة عظيمة وموعد سنوي، ومهما يكن من خلافات على سطح عالمنا العربي والاسلامي تبلغ حد الحرب والتآمر، فإن كل حر في عالمنا الاسلامي وكل صاحب وعي مستنير وقلب ذرب ذكي، يعلم أن لا شيء أهم من وحدة الصف لمعرفة العدو المشترك الواحد، ولتوجيه البوصلة إلى وجهتها الصحيحة، إلى القدس أولا وأخيرا، لأن في تحرير القدس حرية لنا جميعا. ونحن واثقون أن موعد الصلاة فيها قريب، وأن في أفق الظلمة والغبش الشديد، بشائر فجر جديد.

أليس الذي وعد بذلك القدير الفعال لما يريد.

السيد أبو علي مازن بن الطاهر بن علي الحسني الحسيني الشريف


[1] الدكتور سيد بن حسين العفاني، زهرة البساتين من مواقف العلماء والربانيين، دار العفاني، القاهرة،  ج 3، ص:31

مقالات ذات صلة

فلسطين قضية إنسان
تميل الفطرة البشرية للعدل وتأنف الظلم ولا تحب العدوان. والمظالم لا تسقط بالتقادم، والحق لا يصير باطلا لمجرد أن البعض أراد طمسه واتخذ الباطل...
< 1 دقيقة للقراءة
صمت وكلام
لم أعد أريد أن أكتب عنك، لأن الكتابة عنك تحزنني، ولا تفيدك بشيء، فما أنت فيه لا تغيره الكلمات، بل تغيره أفعال شعب لا...
< 1 دقيقة للقراءة
كورونا وسقوط العولمة، عندما انقلب السحر على الساحر
روّج دعاة العولمة طويلا لتحول العالم إلى قرية صغيرة تربط بينها التكنولوجيا والقنوات الاعلامية، وتنفتح فيها التجارة على العالم كله، ليعيش الإنسان في رفاه...
5 دقائق للقراءة
حزب الشيطان وفتنة بني إسرائيل
إن تتبع خيوط التاريخ يفسّر الحاضر ويبيّن ملامح المستقبل. إن كنت لا ترى بعين العدو، فعينك عمياء في ساحة المعركة. إن كنت لا تفهم...
7 دقائق للقراءة
علم الشر واستراتيجيات الشيطان
لطالما شغل تفكيري موضوع الشر العالمي وأهدافه وغاياته وفق تتبع الخيط القرآني والخيط التاريخي. حتى أني أفردت فصلا في موسوعة البرهان لما أسميته “علم...
5 دقائق للقراءة
تنبيه مهم ضروري وخطير
كل تعامل مع وباء #كورونا لا يأخذ بالاعتبار أنه سلاح فتاك وجندي خارق تم تطويره لأكثر من ثلاثين عام، هو تعامل قاصر وعاجز. على...
4 دقائق للقراءة
كورونا ووهم الحضارة
تغنى الكثيرون بالحضارة ورقيها الحالي، وجعلها المتحمسون لها أقوى وأعظم الحضارات على مر التاريخ. وبلغ ببعض الملاحدة أن قالوا: “إن العلم اليوم أثبت أن...
5 دقائق للقراءة
كورونا وبراءة الذئاب
Dr Mazen Cherif, [17.03.20 15:17] يرفض الكثيرون تصديق أن هذا الوباء ضربة بيولوجية محكمة سبق التخطيط لها. وكأننا نعيش في عالم من الملائكة، ولم...
2 دقائق للقراءة
في معنى السحر وأنواعه
نظرا لكثرة الرسائل التي وردتني بعد مقالي السابق المختزل عن آفة السحر، ولأمانة العلم والرغبة الصادقة في نفع الناس عامة وأمة الإسلام خاصة، حيثما...
15 دقائق للقراءة
عن السحر وفنون العلاج الروحي
يتصل بي كثيرون حول مسألة السحر والعين والمس…. وللتذكير فقد نشرت فصولا من كتابي “السر الحرام” حول حقيقة السحر وأنواعه. وكنت من قبل دونت...
6 دقائق للقراءة